الدرس في كتاب البيع 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح حكم بيع العربون وبيان البيوع المحرمة مثل بيع العصير لمن يتخذه خمرًا، وبيع الحلال لمن يستعمله في الحرام. هذه المعاملات محرمة لما فيها من تعاون على الإثم والعدوان.
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع السلعة قبل قبضها، وخصوصًا في الطعام لكونه من الأصناف الربوية، كما نهى عن بيع الكالئ بالكالئ وبيع الغرر لما فيه من غرر وخصومات.
لا يجوز شراء شيء بدون معرفة مقداره وكميته لما فيه من غرر، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر كما جاء في حديث أبي هريرة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: «والعربون والعصير إلى من يتخذه خمرًا، والكالئ بالكالئ، وما اشتراه قبل قبضه، والطعام حتى يجري فيه الصاعان». وهذه صنوف أخرى من البيوع المحرمة، منها بيع العربون، وهو جنس من أجناس البيوع المحرمة، وهو كل بيع فيه أخذ مال بغير حق، أخذ مال بغير حق لا يجوز. وأشار رحمه الله في الشرح إلى أحاديث وردت في بيع العربون، بجوازها وبالنهي عنها. أما حديث الجواز، فأشار إلى أنه ضعيف، وفيه أكثر من علة، وضعفه شديد. وأما حديث النهي، فأشار إلى شيء من تحسينه، وهو كذلك ضعيف، كما أشار المعلق فيما ترون عندكم، فإنه من رواية ابن لهيعة، كذلك فيه علة كما أشار ابن عدي، وهكذا كذلك البيهقي، عقب بما عقب. فالشاهد أن حديث النهي عن بيع العربون لم يصح على الصحيح، وحديث جواز بيع العربون كذلك لم يصح. فماذا يقال ببيع العربون، جائز أم لا يجوز؟ الصحيح التفصيل؛ لأن عمومات أخرى تدل على هذا التفصيل. إن كان يأخذ المال بغير حق، كالصورة التي ذكرها رحمه الله في الشرح، بأن يعطي المشتري البائع مالًا قبل الشراء، فإذا ترك الشراء أخذ البائع هذا المال الذي يسمى بالعربون، مثل ما يفعله الكثير من الناس اليوم في بيع العربون، الصحيح أن هذا لا يجوز؛ لأنه أخذ مال المسلم بغير حق. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يحل مال رجل مسلم إلا عن طيب نفس منه، وكل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه». قد يقول قائل: هذا أعطاه بطيب نفس. الجواب: لا، الإعطاء بطيب نفس على نية الشراء، أما بعد ترك الشراء فنفسه ليست طيبة بأن تأخذ منه المال بغير حق. فلذلك الصحيح التفصيل في بيع العربون، إذا كان وضع العربون لتثبيت البيع ولضمان ما قد يخسر إذا وقعت خسارة، فلا بأس، ثم لا يأخذ من هذا المال إلا بقدر خسارته، وإن استطاعا يعفو فهو أفضل؛ «فمن أقال مسلمًا في بيعته، أقال الله عثرته يوم القيامة». فالأفضل أن الإنسان يقيل في البيع رجل ترك البيع وأنت ما عليك ضرر، قل: خلاص، هذا ما لك، والله يسر لك ويسر لي ويفتح عليه ويفتح عليه، والحمد لله. لكن إذا وقعت عليه خسارة وأراد أن يدفع عن نفسه ضرر، جاز أن يأخذ بقدر الخسارة، مثل أجرة إحضار البضاعة مثلًا، أو أجرة تجهيزها إذا كان هناك أجرة، أو أجرة الفارق بين بيعها يعني حال استصناعها وبعد تأخر ذلك، مثل عقود الاستصناع. رجل يطلب من إنسان أن يصنع له بابًا أو دولابًا أو غرفة نوم أو نحو ذلك، يدفع عربون، ثم بعد فترة يقول: أنا غيرت رأيي، ما أريد هذا، هذا الباب أو تلك الغرفة أو ذاك الدولاب. فهنا ينظر هذا البائع، إن تيسر له أحد يشتري هذا الذي تعاقد عليه بغير خسارة، فإذا لا يأخذ من هذا الرجل شيء، وهذا الذي ينبغي. فإذا خسر شيئًا فإنه يخصم من عربون الرجل بقدر الخسارة. قد يقول قائل: تأخر هذا عندي يضرني، يأخذ علي مكان وهكذا. كذلك إذا تأخر يشق علي ويضرني بإتيان موديلات أخرى أو غير ذلك من الأسباب، المهم قد يسهل ببيعه مع عدم التساهل؛ لأن بعض الناس قد يقول: مدام يجوز، لين أخذ من عربون الرجل، إذن ولو بعته بناقص كثير، عندي الضمان من أين؟ من عربون الرجل، هذا لا يجوز. «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، يحرص أن يبيعه بأحسن ثمنه، حتى إذا اضطر أن يأخذ من عربون المشتري الأول التارك للبيع، لا يأخذ إلا شيئًا يسيرًا، وإن عفى فهو أفضل وأكمل. هذا خلاصة ما يقال في بيع العربون. قال رحمه الله تعالى بعد ذلك: «والعصير إلى من يتخذه خمرًا»، كذلك من أجناس البيوع المحرمة. بيعوا الحلال، إذا كان وسيلة لأن يستعمل في الحرام فلا يجوز، وفيه عمومات وأدلة خاصة. فمن العمومات: «وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان». لا يجوز أن يعين المسلم غيره -من كافر أو فاجر- على إثم وعدوان، فإن ذلك مما يوجب عليه الإثم، ولو كان أصل هذا الفعل حلالًا. بيع العصير جائز، بيع العنب جائز، وهو من الأمور المباحة الحلال، لكن إذا استيقنت أن هذا يأخذه منك ليستعمله فيصير خمرًا فلا يجوز. وقد ذكر رحمه الله أحاديث حسنها جماعة من أهل العلم، صححها، ومنها ما أشار إليه: «لعن الله بائع الخمر وشاربها ومشتريها وعاصرها». وهذا في بيع الخمر، ووجه الدلالة فيه أن المعين في الشراء والعصر له نصيب الإثم، وكذلك من باع له العصير ولو كان حلالًا لأجل أن يحوله إلى خمر فإنه لا يجوز. وأيضًا كذلك الحديث الآخر الذي أشار إليه، حديث بريدة مرفوعًا: «من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو ممن يتخذه خمرًا، فقد تقحم النار على بصيرة». قال: «وإسناده حسن، رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن». ومعنى كما أشار المعلق جاء في أحاديث أخرى، ولكن بهذا الإسناد فيه كلام كما أشار من كلام الهيثم، وكذلك كلام غيره، لكن كما ترون نقل عن الحافظ تحسين إسناد هذا الحديث، فهو محتمل للتحسين. ولو كان ضعيفًا، معناه صحيح، معناه صحيح تدل عليه عمومات، معناه صحيح تدل عليه عمومات. فالشاهد: لا يجوز بيع كل حلال إلى من يستعمله في الحرام، ولو كان أصل هذا البيع حلالًا. العصير لمن يتخذه خمرًا، السلاح في وقت الفتنة، فإنه لا يجوز بيع السلاح في وقت الفتنة بين المسلمين فيقتل المسلم المسلم، لا يجوز. ولا يقول قائل: أنا أبيع السلاح حلال، أبيع الدخيرة حلال، لا، أنت تبيعه لمن تعرف أنه سيقتل به مسلمًا فلا يجوز لك أن تبيعه إياه. ومثله قل في كل شيء يستعمل أصله حلال ويستعمل بالحرام، فإنه لا يجوز لك أن تبيعه إياه. وما أكثر هذه الأشياء التي هي من هذا الباب. ومنها بيع أمور تعين على زراعة الأشياء المحرمة، كزراعة القات والتنباك وما كان بمعناه مما دلت الأدلة الشرعية بعموماتها على تحريمه. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار». بل قال ربنا جل وعلا في وصف نبيه عليه الصلاة والسلام: «يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث»، فلا يجوز التعاون على نشر الخبائث وزراعتها أو بيعها أو غير ذلك. ومثله وسائل الإعلان والدعاية، بعض الخطاطين وبعض كذلك المصممين في أجهزة الحاسوب ربما يصممون دعايات لبعض السلع المحرمة التي لا يجوز بيعها ولا شراؤها ولا التعاون عليها، وغير ذلك كثير. فكل ما كان بمعنى هذا النهي فإنه يدخل فيه. فالشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. وهكذا كذلك ذكر رحمه الله من البيوع المحرمة بيع المعدوم بالمعدوم، أو بيع الكالئ بالكالئ. قال رحمه الله: «والكالئ بالكالئ»، وفسر الكالئ بالكالئ المعدوم بالمعدوم، أو الدين بالدين. والأحاديث الواردة فيه فيها ضعف كما أشار ورحمه الله في الشرح، وأشار المعلق تضعيف أهل العلم لهذين اللفظين لهذا الحديث في بيع الكالئ بالكالئ. ولو صار حسنًا فهذا يؤيد المعنى، ولو كان ضعيفًا على ظاهر الأسانيد فيه، فإن معناه صحيح، أي النهي عنه بعمومات كثيرة. فلا يجوز بيع المعدوم بالمعدوم، مثاله أن تشتري شيئًا ليس موجودًا بشيء آخر ليس موجود. وهذا ربما يقول إنسان: هل يوجد؟ الجواب: نعم، كان موجودًا عند العرب قديمًا، يبيعون الشيء غير الموجود بشيء آخر غير موجود، مثل أن يشتري مثلًا ما في بطني، يشتري ما في بطني كذا وكذا من الإبل بما في بطن جاريته إذا خرج، وهذا بيع معدوم بمعدوم، لا الذي في البطون موجود، ولا الذي في بطن الجارية موجود. فكل هذا من بيع المجهول وبيع الغرر الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا بيع الدين بالدين، أو حتى بيع الدين بالحاضر، أو بيع الدين بما يقابله من العوض، فهذا لا يجوز. وهذا كان يتعامل به العرب، وهو موجود اليوم. وقد رأيت كثرة التعامل به في بعض هذه البلاد اليمنية، خصوصًا في جزيرة سقطراء، فإنهم يبيعون الديون لكثرة تعاملهم بالتجارة ومع الغرباء، فيأتي الغريب يتعامل معهم ويكون عليه ديون، وإذا به ماذا يسافر من عندهم وعليه ديون، فيأتي إليهم الرجل الغريب الذي يعرف ذاك الذي عليه الدين، فيقولون له: تشتري منا كذا وكذا، أو نشتري منك كذا وكذا على أن لك ما عند فلان من الدين بكذا، فيصير بيع الدين بأقل منه مثلًا. على إنسان خمسمائة ألف، فيحاسبوه بأقل؛ لأجل أن يأخذ هو الفارق إما ثلاثمائة ألف أو نحوه، وهذا لا يجوز، هذا لا يجوز، ويدخل في معنى النهي عن بيع الكالئ بالكالئ. وكل ما كان بمعناه مما فيه معنى الغرر والجهالة فإنه لا يجوز. ويستأكد ذلك ويزداد إذا كان في الأصناف الربوية، إذا كان في الأصناف الربوية مثل العملات الورقية. بعضهم يقول مثلًا: لي دين عند فلان عشرة آلاف سعودي، وإذن اعطني أو كذا وأعطني كذا وكذا، والباقي هو دين فلان في بيع آخر مثلًا اشترى منه السيارة، فيقول: سأعطيك الآن نقدًا كذا وكذا من المال، والباقي هو الدين الذي عند فلان. فهو يطمع بأن هذا معناه أنه باع السيارة بمبلغ كثير؛ لماذا؟ لأن ذاك الدين إذا ضم إلى هذا المال المدفوع صار مالًا كثيرًا فيرضى بذلك، وهذا لا يجوز، أو يصرف أو يصرف بمقابل شيء كثير، بمقابل شيء قليل، وذاك الكثير في الحقيقة في حكم المعدوم، وهو دين، فهذا لا يجوز. وهكذا قال رحمه الله: «وبيع السلعة قبل قبضها»، كذلك من المنهي عنه من أنواع البيوع المحرمة، بيع الشيء قبل قبضه. قال: «وما اشتراه قبل قبضه والطعام حتى يجري فيه الصاعان». وأشار إلى دليله حديث جابر بن عبد الله في الصحيح مسلم: «إذا ابتعت طعامًا فلا تبيعه حتى تستوفيه». وهكذا كذلك الحديث الآخر في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع السلع حتى تستوفى. وهذه الأحاديث بعضها في الصحيح، وبعضها خارج الصحيح، ومعناها صحيح، ولو كان بعض تلك الأحاديث كما أشار في بعض أسانيدها ضعف، لكن بالجملة معناها صحيح. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم التجار أن يبتاعوا السلع حتى يحوزوها إلى رحالهم، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله كما أشار المعلق من حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه. فلا يجوز بيع السلع حتى تقبض، ولماذا ذلك؟ لأجل أن يحصل التملك الكامل لها فيصح التصرف. وما أكثر الخصومات التي تقع بسبب عدم قبض السلعة، مثل رجل يبيع حديد وهو لم يقبضه، يبيع الحديد وهو لم يقبضه، يبيع الإنسان آخر، وربما اشتراه من تاجر الجملة ولكنه لم يقبض ذلك، فيفاجأ أن سعر الحديد ارتفع، فما يستطيع أن يأخذه إلا بدفع مبلغ زائد، فتقع خصومة بين التاجر الصغير مع الكبير، وبين التاجر الصغير مع هذا الفرد الذي أراد أن يأخذه. فلذلك كان هذا الأمر الشرعي من أخذ السلعة وقبضها ثم بيعها بعد ذلك، ويتأكد ذلك في الطعام؛ لكثرة الابتلاء به والتعامل به، ولأن الكثير منه من الأصناف الربوية، فيستلزم ذلك أن يقبض قبل بيعه. ومن هذا المعنى كذلك تعامل بعض البنوك اليوم بما يسمى ببيع شراءهم للسلع للناس المرابحة. وهذا البيع بالحقيقة فيه محاذير كثيرة، منها أنه حيلة على الربا، ومنها أنه بيع الشيء قبل ملكه، ومنها كذلك أنهم يشترطون شروطًا قبل التملك على المشتري الذي لم يشتري بعد، وغير ذلك من المفاسد الكثيرة التي في هذا النوع من البيع. لو لم يكن إلا هذا النهي لكان كافيًا، فكيف هم لا يملكون؟ وكيف هم يتحايلون به على الربا وغير ذلك من المفاسد الأخرى؟ وهكذا نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كذلك عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان، وهذا قوله رحمه الله: «والطعام حتى يجري فيه الصاعان»، ويريد صاع البائع وصاع المشتري. وأشار رحمه الله إلى حديث عثمان الذي أخرج أحمد البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «إذا ابتعت فاكتل، وإذا بعت فكل». وهكذا كذلك الحديث الآخر، حديث جابر بن عبد الله: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع وصاع المشتري». وهذا تأكيد لحصول القبض فيه، أي في الطعام خاصة. وهذا الحديث أشار في إسناده بعض الضعف، ولكن جاء من حديث أبي هريرة بإسناد حسن، ومعناه صحيح تؤكده أحاديث كثيرة. فالطعام لا يباع حتى يجري فيه الصاعان، والمعنى أنه حتى يتأكد من كميته، إن كان بالصاع أو كان بالوزن، إن كان بالصاع أو كان بالوزن. فلا يجوز هذا البيع بالكوم، مثل ما يتعاء بعض الناس، يقول: هذا الكم بكذا وكذا، ثم يأتي الثاني فيبيعه بكذا وكذا، هذا لا يجوز حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع وصاع المشتري، أو بالوزن، أو يوزن بالوزن، أو إذا كان وزنه معلومًا وهو معدود، مثل الأكياس التي يتعامل بها الناس اليوم: أكياس الدقيق، أكياس الرز، فإنه ينبغي أن يعد. ولا يجوز شراء شيء جزافًا، يعني بغير معرفة مقداره، بل لا بد من معرفة كميته ومقداره حتى لا يدخل في بيع الغرر. وقد مر معنا حديث أبي هريرة: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر»، رواه مسلم. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.