كتاب الطهارة 64

كتاب الطهارة 64

الدرس في كتاب الطهارة 64، الدرس الرابع والستون:من( 4-أن المستحاضة التي تعرف قدر عادة حيضها ...وجوب الغسل على المستحاضة عند انتهاء عدة أيام حيضها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام المستحاضة ودم الحيض

شرح أحكام المستحاضة التي تعرف عادة حيضها وكيفية التعامل مع استمرار الدم، وبيان أن العبرة بالدم وليس بعدد الأيام، وأن دم الحيض نجس يجب غسله.

حكم الغسل للمستحاضة وتكراره

بيان اختلاف العلماء في وجوب الغسل للمستحاضة لكل صلاة، وذكر أدلة الطرفين في المسألة، مع توضيح أن الجمهور يرى عدم وجوب تكرار الغسل لعدم ثبوت الأحاديث.

أحكام الجماع أثناء الاستحاضة ودمها

شرح معنى دم الاستحاضة، وفصل في حكم الجماع أثناء الاستحاضة، مع بيان أن الطفل يتغذى من دم الأم وليس من دم الحيض مباشرة، وتحذير من استخدام الحبوب المؤثرة على الدورة الشهرية.

حكمة خروج الدم الحيض

الإشارة إلى أن خروج الدم الحيض قد يكون له حكمة إصلاحية للمرأة، واختتام بالقول بأن الله تعالى أعلم بحقيقة ذلك.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: ما يؤخذ من الحديث، قال: رابعًا: أن المستحاضة التي تعرف قدر عادة حيضها تحسبها، ثم تغتسل بعد انقضائها لتقوم أيام طهرها بالعبادات التي تتجنبها الحائض. ومعناه أن المستحاضة إذا كانت لها عادة كما سبق، فاختلط عليها الدم لم تستطع التمييز، فإنها تترك الصلاة والصيام، وهكذا كذلك إتيان الزوج في وقت أيام الحيض، مثلًا كانت سبعة أيام، فإنها تترك سبعة أيام، وبعد الأيام السبعة فإنها تغتسل وتصلي، ثم تستمر على هذا على أمر الطهارة. فغسلها لرفع حدث الحيض. ومر معنا أنها إذا كانت تمييز بالدم، فالعبرة بالتمييز لأنه يقين. فإن لم تميز رجعت إلى عادتها. فإن اضطربت عادتها، وهذا نادر، والغالب على النساء أن يكون لهن عادة، حتى بعض النساء توفق ما شاء الله أن تنضبط عادتها بالساعة. فإذا كان كذلك، فيتأخذ بعادتها إن كان لها عادة منضبطة. ولكن في هذه المرة استحيضت، يعني استمر دم معها، فعند ذلك تأخذ بعادتها. وهنا قد يرد إشكال وسؤال في المرأة التي قد يكون أتاها الاستحاضة فأول مرة هي ترى أن الدم استمر، فكيف تصنع؟ هل تصبر أيام أم لا؟ الجواب: المرأة الغالب تميز قرب وقت الطهر قبل الطهر، لأن الدم يبدأ أولًا بقلة، ثم يزيد، ثم ينتهي بقلة، ثم ينقص حتى تأتي صفرة، ثم تأتي بعد الصفرة الكدرة، والصفرة والكدرة بعدها الطهر. فإذا المرأة استطاعت أن تعرف انتهاء الحيض قبل انتهاء عدد الأيام، فإذا رأت أن عدد الأيام قرب، كأن تكون مثلًا في اليوم الأخير هي عدتها سبعة أيام، ففي اليوم السابع رأت الدم ما زال على كثرته، ما زال على كثرته، ولم تر فيه خفة. لكن عندها قرائن أن هذا الدم هو احتمالًا يكون استحاضة، من هذه القرائن أن تكون شكت في حمل، ومن هذه القرائن أن تكون تعبت في سفر، ومن هذه القرائن أن تكون أكلت دواء أو غير ذلك. فعند ذلك ممكن أن تأخذ بعادتها من أول يوم، أول ما تنتهي السبعة الأيام تغتسل وتصلي. وإن كان لا يوجد شيء من القرائن يدل وهي في أول أمرها، فلا تستعجل. وكما مر معنا أن المرأة قد تختلف العادة عندها لأسباب كثيرة. فإذا تنتظر اليوم الأول بعد السبعة الأيام، اليوم الثاني، اليوم الثالث، فإذا رأت أن الدم استمر، فعند ذلك تأخذ بعادتها. وهل هناك حد لأقصى أيام الحيض وأدنى؟ الصحيح أنه ليس هناك حد لأكثره ولا لأقله، والعبرة إنما هو بالدم. لكن لا بأس أن المرأة تأخذ بأكثر حد لنساء جنسها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض روايات حديث المستحاضة أمر بمعنى ذلك. فلا بأس أن تأخذ بذلك، يعني مثلًا كانت على سبعة أيام فاستمر الدم يوم، يومين، ثلاثة، هي تعرف أنه ليس أحد من أهلها لا من أهل البيت ولا من قراباتها يزيد دم حيضها عن عشرة أيام. فإذا بعد عشرة أيام ماذا تفعل؟ خلاص تغتسل وتصلي وتجعل هذا الدم دم استحاضة. واضح. وأما قول بعضها للعلم أنها تمكث خمسة عشر يومًا وهو أقصى مدة للحائض، فهذا ليس على إطلاقه. الصحيح أن المرأة إذا احتارت تأخذ بعادة قريباتها هذا الأقرب، أولًا من جهة الدليل، وثانيًا من جهة واقع حال النساء. وأما التحديد بخمسة عشرة يوم مجازفة، فهذا يحتاج أولًا إلى دليل، ولا دليل. وثانيًا يحتاج كذلك إلى شيء يصححه ويصدقه من الواقع، وليس كذلك. فالنساء يختلفن اختلافًا كبيرًا. قال رحمه الله تعالى: خامسًا: أن الدم نجس يجب غسله، أي دم الحيض، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحديث: «اغسلي عنك الدم ثم صلي»، فاغسلي عنك الدم وصلي، فدل على أن هذا الدم نجس، أي دم الحيض خاصة. وأما غير دم الحيض، ففيه خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنه طاهر، إلا ما دل الدليل على نجاسته، الأصل طهارة الدم إلا ما دل الدليل على نجاسته. قال: سادسًا: أنه لا يجب على المستحاضة تكرار الغسل، أو الغسل يجوز هذا وهذا لكل دخول وقت صلاة. يقول: الصحيح أنه لا يجب على المستحاضة تكرار الغسل لكل دخول وقت صلاة. وقد وردت رواية في ذلك، لكنها شاذة كما مر معنا، وسأت إن شاء الله التنبيه عليه في الحديث الذي بعده. قال: السابع: ذكر ابن دقيق العيد أن قوله: «فاغسلي عنك الدم وصلي» مشكل في ظاهره، لأنه لم يذكر الغسل، ولا بد فيه بعد انقضاء أيام الحيض من الغسل. والجواب الصحيح أن هذه الرواية وإن لم يذكر فيها الغسل، فهي متضمنة له لوروده في الرواية الأخرى الصحيحة التي قال فيها: «واغتسلي»، فيكون تركه من باب ترك المعلوم. فإذا كان كذلك، فالسنة يفسر بعضها بعضًا، السنة يفسر بعضها بعضًا، فلا إشكال في هذا. قال رحمه الله تعالى: الحديث الأربعون، عن عائشة رضي الله عنها: أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأمرها أن تغتسل، فكانت تغتسل لكل صلاة. هكذا عندنا في لفظ العمدة، وأقرب الألفاظ إليه. ولفظ الإمام البخاري في حديث ثلاثمائة وسبعة وعشرين قال: حدثني إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا معًا، قال: حدثني ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن عروة، وعن عمرة، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت الحديث. ورواه مسلم نحوه، حديث ثلاثمائة وأربع وثلاثين. غير أن لفظ الإمام البخاري زاد فيه بعد قوله: «أن تغتسل»، زاد فيه: «قال: وهذا عرق». قال الشارح رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي: أصابت الاستحاضة أم حبيبة بنت جحش سبع سنين، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن كيفية الطهر من ذلك، فأمرها أن تغتسل، فكانت تفعل ذلك لكل صلاة. والمعنى: أمرها أن تغتسل لأجل طهرها. المرأة الحاضة إذا طهرت تغتسل مرة واحدة فقط، ثم تصلي. ولكن كانت أم حبيبة تغتسل لكل صلاة من عندها، من نفسها، لم يأمرها النبي عليه الصلاة والسلام. وجاء في بعض الروايات ذكر الغسل، وأنه أمر به النبي عليه الصلاة والسلام، لكنها شاذة بين الحفاظ، أنها شاذة لم تصح، كما يدل على ذلك صنيع أبي داود رحمه الله تعالى، فإنه ذكر الحديث بلفظ آخر، ثم أشار إلى أن الغسل لم يصح. وفي حديث أبي داود ذكر الاغتسال، قالت: «تنتظر أيام قرائها، ثم تغتسل وتصلي، فإذا رأت ذلك -يعني مرة أخرى- توضأت أو تتوضأ وتصلي». ومر معنا أن رواية الوضوء لكل صلاة كذلك شاذة. وقد بيّن ابن أبي حاتم رحمه الله في علله، فيما نقله عن أبيه، أنه نقل أن هذه الرواية الصحيح فيها الإرسال. وهكذا أشار الحافظ ابن رجب رحمه الله في تعليقه على الحديث: أنه لم يصح الغسل. وهكذا كذلك أن الوضوء إنما هو من قول عروة، الوضوء لكل صلاة لم يصح من قول النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما صح من قول عروة. ثم أشار إلى أن الإمام البخاري رحمه الله ذكر ذلك في كتاب الوضوء، عن هشام، من عروة، أنه قال: وقال أبي: «توضئي لكل صلاة»، أو قال: «تتوضأ لكل صلاة». فصار قول الأمر بالوضوء لكل صلاة ليس من النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما هو من قول عروة، وليس هو مرفوعًا من قول النبي عليه الصلاة والسلام. وسبق معنا الكلام على هذه المسألة. وإن توضأت لكل صلاة، فهذا حسن، لأن الأمر بالوضوء لكل صلاة حسن، حتى لغير المستحاضة كما مر معنا، فالمستحاضة من باب أولى. قال الشارح رحمه الله: اختلاف العلماء، اختلف العلماء في غسل المستحاضة لكل صلاة، هل يجب أو لا؟ فذهب بعضهم إلى وجوبه، عملًا بأحاديث وردت بذلك في بعض السنن. وذهب الجمهور من السلف، ومنهم علي وابن عباس وعائشة، والخلف، ومنهم الإمام أبو حنيفة ومالك وأحمد، لعدم وجوبه -يعني الغسل لكل صلاة-، مستدلين بالبراءة الأصلية، وهو أن الأصل عدم الوجوب. أجاب عن أحاديث الأمر بالغسل: أنه ليس فيها شيء ثابت -يعني لم يصح-. وهذا مذهب أكثر أهل العلم. قال: وغسل أم حبيبة لكل صلاة إنما هو من عندها، ليس أمرًا من النبي صلى الله عليه وسلم لها في كل صلاة -يعني لم يأمرها ولم يصح-، وإنما أمرها بالغسل فقط -يعني مرة واحدة بعد الطهر- كما هو في الروايات الثابتة. وذكر ابن دقيق العيد: أنه ليس في الصحيحين ولا أحدهما أنه أمرها بالاغتسال لكل صلاة، وإنما ورد كما قال في بعض الروايات، ولكنها شاذة. والصحيح أنه من فعلها، ليس من قول النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا على الصحيح: الصحيح كذلك الوضوء لكل صلاة لم يأمرها النبي عليه الصلاة والسلام في شيء صحيح صريح، الوضوء لكل صلاة على وجه الوجوب. وأما إذا كان على الاستحباب، فهذا تدل عليه عمومات كثيرة. ولكن هذا جاء من قول عروة، كما سمعنا من كلام الحافظ ابن رجب في شرح الحديث. قال: ما يأخذ من الحديث: وجوب الغسل على المستحاضة عند انتهاء عدة أيام حيضها، هذا لمن كانت لها أيام معلومة. ومن لم يكن لها أيام، فعلى ما سبق تفصيله. وفي هذا الحديث كذلك أهمية العلم والسؤال عنه. وفيه كذلك من المسائل ما يجب أن يأخذ به المسلم من أمر الحيطة في دينه. وفيه كذلك الأمر بالرجوع إلى العادة عند فقدان البينة، وهذا ليس في حكم الاستحاضة فقط، بل في نظائر كثيرة، حتى في باب الخصومات، ذكر العلماء: أنه عند الخصومات يرجع إلى العادة -يعني في المخاصمات وأشياء كثيرة نحو ذلك-. هذا سائل يقول: ما معنى دم الاستحاضة؟ معناه: ليس لونه داكن، ليس حمرته يميل إلى السواد مثل دم الحيض، وإنما حمرته يميل إلى الانفتاح -يعني إلى الصفار-. وهذا سائل يقول: هل يجوز الجماع في وقت الاستحاضة مع خروج الدم بعد الخارج عن عادتها؟ يعني إذا كان قصده بعد انتهاء أيام العادة المعروفة، فنعم، بعد أن تغتسل، بعد أن تغتسل. وهذا يقول: الذي ذكره الشارح رحمه الله من أن ذلك الدم غذاء للطفل بعيد جدًا عما درسناه في العلوم المختلفة من البيولوجيا وغيرها. فكيف يمكن أن نقول أن غذاء الطفل شيء نجس في وصفه وحرام على الإنسان بأصله -أعني الدم-؟ هل من بيان؟ البيان: أن الطفل ليس له مصدر للغذاء إلا غذاء الأم، وليس المعنى أن عين دم الحيض هو يتغذى به الطفل، لا. لكن المقصود أن بعض أهل العلم وأهل الطب كذلك من قديم يقولون: أن العلة في انقطاع الدم عن الحامل هو انشغال الرحم بحملها، فلا يذهب الدم إلى موضعه الذي كان فيه أو كان يذهب إليه. والطفل بالحقيقة هو يتغذى من الدم، كما أن الجسم يتغذى من الدم. وهذا كلام أهل العلم من التخصص اليوم. فالإنسان إذا أكل الطعام، ذهب طعامه إلى أين؟ بعد تحلله في معدته إلى الدم، فيكون غذاؤه من الدم. وهذا الدم هو نفسه يدور بسرر الطفل -تعرفون السرر سرته- يذهب من الأم من مشيمتها إلى الطفل، فيتغذى بذلك الدم. وليس معناه أن الطفل يشرب دم الحيض، لا. لكن معناه أن الدم ذاك ينشغل الجسم به في تغذية الطفل، فلا يذهب شيء فائض يخرج من الجسم. ولهذا هم يقولون: أن خروج دم الحيض من المرأة هو في الحقيقة عافية وليس مرض، عافية وليس مرض. فهو سبب الاعتدال المرأة في جسمها وفي صحتها، حتى في عقلها وتفكيرها. وأذكر أن بعض الإخوان سألني مرة عن استعمال الحبوب للحائض التي تؤخر رضاع -يريد يذهب الحج أو العمرة- نسيت. فقلت له: إذا كان غير ضار، فما أستطيع أن أحرم عليك، والأفضل تركه. وإذا كان ضار، وقال أهل الطب أنه ضار، فلا تستعمله. المهم غلبت المرأة واستعمل هذا الأخ -يعني يعطي لمرأته هذه الحبوب- واستعملتها. فلما رجع من الحج، قال: ليتني أخذت بالنصيحة وما استعملت الحبوب. قال: استعملتها المرأة لأجل أن تتفرغ للعبادة، فتفرغت للمشاكل معي، لأن مزاجها انقلب، انقلبت امرأة أخرى من حين استعملت الحبوب. قال: انقلبت امرأة أخرى متمردة غضوبة، كل شيء يضايقها، كل شيء لا تستطيع الصبر عليه، فتعجب كأنها امرأة أخرى، ليس امرأته التي يعرفها من سنين. فحتى بحث عن سبب لذلك، لعله الجو، لعله كذا. ذهب بها إلى طبيب، كاد أن يذهب بها إلى طبيب نفسي. فيقول: أنه ذهب إلى طبيب في مكة، فقال له الطبيب مباشرة: هل تشرب حبوب الرضاعة أو حبوب منع الحمل؟ قال: نعم. قال: اتركها وستصير امرأة طبيعية. قال: أنا ظننت أنه يبالغ، فتركت هذه الحبوب، فصارت امرأة طبيعية، ذهب ذاك الغضب والتلك -يعني الخصومات-. فالشاهد: أن في هذا بيان أن الدم الحيض وخروجه في الحقيقة قد يكون إصلاح للمرأة. إلى هنا والله تعالى أعلم.