الدرس في كتاب البيع 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشترط لصحة البيع في الإسلام أن تكون العين المباعة مباحة النفع وذات نفع، مع التأكيد على أهمية جائز التصرف في المبيع. يُحرم بيع ما لا نفع فيه أو ما هو محرم.
يجب أن يكون البائع مالكًا للشيء أو وكيلًا عنه، وأن يكون الشيء المبيع مقدورًا عليه، مع التحذير من بيع الغرر لما فيه من جهالة وغموض قد يؤدي إلى النزاع.
تم اختتام الدرس مع الإشارة إلى تأجيل باقي الموضوع إلى الدرس اللاحق، مع الدعاء بالعلم من الله تعالى، مما يدل على الاستمرارية في مناقشة الموضوعات الهامة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال رحمه الله تعالى: ولا يجوز بيع الخمر والميت والخنزير والأصنام والكلاب والسنور والدم وعسب الفحل وكل حرام، وفضل الماء، وما فيه غرر كالسمك في الماء، وحبل الحبلة، والمنابذة، والملامسة، وما في الضرع، والعبد الآبق، والمغانم حتى تقسم، والثمر حتى يصلح، والصوف في الظهر، والسمن في اللبن، إلى آخر ما ذكر. وهذه كلها أنواع من البيوع المحرمة، وهي على أقسام، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله مبينًا. لكن نأخذ منها ما يتعلق بهذا الموضع، وهو شروط البيع. فمن شروط البيع كون العين مباحة النفع. من شروط البيع كون العين المباعة مباحة النفع، وهذا قولهم، أو منفعة مباحة. ومعنى مباحة النفع: أي ما أجاز الشرع التعامل بالبيع فيه، إما بالنص فهو حلال، وإما بالعمومات فمسكوت عنه فهو مباح، ويدخل كذلك في معنى الحلال. فمن المنصوص عليه، مثلا، بيع التمر والزبيب والشعير وغيره من أصناف المطعمات، أو كذلك بيع أنواع من الملبوسات مما دل دليل الشرع على جواز بيعه والتعامل المبادلة فيه بأي صورة من صور البيع. ومن العمومات ما يستدل به في سائر المباحات التي للناس فيها منافع، ولو لم يرد في الشرع التنصيص على بيعه، كالذي استحدث بيعه مما لم يكن معهودًا من قبل، مصنوعات كثيرة ومزروعات كثيرة ما كان أهل الإسلام الأول يعرفونه، هو يدخل في عموم المباح. وأما قولهم: كون العين مباحة النفع، أخرج ذلك ما ليس بمباح النفع، وهو على شيئين اثنين، أو على صنفين اثنين. صنف محرم دل الشرع على تحريمه، كالخمر والميتة والخنزير، وما سيأتي ذكره مما أشار إليه المؤلف رحمه الله. وهذه الإشارة ليست حصرًا، ولكن ذكر لنظائر كل ما كان بمعناها مما حرم الشرع بيعه، وسيأتي أنواع التحريم فيه، فهو كذلك محرم. والصنف الثاني: ما لا نفع فيه. ما لا نفع فيه، فالذي ليس فيه نفع فهو يدخل في الإسراف والتبذير. قال الله عز وجل: ﴿ولا تبذر تبذيرًا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورًا﴾. لا يجوز للإنسان أن يتعامل بما لا نفع فيه، فيكون من المبذرين، يضيع المال في غير محله، أو كذلك ما يكون بمعنى الإسراف. قال الله عز وجل: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾. والفرق بين الإسراف والتبذير: قيل معناهما واحد، وقيل معناهما متقارب. والفرق على من فرق بين الإسراف والتبذير: قيل التبذير وضع المال فيما لا يجوز وضعه فيه، من الحرام أو ما لا نفع فيه. والإسراف قالوا: هو التوسع في الحلال على وجه لا يكون فيه النفع، أو يكون به الضرر، فيكون كذلك في معنى الحرام. ومثاله: وضع المال في آلات اللهو والطرب، هذا من التبذير. وهكذا وضع المال في شراء صنوف الأزهار أو الأشجار أو الطيور بالمبالغ الباهظة التي لا نفع فيها. زهرة تباع ربما بمئة مليون، ما يوجد في اندونيسيا يوجد، مع أنها بلاد ما شاء الله تمشي والأزهار يمينك ويسارك، لكن سبحان الله فتن الناس. أزهار ما نجد مثلها في اليمن ولا في غير اليمن، ومع ذلك يوجد أناس يشترون زهرة بمئة مليون، زهرة يضعها في البيت، أو طير يشتريه بمنحه هذا المبلغ، ماذا يستفيد من هذا الطير؟ يسمع صوته في الصباح بمئة مليون، هذا ماذا؟ يدخل هذا في التبذير أم لا يدخل؟ ﴿ولا تبذر تبذيرًا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورًا﴾. ومثال الإسراف: رجل يشتري لحمًا لضيف، يكفي الضيف أن يشتري له ما يكفي الواحد ومن معه، لكن يفعل بعض الناس ماذا؟ عادات جاهلية فيها رائحة الفخر والخيلاء، يضعون كل ضيف في غرفة وله رأس كامل، لكل ضيف رأس كامل من المطعم. قالوا: إكرام الضيف، هل هكذا أمر الإسلام بإكرام الضيف؟ هذا من الإسراف، هذا من الإسراف؛ لأنه توسع على وجه لا يرضاه الله، فهذا من الإسراف، توسع في الحلال، توسع في المباح. وهكذا قل في أشياء أخرى كثيرة. فكون العين مباحة النفع، إذن: ليس بحرام نص الشرع على تحريمه، ولا كذلك مما لا نفع فيه. ومن ذلك بيع السنور، جاء في صحيح مسلم: «نهي عن بيع السنور»، وهو الهرة. قال العلماء: وفي هذا دليل على أن ما لا نفع فيه لا يجوز التعامل ببيعه وشرائه. ومنه أيضًا أن يكون البائع عنده أهلية البيع، وذلك أن يكون جائز التصرف. أن يكون البائع جائز التصرف، وهو العاقل الذي يجوز تصرفه في بائع مثله. لا يلزم أن يكون بالغًا، لكن وإن جاز أن يكون صغيرًا، يكون البيع إن كان صغيرًا فيما يأذن الشرع أو العرف ببيع مثله لمثله. مثلا: الشرع يجيز أن الصبي الصغير العاقل يبيع المساويك، يبيع في بسطة الخضار، يبيع كذلك في بعض البقالات، إن كان مميزًا عارفًا لما يبيع وبأسعار ما يبيع أو مذله يعرف ذلك، فهذا العرف يقضي بجواز بيع مثله. لكن لم يجري العرف أبدًا أن صغيرًا غير بالغ يبيع في محلات الذهب، أليس كذلك؟ الجواب: بلى، لا يوجد في عرف الناس أن الصغار يبيعون في محلات الذهب لدقة البيع فيها. فإذا اشترى رجل من صغير في محل ذهب، فالبيع ليس بصحيح؛ لأنه باع واشترى مع من هو ليس بجائز التصرف في مثل هذا الموضع. ومثله من باب أولى لو أن طفلًا صغيرًا باع ذهبًا لأحد الناس، لا ينبغي أن يشترى من مثله هذا المبيع. وهكذا يقال في نظائره من المبيعات. فإذا من شروط البيع أن يكون البيع مع من هو جائز التصرف. وجائز التصرف: هو العاقل الذي جرى العرف أو الإذن ببيع مثله لمثله. وهذا الإذن إما أن يكون إذنًا لفظيًا، مثل أب يأذن لابنه، أو نحو ذلك من كبير لصغير من أقربائه، أو إذن عرفي. إما إذن لفظي، وإما إذن عرفي، كان يجري العرف ببيع الصغير للأشياء التي ليست ثمينة، للأشياء التي ليست ثمينة، فإن العرف جرى بمثل ذلك. ودليل ذلك قوله سبحانه: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا﴾ الآية. فإن الله عز وجل نهى أن يعطى السفهاء، وهم النساء والأطفال الذين ليس عندهم خبرة ولا حسن تصرف في الأموال. وقوله عليه الصلاة والسلام: «رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم المجنون أو المعتوه حتى يفيق، والصبي حتى يحتلم». لكن جرى العرف بجواز بيع الصبي فيما أذن له فيه، إما إذن لفظي أو إذن عرفي. ومن شروط البيع كذلك: كون هذا البيع يقع من مالك له أو من ينوب عنه. كون هذا البيع يقع من مالك له أو من ينوب عنه. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم بحديث حكيم بن حزام المشهور: «ولا تبع ما ليس عندك». وجاء في رواية: «ما لا تملك». ومعنى صحيح، وإن كان إسنادها فيه مقال، لكن يغني «ولا تبع ما ليس عندك». فلا يجوز البيع فيما لا يملك الإنسان، بل ينبغي أن يكون البيع فيما يملك الإنسان، ومن ينوب عنه كالوكالة. أنت ما تملك، لكنك وكيل فيما يملكه موكلك، يجوز لك أن تبيعه بشروط الوكالة التي سيأتي الكلام عليها إن شاء الله في موضعها، وكذلك بضوابط الوكالة التي يأتي الكلام عليها في موضعها. وهكذا من شروط البيع كذلك -وليست جميع الشروط، ولكن هذه أهم الشروط- أن يكون على ما هو مقدور عليه. يبيع ما يملك فيما هو مقدور عليه. فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الشارد، يعني ما شرد من البهائم؛ لأنه بيع فيه معنى الغرر. وهذا مما ذكره المؤلف، قال: «وما فيه غرر كالسمك في الماء، وحبل الحبلة». ومثله كذلك نقول: بيع الشارد. فبيع حبل الحبلة ليس في مقدور الإنسان. كيف تبيع حبل الحبلة؟ هي لم تحبل، وأنت تبيع حبل حبلها، شيء مجهول، فتبيع له بيع غرر، هذا لا يجوز. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم -كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة- عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر؛ لأنه بيع صاحبه بين الغنم والغرم، وهذا معنى من معاني الميسر المحرم. ومثله بيع السمك في الماء. يرمي الشبكة مثلا، يقول: ما يخرج في هذه الشبكة فهو لك بكذا وكذا، هل هذا يجوز؟ الجواب: لا، لا يجوز؛ لأن صاحبه بين الغنم والغرم، قد لا يخرج من الشبكة شيء، وقد يخرج شيئًا كثيرًا، وقد يخرج شيئًا قليلًا، فلا يجوز مثل هذا البيع. ومثله بيع الشارد، لا يجوز بيع العبد الآبق، ولا الناقة الهاربة، ولا البهيمة كذلك التي على شرف جبل، ولا غير ذلك مما ليس هو في مقدور الإنسان، يعني الوصول إليه، وصاحبه بين الغنم والغرم. طيب، قال قائل: كيف الناس يرضون بمثل هذا؟ الجواب: يرضون طمعًا بماذا؟ بما يكون من إغراء، تخفيض الأسعار. بدلا من أن يبيع الناقة التي قيمتها مئة ألف أو سبعين ألف بسبعين أو بمئة، يبيع له وهي شاردة هاربة بنصف قيمتها أو بثلث قيمتها، فيطمع بعض الناس كذلك. أو بيع السيارة المسروقة، يقول: سيارتي سرقت، ابحث عنها، فإذا وجدتها فهي لك بنصف قيمتها، هل يجوز؟ لا يجوز؛ لأنه من بيع الغرر، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر. ومثله بيع العبد الآبق، عبد هرب فيبيعه بنصف قيمته، هذا كذلك لا يجوز. ونحوه من أنواع المبيعات كذلك. طيب، نكتفي بهذا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس اللاحق، والله تعالى أعلم.