الدرس في كتاب الطهارة 63، الدرس الثالث والستون:من( 7-باب الحيض ... وذكر ابن دقيق العيد أن ذلك كالمجمع عليه من الخلف والسلف إلا الخوارج ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشرح بحديث فاطمة بنت أبي حبيش لتوضيح حكم الصلاة أثناء الاستحاضة ومعنى الحيض وأحكامه وعلامات البلوغ.
يتم توضيح الفروق بين دم الحيض ودم الاستحاضة مثل اللون والرائحة والتخثر، وأحكام الاستحاضة مثل عدم وجوب الغسل لكل صلاة.
يشرح الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة ويبين أحكام كل منهما، مع التركيز على قضاء الصلاة والصوم للحائض.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: باب الحيض، قال الحديث التاسع والثلاثون عن عائشة رضي الله عنها أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: «لا، إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي». وفي رواية: «وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاترك الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي». أورد الإمام الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره لحاديث الطهارة، وفي باب الحيض. وأقرب الألفاظ هو لفظ الإمام البخاري رحمه الله في حديث رقم ثلاثمائة وخمسة وعشرين، قال: حدثنا أحمد بن أبي رجاء، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: سمعت هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي عن عائشة رضي الله عنها، فذكر الحديث بلفظه، غير أنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: إني أستحاض، ولم يقل: فقالت. وهذا سهل. ورواه مسلم رحمه الله نحوه، حديث ثلاثمائة واثنين وثلاثين. وقوله في رواية: هي رواية الإمام البخاري في حديث ثلاثمائة وستة، قال الشارح رحمه الله: قوله: باب الحيض، قال: الحيض دم جعله الله تعالى من رحمته وحكمته في رحم المرأة غذاء لجنينها، فإذا وضعت تحول إلى لبن لغذاء طفلها. فإن كانت غير حامل ولا مرضع، برز الزائد منه في أوقات معلومة. لهذا يندر أن تحيض الحامل أو المرضع، ويتعلق بخروج أحكام في العبادات وغيرها. هكذا قال أكثر أهل العلم، وقال بعضهم غير ذلك، والأمر سهل، والله أعلم. المهم أنه دم يخرج من المرأة إذا بلغت سن البلوغ، وهو علامة من علامات بلوغ المرأة. وللمرأة أربع علامات تزيد على الرجل بعلامة، وللرجل ثلاث علامات. ما هي هذه العلامات الثلاثة التي للرجل؟ بلوغ خمس عشرة سنة، إنزال المني، إنبات شعر العانة، هذه ثلاث. والرابعة للمرأة أنها تحيض، إذا نزل دم الحيض. والتنبيه على مثل هذه العلامات مهم؛ لأن بعض أولياء الأمور يجهل أمر هذه العلامات، فيظن أن البلوغ ينحصر عند المرأة بنزول دم الحيض، وعند الرجل بإنبات الشارب أو الإنزال، وهذا خطأ. بل من بلغ أحد هذه العلامات فهو البالغ، ولو لم تظهر العلامات الأخرى، فهو في الشرع البالغ، ولو لم تظهر العلامات الأخرى. فكم من نساء في البيوت لا يؤمرن بالصيام بحجة أنها لم تحض، وربما هي أكبر من خمس عشرة سنة. وهكذا كذلك بالنسبة للأبناء، وغير ذلك من المسائل الأخرى. قال رحمه الله تعالى: غريب الحديث، قال: قوله: «ذلك» بكسر الدال، خطابا للمرأة السائلة. و«عرق» قال: أي عرق انفجر، كما جاء في إحدى الروايات. ويقال لهذا العرق: العاذل، وهو في أدنى الرحم دون قعره. وتحس المرأة بذلك، فهي تميز بين دم الحيض ودم الاستحاضة بما تشعر من خروج الدم. فإن دم الحيض يخرج من قعر الرحم، ولهذا قد تحس به المرأة قبل نزول الدم. وأما دم الاستحاضة فهو يخرج من طرف الرحم. وهذه أحد الفروق بين دم الحيض ودم الاستحاضة. ومن الفروق كذلك أن دم الحيض له رائحة، ودم الاستحاضة ليس له رائحة. ومن الفروق كذلك أن دم الحيض يكون مائلا إلى السواد، ودم الاستحاضة حمرته مائلة إلى الانفتاح. ومن الفروق كذلك أن دم الحيض لا يتخثر سريعا، يعني لا يتجلط. وأما دم الاستحاضة فإنه يتخثر ويتجلط سريعا. فهذه أربعة فروق بين دم الحيض ودم الاستحاضة. متى ما وقفت المرأة على واحد منها، فبه تحكم أن هذا دم حيض أو دم استحاضة. قال رحمه الله: قوله: «إذا أقبلت الحيضة»، قال: الخطاب بكسر الحاء، وغلط من فتحها؛ لأن المراد الحالة. والظاهر أنه يجوز بالفتح ويجوز الكسر، وقد ذكر ذلك غير واحد من شراح الحديث. قال: وجوز القاضي عياض وغيره الفتح، وهو أقوى؛ لأن المراد الحيض. قال الرابع: ذكر الصنعاني أن «فدعي الصلاة» أولى من «فدع الصلاة»؛ لأنه مما اتفق عليه، والأمر سهل؛ لأن الراوي قد يروي بالمعنى. فدعيه بمعنى تركي، المعنى مقارب؛ لأن اللفظ وإن كان قد يكون بينهما فرق أحيانا، يستعاض ببعض الألفاظ بعضها عن بعض إذا أمكن ذلك من جهة تقارب المعنى. قال المعنى الإجمالي: ذكرت فاطمة بنت أبي حبيش للنبي صلى الله عليه وسلم أن دم الاستحاضة يصيبها فلا ينقطع عنها، وسألت هل تترك الصلاة لذلك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تترك الصلاة؛ لأن الدم الذي تترك لأجله الصلاة هو دم الحيض، وهذا الدم الذي يصيبك ليس دم حيض، وإنما هو دم عرق منفجر». وفي هذا كذلك إشارة إلى قرينة يستأنس بها في التمييز بين دم الحيض والاستحاضة: أن دم الاستحاضة يستمر، يزيد عن عادة المرأة. فإذا كانت المرأة مثلا عادتها سبعة أيام ينزل فيها الدم، ففي أحد المرات استمر الدم عبر الأيام السبعة، ولا يزال يخرج، فعند ذلك تنظر في وصف الدم، هل تغير وصف الدم؟ فإن تغير وصف الدم فيتأخذ بهذا التغيير. فإن لم يتغير، فإنها تصبر؛ لعلها عرض لها عارض جعل الدم يستمر؛ لأنه أحيانا المرأة قد تأكل بعض الطعام أو تبذل بعض الجهد أو كذلك يتغير عليها الجو بسفر أو بغيره، فيتغير عليها أيام حيضها، قد يحصل هذا لبعض النساء. وأحيانا يكون هذا الدم دم استحاضة، ليس هو دم حيض، فتميز الاستحاضة بوصفه. فإن لم يتميز لها واستيقنت أنه حيض، فهو حيض. فإن كان استمر على خلاف العادة، وشكت في وصف الدم، هل يجوز لها أن تأخذ بعادتها؟ الجواب: نعم، يجوز لها أن تأخذ بعادتها إذا شكت في وصف الدم، ولم تستطع الجزم أنه دم حيض؛ لأن الأصل هو بقاء عادتها على ما هي عليه، فالأصل بقاء الحال على الحال. قال رحمه الله: «فإذا انقضت فاغتسلي واغسلي عنك الدم ثم صلي»، ولو كان دم الاستحاضة معك، يعني دم الاستحاضة لا يضر. قال: ما يؤخذ من الحديث: الفرق بين دم الاستحاضة وبين دم الحيض، فدم الاستحاضة هو المطبق. وأما دم الحيض فله وقت خاص. يعني دم الاستحاضة يستمر في الغالب، يخرج عن عادة المرأة، فهذه علامة يستأنس بها، ولا يجزم بها. قال الثاني: أن دم الاستحاضة لا يمنع من الصلاة وسائر العبادات. وهل يلزمها الغسل لكل صلاة؟ الجواب: قال بذلك بعض أهل العلم، والصحيح: لا؛ لأنه لم يصح به حديث صحيح صريح مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أي الغسل لكل صلاة. وهل يلزم كذلك الوضوء لكل صلاة؟ جمهور أهل العلم قالوا بذلك؛ لما جاء في الصحيح أنها كانت تتوضأ لكل صلاة. ورجح الحفاظ أن هذه اللفظة من فعلها، ليس من أمر النبي صلى الله عليه وسلم. وما جاء من لفظ أنه من أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالوضوء لكل صلاة فهو شاذ، تفرد به بعض الرواة الثقات. وأكثر الرواة أنه من فعلها، ليس من أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون معناه: لو توضأت لكل صلاة كان حسن، ولا يلزم أن تتوضأ لكل صلاة. وهذا هو الصحيح؛ أولا من جهة الدليل؛ لأنه لا يوجد دليل صحيح صريح مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام فيه الأمر بالوضوء لكل صلاة، أي للمستحاضة. وثانيا من جهة التعليل: أن هذه الاستحاضة إذا كانت لا تضر في وقت الصلاة، فهي لا تضر إلى وقت الصلاة الأخرى. وإنما يلزمها الوضوء لفعلها ناقض من نواقض الوضوء. وبمثل هذا يقال لصاحب السلس. وهذا هو كذلك الموافق لعموم الأدلة الشرعية من جهة الرفق ورفع الحرج. قال رحمه الله: ثالثا: أن دم الحيض يمنع من الصلاة من غير قضاء لها. وذكر ابن دقيق العيد أن ذلك كالمجمع عليه من الخلف والسلف، إلا الخوارج، يعني الحرورية، كما سيأتي إن شاء الله الكلام عليه. فالحائض لا تقضي الصلاة، وتقضي الصوم فقط، كما سيأتي الكلام عليه في الحديث الذي بعده إن شاء الله. إلى هنا والله تعالى أعلم، ونترك الباقي إلى درس اللاحق لانتهاء الوقت. جزاكم الله خير.