كتاب البيع 3

كتاب البيع 3

الدرس في كتاب البيع 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحريم السلع المحرمة وأثرها السلبي

يناقش تحريم بيع المحرمات مثل الخمر والميتة والخنزير والأصنام وتأثيرها السلبي على الفرد والمجتمع. يستدل بحديث جابر بن عبد الله في تحريم هذه السلع وأثمانها.

الحكمة من تحريم بيع بعض الحيوانات

يتناول تحريم بيع وشراء بعض الحيوانات مثل الكلب والقطة، ويشرح الحكمة من ذلك بأنها قد تسبب ضررًا للناس. يُستثنى من ذلك حالات معينة مثل استخدام الكلب للحراسة أو الصيد.

تحريم بيع منتجات محددة وحيوانات معينة

يناقش تحريم بيع الكلب إلا للصيد، وبطلان الحديث الذي يبيح ثمن الكلب، وتحريم بيع الدم وعسب الفحل لكونها محرمة أو مما ينبغي التصدق به.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولا يجوز بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام والكلب والسنور والدم وعسب الفحلي وكل حرام. وهذا كما قلنا يتناول الشرط الثاني أو الثالث الذي ذكر في الدرس السابع من أن يكون العين مباحًا نفعًا، أن يكون العين مباحًا نفعًا، فلا يجوز بيع ما هو محرم، ولا ما لا فائدة فيه. لا يجوز بيع ما هو محرم، ولا ما فائدة فيه. والذي حرم في الشرع تجد أنه حرم لأحد خصال كثيرة، إما لضرره على الدين، أو ضرره على العقل، أو ضرره كذلك على المال، أو ضرره على الجسد، أو كذلك ضرره على ما يشتبه بكرامة العقل. نعم، وهذه الخصال الخمس هي من أعظم ما حرم الشرع لأجلها عددًا من المحرمات، وأوجب عددًا من الواجبات حفاظًا عليها، حفاظًا عليها. فالخمر يفسد الدين، ويفسد العقل، ويفسد الجسد، ويفسد كذلك العرض والمال، فهو يدخل في إفساد هذه الحوائج الخمس، فلهذا حرمه الشرع. فإن شارب الخمر يضر بدينه، ولهذا كان من حكمة الله في أوائل تحريم الخمر أنه حرمه عند حضور الصلاة: ﴿ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارة﴾، لأنهم إذا حضروا إلى الصلاة وهم سكارة ما أحسنوا الصلاة، ولم يصلوا الصلاة على الوجه الشرعي، ولم يحصل مقصود الصلاة، فنهاهم ربنا جل وعلا في أوائل تحريم الخمر أن يقربوا الصلاة وهم سكارة، إذن هو يضر بالدين، وهكذا يضر بالعقل، فإن شارب الخمر يذهب عقله، وهو يضر كذلك بالمال؛ لأنه يضيع المال فيما يضر ولا ينفع، وهو كذلك يضر بالعرض، ففاقد عقله بالخمر قد يقع في أعراض الناس، وهذا كثير، ويضر بالجسد، جسده وجسد غيره. كم من قتل يقع بسبب الخمر؟ وكم من متضرر بأمراض متنوعة متعددة بسبب الخمر؟ هذا مات بالكبد بسبب الخمر، وهذا بسرطان في كذا وكذا، وهذا ربما كذلك بذبحة صدرية، ونحو ذلك من أنواع أمراض، يعني المتتابعة لشرب الخمر. وهكذا كذلك يضر بماذا؟ قلنا: العرض والعقل والدين والجسد والمال. ودليله ما أشار إليه في شرحه رحمه الله في «صحيحي مسلم» بحديث جابر بن عبد الله: «إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام»، وهو يتناول هذه المحرمات الأربعة: الخنزير والأصنام والميتة مع الخمر، فإنها حرمت في حديث جابر بن عبد الله في الصحيحين. وزاد: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وإن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه»، حين قالوا له في شحوم الميتة أن يذيبوه فيدهن به السفن ويستضيء به، فقال: «لعنة الله على اليهود، إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه فباعوه فأكلوا ثمنه، وإن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه»، إذن هذه محرمة، وأثمانها كذلك محرمة، أثمانها محرمة. وهكذا لو تأملت الميتة، حرمت لضررها، ضررها على الجسد، وضررها كذلك على العقل؛ فإن بعض أنواع الميتة قد تفقد العقل وتضربه. وهكذا الخنزير، فإن لحمه يضر بالجسد من أوجه كثيرة، ويضر بالأخلاق كذلك كما ذكر غير واحد من أهل العلم. وهذا لا يستغرب؛ فإن للأطعمة آثارًا حسية وآثارًا معنوية، للأطعمة آثار حسية وآثار معنوية، كما أنك تقول: إن بعض الطعام ينشط، وبعضه يفتر، فكذلك بعض الطعام ينشط مكارم الأخلاق، وبعض الطعام ماذا؟ يفتر مكارم الأخلاق. ولحم الخنزير مما ذكر غير واحد من أهل العلم والخبرة أنه يضر بمكارم الأخلاق؛ فإن له أثرًا على صاحبه. وهكذا كذلك الأصنام، لضربه على الدين أيما ضرب، فالتعامل به ذريعة لانتشار الشرك، فلذلك حرم بيعه وشراءه. قال رحمه الله تعالى: «والكلب»، وطبعًا بعض هذه الأدلة جاءت أدلتها في أدلة الكتاب، لكن أراد المؤلف أن يورد حديثًا واحدًا يشمل هذه المحرمات جميعًا. وإلى تحريم الخمر جاء في آية كثيرة، والميتة والخنزير وهكذا الأصنام. قال: «والكلب والسنور»، وذكر دليله رحمه الله في «مخالفة الصحيحين» حديث ابن مسعود: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب»، وحديث بجحيفة كذلك، وهو في البخاري: «حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمن الدم وثمن الكلب وكسب البغي، ولعن الواشمة والمستوشمة أو المتوشمة وآكل الربا وموكله، ولعن المصورين»، ففي هذا الحديث ذكر مجموعة من المحرمات، ومنه ثمن الكلب. وهكذا كذلك ما جاء في حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى عن ثمن الكلب والسنور». ومر معنا أن السنور هي الهرة أو القطة، وبعض الأعيان عند العرب تسمى بأكثر من اسم لكثرة صفاتها، فمسمياتها غالبًا تكون بصفاتها، مثل الأسد قيل له: أسد، وقيل له: وغضنفر وسبع وغير ذلك من المسميات، وكلها عبارة عن صفات فيه. والغالب أن الأسماء للأعيان هي بصفاتها تسمى بصفاتها تسمى، فكذلك قيل للقط: سنور وهرة وقطة، وربما قالوا: قطوة وغير ذلك من المسميات، وكلها عبارة عن صفات فيها. وإذا تأملت وراجعت كتب القواميس ومعاجم اللغة فإنك تجد أنها أوصاف لهذا الحيوان، ولغيره مما له أكثر من اسم. الشاهد: «نهى عن ثمن الكلب والسنور»، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك عن ثمن الكلب بأحاديث كثيرة، وهذا النهي يقتضي التحريم، فلا يجوز بيع وشراء الكلب، ولا يجوز بيع وشراء القطط أو الهرة. والحكمة من ذلك أما بالنسبة للكلب فلضرره، فإن الكلب كما تعلمون أمر النبي صلى الله عليه وسلم في ولوغه أن يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب، وكذلك ما تعمى لا يخفى من الداء الذي قد يضر به الكلب إذا عض واستوحش، وهو داء الكلب، فهو يضر، وإذا كان عقورًا فإنه ضرر، ولو لم يعض ضرر، ولو لم يعض وصار سببًا لدخول الخوف على الصغير الكبير، بل ربما بعض النساء تسقط حملها من سماع صوت الكلب، أو إذا فاجأها كلب، ورب طفل يموت خوفًا من ما قد يقع من مواجهة بعض الكلاب وهكذا، فلأجل ذلك وغيره حرم الإسلام ثمن الكلب حتى يقل انتشاره ويقل امتلاكه. والعكس أمر الإسلام بقتل أصناف من الكلاب ما هي مضان للضرر، أمر الإسلام بقتلها، فأمر بقتل الكلب العقور وذي النقطتين، وهو مضان الكلب العقور، الغالب أن الكلب الذي بهذا الوصف يكون شرسًا مؤذيًا، وهذا مجرب، وهذا مجرب عند الكثير من الناس ممن عرف أصناف الكلاب. وأما ثمن السنور لأنه لا ينفع، وقد يضر؛ لأنه لا ينفع وقد يضر. وقد أثبت الطب الحديث أن بعض شعر أو ما يخرج من فضلات الهرة قد يضر أضرارًا عظيمة بالناس إذا دخل إلى أجوافهم، فلهذا ولغيره حرم الإسلام ثمن السنور حتى لا يكثر تناوله وتبادله وامتلاكه. فإن كان هناك حاجة فلينتفع به بغير البيع والشراء، وهذا يقلل من انتشاره، يقلل من انتشاره. وهل هذا عام فيما استثنى الشرع امتلاكه والانتفاع به من الكلاب؟ فقد استثنى الشرع ثلاثة أصناف من الكلاب، ما هي؟ هذه الثلاثة: للحراسة، للصيد، الدلالة على الطريق، ما جاء الدليل به. لكن قد يدخل في الرعي في رعي الغنم وحماية الزرع ونحوه. فالشاهد: ما كان بمعنى هذه الثلاثة التي جاء الدليل بالإذن بها لا يستلزم الإذن بها أن يكون ذلك مؤذنًا بالبيع والشراء فيها. ولهذا نبه المؤلف في الشرح إلى حديث ابن عباس، وبمعنى حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد»، فهذا الحديث باطل عند أهل المعرفة بالحديث، فقد نص غير واحد من الحفاظ أنه حديث باطل لا يصح، منهم البيهقي وابن عدي وجماعة. وهكذا كذلك ابن القيم نصوا أنه حديث باطل لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن قيل: إذا لم يمكن الحصول على كلب الصيد إلا بالثمن فكيف الجواب؟ لا يجوز شراؤه إذا كان كذلك، إلا أن يكون كما قال بعض أهل العلم: ثمن التعليم، إن كان هذا ثمن تعليم المثل فلا بأس أن يكون ثمنًا للتعليم؛ لأن التعليم لا يمكن أن يكون بالمجان، يعلم الكلب بكذا وكذا لا بأس، وهذا نادر، والنادر لا حكم له. وهكذا قال رحمه الله: «يحرم بيع الدم»، وتحريم الدم أشار إلى حديث بجحيفة في الصحيحين، ومر معنا قوله عليه الصلاة والسلام في تحريمه: «ثمن الدم». والرواية التي مرت معنا هي رواية البخاري. وأشار إلى ما في الصحيحين في تحريم الدم، يعني بهذا اللفظ المختصر، بهذا اللفظ المختصر. والدم محرم أكله وشربه للعلاج ولغير العلاج، ولأي نوع من الحيوان المأكول وغير المأكول. ومن زعم غير ذلك فقد خالف الأدلة الشرعية من الكتاب ومن السنة. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها». وما ذكره ابن سينا في كتابه «القانون» وغيره ممن أجاز شرب بعض الدماء أو أكله للعلاج فهو باطل، أدلة الشرع من الكتاب والسنة ترد. ولن يجوز الإنسان أن يتطبب بما حرم الله، فإن الله كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لم يجعل شفاء هذه الأمة بما حرم عليها، فينبغي الانتباه لذلك. وما أكثر من يتساهل بحجة أن ابن سينا قد ذكر هذا في كتابه، وفلان وفلان ذكر هذا في كتابه، وقيل: إن فلان جربه فنفع، مثل شرب لحم الأرنب لبعض من عنده شيء في الصدر، أو دم الأرنب أو دم الغراب أو دم الكلب أو دم كذا وكذا من الطير، كل هذا لا يجوز شربه ولو للعلاج. وقوله: «وعسب الفحل» كذلك مما حرم، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن فئة أحاديث كثيرة، ومنها ما أشار إليه فيما جاء في البخاري وغيره من حديث ابن عمر: «نهى عن ثمن عسب الفحل». وهكذا ما جاء في «صحيح مسلم» من حديث جابر بن عبد الله، وجاء عن جماعة، فهو كذلك لا يجوز، وذلك لأنه مما ينبغي أن يكون فيه الفضل والتصدق، لا مما ينبغي أن يتاجر به. وثانيًا: لأنه كذلك مما يستقبح التجارة به، فهو يورث خلقًا ذميما عند من يتجر به. ولهذين السببين ولغيرهما حرم الإسلام التجارة والبيع الشراء في ثمن عسب الفحل. وما المراد بعسب الفحل؟ ها، عسبه نعم، تلقيحه، يعني تلقيحه للأنثى، فهذا لا يؤخذ عليه أو به ثمن، لا يؤخذ عليه ولا به ثمن، فلا يجوز ذلك لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه. طيب إن قال قائل: رجل عنده مثل هذا وأخذه يتعبه، يأخذه إلى هنا وإلى هنا، فهل إذا أعطي من غير شرط يقبل أو لا يقبل؟ الجواب: إذا كان هذا أجره فلا يقبل، وإن كان هذا عطي ليس أجره؛ لأنه قد يكون في عرف الناس أجره معينة، فيعطى مثلًا شيء مقابل الأجرة، لا يجوز له أن يقبل. وأما أن يعطى عطي مثلًا يعطى عشب أو كما نقول قضب أو نحو ذلك من دون اشتراط، فإذا قبل لا بأس، إذا قبل لا بأس، لكن الأفضل يرد ذلك حتى لا يسنسن سيئة في قضية أخذ الأجرة، فيغضب بعد ذلك إذا لم يعطه؛ لأن بعض الناس يتعود ذلك فيصير إذا لم يعطى يغضب، فإما أن يقبل صدقة في هذا الفحل، يتصدق به على الناس، يعني على إناث بهائمهم، وإما أن يذبحه وينتهي. وقوله: «ويحرم بيع كل حرام»، ويريد بذلك كل ما حرمه الشرع، فلا يجوز بيعه ولا شراءه. وذكر حديث جابر بن عبد الله، وسيأتي معنا إن شاء الله ذكر بعض المحرمات في درس اللاحق. وإلى هنا والله تعالى أعلم.