الدرس في كتاب البيع 8، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التفريق بين المحارم لما فيه من الإضرار بهم، كما نهى عن بيع الحاضر للباد لما فيه من الإضرار بأحد الطرفين أو أهل السوق. هذه الأفعال محرمة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار».
نهى الإسلام عن بيع الحاضر للباد والنجش وتحكيم الأسعار لأنهما يتسببان في الإضرار بالناس، سواء بالبائع أو المشتري، كما نهى عن التحكم في الأسعار وتدفق السلع، وأمر بترك الناس يرزق بعضهم من بعض.
يناقش النهي عن بيع المسلم على بيع أخيه وتلقي الركبان، ويبين العلل وراء هذه الأوامر، مثل الإضرار بالبائع أو المشتري أو سعر السوق، ويشير إلى استثناءات محتملة عند الشراء بنية النصيحة وعدم الإضرار.
يناقش حكم بيع الحاضر لباد في حالة سفر الرجل إلى مدينة أخرى لشراء شيء ما، ويوضح أن هذا لا يدخل في بيع الحاضر لباد إذا لم ينتظر حتى يصل إلى السوق ليشتري.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال رحمه الله تعالى: ولا يجوز التفريق بين المحارم، ولا أن يبيع حاضر لباد، والتناجش، والبيع على البيع، وتلقي الركبان، كذلك من المنهيات. هذه المنهيات المذكورة لا يجوز التفريق بين المحارم، وقد أشار في الشرح رحمه الله إلى عدد من الأدلة الدالة على ذلك، منها حديث أبي أيوب: «من فرق بين والدة وولدها، فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة». وأشار المعلق إلى تصحيح الشيخ الألباني رحمه الله له. وقد أخرجوا أحمد والترمذي والدارقطني والحاكم وغيرهم، والعمومات تدل عليه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ضرر ولا ضرار». وأي ضرر أعظم من تفريق بين المحارم، بين أم وابنها، وبنت وأمها، ونحو ذلك؟ فعمومات الأدلة تدل على تصحيح هذا المعنى. بل الفطرة الصحيحة لا تستسيغ مثل هذا التصرف، من فطره الله على الفطرة لا يستصيغ مثل هذا التصرف أبدًا، فالرحمة التي وضعها الله عز وجل في الإنسان تقتضي عدم فعل مثل هذا العمل، وهو التفريق بين ذوي المحارم. فلا يجوز التفريق بين أهل المحارم لما فيه من الإضرار بينهم. وكذلك أشار رحمه الله إلى أحاديث أخرى، بعضها ضعيف، ولكن بالجملة معانيها كلها لا تخلو من صحة، تدل عليها عمومات، ورويت في ذلك آثار كثيرة، أشار إلى بعضها بعض أهل المصنفات، وهو يصحح هذا المعنى الذي أشار إليه رحمه الله تعالى. وهذا ليس خاصًا فيما يتعلق ببيع الإماء والعبيد، بل كل ما كان بمعناه مما فيه إضرار فإنه كذلك. ومن ذلك حتى بيع البهائم، إذا كان بيع البهيمة سببًا للإضرار بها، إذا فرقت من ابنها أو بنتها. بعض البهائم يعلم البائع أنها لا يمكن أن ترضع إلا من ذلك، ولا يمكن الاستفادة منها وهي صغيرة، يعني إلا من أمها، ولا يمكن الاستفادة منها صغيرة، فإذا بيعها مفصولة عن أمها سبب للإضرار بها والإضرار بالمشتري، فلا يجوز في هذه الحال. أما إذا كان ممكنًا الاستفادة منها بذبحها أو كذلك بإرضاعها من أخرى، فهذا وإن كان يجوز، لكنه خلاف الأفضل والأكمل والأرفق، ونحو ذلك قل في أشياء أخرى فيها مثل هذا المعنى. والراحمون يرحمهم الرحمن، يرحم من في الأرض يرحمكم من في السماء. وقوله في النهي عن بيع الحاضر لباد، كذلك من المنهي عنه، هذه الصفة والصورة من صور البيع، والمقصود هو ألا يحصل بيع بين حاضر وباد أو العكس، بما يكون فيه الإضرار بأحدهما أو ضرر بأهل السوق، ويدل على ذلك عمومات وأدلة أخرى. والحاضر هو من يسكن الحضر، الحضر أي المدن، والباد يدخل في معناه أهل القرى الذين هم يشبهون أو يقرب حالهم من أهل البادية بالنسبة لجلب السلع وأسعارها. فيكون نهي النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ليس خاصًا بمن كان بهذا اللفظ، وإنما بمن كان فيه هذا المعنى، يعني لو أن بدويًا صار يعمل في الحضر، فتلقى بعض من يأتي فيدخل في عموم النهي، لأن المقصود المعنى وليس المقصود مجرد الوصف. فكل ما كان فيه معنى فيه إضرار بأحدهما، أي البائع أو المشتري، أو كذلك أهل السوق، فإنه لا يجوز، لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار». وقوله: «لا يبيع»، قيل إنه من الألفاظ المترادفة، فيشمل البيع والشراء، وقيل غير ذلك. وقد ذكر شراح هذا الحديث في ذلك كلامًا طويلًا، خلاصته: سواء قيل ذلك أو لم يقل، فإن معناه ظاهر في أن المقصود هو عدم حصول تبادل البيع من أحدهما للآخر، بأن يكون أحدهما بائعًا أو يكون أحدهما مشتريًا، لا فرق، ما دام أنه فيه ضرر على أحد هذه الجهات الثلاثة، فلا يجوز. لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين العلة: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض». وهكذا كذلك ما جاء بحديث ابن عباس: «لا يكون له سمسارًا». والسمسار مثل ما نقول اليوم الدلال، لأن اتخاذ الدلال سبب لماذا؟ لزيادة سعر السلعة، سبب لزيادة سعر السلعة أو التلاعب فيها، وزيادة سعر السلعة والتلاعب فيها سبب للإضرار بالبائع أو المشتري بحسبه. لأن الدلال قد يكون على المشتري، وقد يكون على البائع، ففي كل الحالتين يكون فيه إضرار، ولا يجوز هذا الإضرار، وفيه إضرار كذلك بأهل السوق، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض»، يعني لا تتحكموا في الأسعار. لأنه لو كان كل بدوي يأتي إلى السوق، يأتي إلى البلد فيتلقى من قبل الحضر، صار في هذا تشديد على الأسعار بحسب ما عرف أهل الحاضرة، لكن لو كان كل أحد يدخل بنفسه، كان هذا سببًا في انخفاض أسعار السلع إذا جاءوا، أو ارتفاعها إذا قلوا، وفي هذا رزق للناس، سواء انخفاض أو ارتفاع. دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، يعني بما يسره الله عز وجل من أسباب انخفاض الأسعار أو أسباب ارتفاعها. وفي الغالب أن ترك الأمر على جبلته وطبيعته رحمة بالناس، لأن الناس في الغالب لا يجلبون السلع ويكثرون فيها إلا في وقت توفرها، فهذا يستدعي رخصها، والعكس في حالة شحتها يقل، فيكون هذا كذلك مدعاه لارتفاعها. والشح في عدم توفر السلع في الغالب يكون معه شيء من المشقة، فيكون زيادة السعر في مقابل المشقة، وانخفاضه في مقابل اليسر، وهذا رحمة وحكمة من الله سبحانه وتعالى. بخلاف لو أنه حصل هذا البيع على الوجه المنهي، فإنه قد يتحكم في الأسعار على السواء في وقت الرخاء والشدة، وهذا خطأ على السواء في الرخاء والشدة، فيه إضرار بالناس، سواء حصل الإضرار بالبائع فلا يجوز، أو حصل الإضرار بالمشتري فلا يجوز. الإضرار بالمشتري متى؟ إذا رفعت الأسعار، من الذي تضرر؟ المشتري، وهذا لا يجوز. أو الإضرار بالبائع متى؟ إذا خفضت الأسعار، وحقيقة وضعها الارتفاع، وهذا كذلك لا يجوز. لكن لو ترك الناس على جبلة أمرهم وفطرة حالهم مما يسره الله لهم رخاء وشدة، فإن الأسعار تجري بما يوافق الناس، ففي وقت الشدة ترتفع الأسعار، وقت القحط يكون بيع الناس للأغنام، فتنخفض الأسعار، أو وقت الرعي تغلى الأسعار، فيبيع الناس بأرفع، وهذا كذلك في رفق بالناس. وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يبيع حاضر لباد»، وفي حديث أنس: «نهينا أن يبيع حاضر لباد، وإن كان أخاه لأبيه وأمه»، يدل على تحريم هذا الفعل. بقي إن وقع، هل هذا البيع باطل؟ فيه خلاف، إن أهل العلم، والصحيح أن النهي كما تقدم، إذا تعلق بذات العبادة أو المعاملة أو شرطها، دل على فساده وبطلانه، وإن لم يتعلق بذاته ولا شرطه، فهو لا يقتضي الفساد. ويؤكد ذلك ما سيأتي من النهي عن تلقي الركبان، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن صاحبه بالخيار إذا جاء إلى السوق. وهكذا كذلك يقال هنا، فبيع الحاضر للباد إذا صار فيه إضرار، صاحبه بالخيار، إن أتى إلى السوق فرضي البيع، مضى البيع على ما كان، وإن أبى إلا أن يرد، حق له أن يرد، ويرده باختلال ماذا؟ شرط من شروطه، وهو عدم حصول ماذا؟ عدم حصول استيفاء البيع على الوجه المشروع الكامل. فيكون ذلك سببًا للرجوع في البيع. ثم ذكر رحمه الله بيع النجش، وبيع النجش هو الزيادة في أسعار السلع بما يكون فيه الأضرار، وضده يدخل في معنى، وهذا يحصل كثيرًا في بيع الحراج، وما كان بمعنى، ترفع أسعار السلع فيغرر بالغريب فيشتري، ويظن أن هذا قيمة السلعة وليس الأمر كذلك. ولهذا قرن في بعض الروايات في حديث أبي هريرة ببيع الحاضر لباد: «نهى أن يبيع حاضر لباد، وأن تناجش». وفي حديث ابن عمر: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النجش»، وهو في الصحيحين كذلك. فهذه الأحاديث تدل على أنه عن التناجش، وهو الزيادة في أسعار السلع، سواء كانت هذه الزيادة على وجه الإضرار بالمشتري، أو كان ذلك على وجه الإضرار بالبائع، كله لا يجوز. وهل هذا متصور؟ الجواب: نعم متصور، مثال لضرر بالمشتري: أن يزيد بعض من في السوق ممن هو ليس بمشترٍ حقيقة في سعر السلعة، وهو لا يريد الشراء، يقول: بكم هذا؟ يقول: من عشرة، وهي سعرها في الحقيقة، مثلا عشرة، فيقول آخر: إحدى عشر، وهكذا يتزايدون حتى يشتري الغريب، فيضع معهم خمسة عشر، ثم ينسحب أولئك، فيكون قد غبن في هذا البيع، غبن في هذا البيع. فإذا كان كذلك، فهذا كذلك من البيع المحرم، لأنه فيه إضرار بالمشتري. والعكس كذلك بالبائع، أن يتواطئ المشترون على أن لا يزيدوا في قيمة السلعة مع أنها تستحق أكثر، مع أنها تستحق أكثر. وهذا قد يقع عند تلقي الركبان، وعند بيع الحاضر لباد، وهكذا في بعض الحراجات ونحوها، أن يتواطئ المشترون على معنى يكون به الإضرار بالبائع، وهذا لا يجوز. طيب إذا كان سعرها كذلك في السوق؟ الجواب: إذا كان سعرها كذلك في السوق فلا بأس. أما أن يتواطئ، لا، مثلا أنت أحد من يشتري السمك، فجاء إليك مجموعة ممن يشتري السمك في هذا السوق، وقالوا: غدًا لا نشتري الكيلو إلا من كذا وكذا، أو لا نشتري الحوت إلا من كذا وكذا. فأنت لا يجوز لك أن تتواطئ معهم، فتقول: طيب، بل أنت تقول: لا، أنا ما أتفق معكم على هذا، فإذا أتيت للسوق فتشتري بموجب ما يقتضيه المقام، فإن كان السمك كثيرًا ستنخفض الأسعار، وإن كان قليلًا فسترتفع الأسعار، لأن الطلب أكثر من هذا المعروض الموجود، فهذا من تيسير الله عز وجل. ويدخل فيما سبق: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض». وهكذا كذلك من معنى النجش، كذلك ما يكون من الإضرار بهذا المعنى، ولو كان بغير صفة مباشرة، مثاله: حجب السلع عن السوق، ووضع السلع وإدخالها في السوق، فإن كان مقصوده ذلك، فكذلك هذا لا يجوز، لأنه نوع من الإضرار بالناس. ولهذا قرن المؤلف رحمه الله بين هذه المنهيات مع الاحتكار والتسعير الذي سيأتي الكلام عليه، لأنها مسائل مترابطة، فلا يجوز لمسلم أن يعين على الإضرار بالناس، ولو بصفة غير مباشرة. بل ينبغي أن يبيع على حسب عادته، أن يبيع على حسب عادته، لأنه يوجد ناس يريدون التحكم بالأسعار، وتحكمهم بالأسعار هذا مما يدخل في معنى النهي عن النجش، ويدخل في معنى النهي عن الاحتركار، ويدخل في معنى النهي عن بيع الحاضر لباد. لماذا نهى بيع الحاضر لباد؟ ما هي العلة؟ هو ماذا؟ حصول الإضرار بالبائع أو المشتري أو أهل السوق، فإذا كان هذا المعنى يحصل، لكن بغير بيع الحاضر لباد، بل بما هو أشد منه، فهو من باب أولى. مثل تحكم التجار في السلع، فتحكمهم في السلع في تدفقها وعدم تدفقها، هذا مما يدخل في معنى هذا النهي، فلا يجوز لمسلم أن يتواطأ على الإضرار بالناس، ولو بصفة غير مباشرة. قد يقول: أنا ما بعت حاضر لباد، ولو وقعت في بيع النجش، فيقال: قد وقعت في علة النهي، وإن لم تقع في نفس المنهي عنه، وقعت في علة النهي. ثم ذكر رحمه الله أن يبيع المسلم على بيع أخيه، وأشار إلى الحديث في ذلك: حديث ابن عمر وأبي هريرة، وقد جاء معنا عن عدد من الصحابة. والحكمة من ذلك: أولًا أن لا يحصل في ذلك الإضرار بالبائع والمشتري، ففيه معنى ما تقدم من النهي عن بيع النجش، وبيع الحاضر لباد، لأن بيع الرجل على بيع أخيه سبب لزيادة السلعة، وربما قيمتها لا تستحق ذلك. مثاله: مثلا رجل يبيع البطيخ، وهو راضٍ أن يبيع، راضٍ أن يبيع بعشرة، فجاء المشتري، فقال: بكم؟ قال: تسعة، قال: عشرة، رضي بعشرة، فجئت أنت، قلت: آخذها منك بإحدى عشر، بعت على بيع أخيك. أولًا: أدخلت سبب العداوة بينك وبين أخيك، وهذا لا يجوز. وثانيًا: كنت سببًا في زيادة سعر السلعة، لأنه رضي أن يبيع، وزدت في ذلك، وهذا كذلك لا يجوز. وكذلك ثالثًا: هو ربما يكون سببًا في حصول سنة سيئة بين الناس، في الاحتيال في رفع الأسعار، فالنهي عن ذلك سد لهذه الطريقة التي يكون فيها رفع الأسعار على الناس، والإضرار بالناس، بائعًا كان أو مشتريًا. «لا يبيع أحدكم على بيع أخيه»، سواء أكان بائعًا أو كان مشتريًا، مثال البائع ما سمعنا، مثال المشتري: مثلا يأتي الإنسان فيشتري من إنسان، فيقول له بائع آخر: لا تشترِ منه، أنا أعطيك مثله وأحسن بأقل، أعطيك مثله وأحسن بأقل، وهذا نفس الشيء، يدخل في نهي البيع بعضنا على بعض. «لا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يبيع الرجل»، «لا يبيع بعضكم على بيع بعض». وإذا تأملت هذه المنهيات، تجد علة تتكرر وتدور، وهي عدم حصول الإضرار بالبائع أو المشتري، أو سعر السوق، مع ما فيه من معاني أخرى، وهو عدم حصول أسباب الشحناء والبغضاء، بمثل هذا التصرف. ولهذا جاء في بعض الروايات: أن هذا ينافي أصل الإسلام، المسلم أخو المسلم، ومن ذلك أنه لا يبيع على بيعه، «لا يبيع على بيعه». وهكذا ذكر رحمه الله النهي عن تلقي الركبان، وهو يدخل في معنى بيع الحاضر لباد، لكنه خصه في تلقي الجلب، وما كان بمعناه مما ينقل بالركب، وإلا فمعناه يدخل في معنى بيع الحاضر لباد. وأشار إلى حديث أبي هريرة، وحديث ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم، وكلها أحاديث صحيحة في النهي عن تلقي الركبان، أو تلقي الجلب. وقد أشار رحمه الله إلى رواية حديث أبي هريرة، وفيه: أن من ابتاع فهو بالخيار، إن شاء أمضى البيع، وإن شاء رد البيع، يعني إذا ورد إلى السوق. وهذا يدلنا على ما تقدم التنبيه إليه من أن النهي إذا تعلق بذات الشيء أو شرطه، اقتضى الفساد، وإذا لم يتعلق بذاته ولا شرطه، فإنه لا يقتضي الفساد. وتأمل مثل هذه العلل مفيد في معرفة الأحكام، والتفريق بين ما يفسد وما لا يفسد. والنهي عن تلقي الركبان يقال فيه بمثل ما قيل في النهي عن بيع الحاضر لباد، فإذا كان هذا البيع نهي عنه لأجل هذا الإضرار، فلا يجوز. طيب هل توجد صفة يمكن أن يكون معها صحة هذا البيع؟ قال بعض أهل العلم: نعم ممكن، إذا كان على وجه النصيحة وعدم الإضرار، لا بالبائع ولا بالمشتري. وهذا في الحقيقة نادر، لأنه لا يكاد ينصح لجهة إلا ويكون فيه الإضرار بالجهة الأخرى، إلا إن أنصف، فكان نصيحته بمقتضى عدم الإضرار بالجهات الثلاث، لا البائع، ولا المشتري، ولا سعر السوق. ويدل عليه ما جاء في بعض الروايات في حديث بيع الحاضر لباد: «ومن استنصح أخاه فلينصح له»، فهذا يدل على جواز النصح. وهل من النصح أن يبيع له؟ قال بعض أهل العلم بذلك، وذهب بعض أهل العلم للمنع، وهو الأقرب، أي: لا يبع حاضر لباد، ولو على وجه النصح، خشية أن يكون ذلك سببًا لحصول الإضرار بالمشتري أو البائع أو السوق أو سعر السوق. فإذا أراد أن يشتري، ماذا يصنع؟ إذا أراد أن يشتري، يقول له: انظر إلى السوق، فما كان في السوق فأنا أحب أن أشتري منك، فبعد ذلك إذا نظر إلى السوق واشترى بنفس السعر، فإن شاء الله ما في إضرار بالسوق، وربما يجد في السوق ما هو أحسن، فيبيع في السوق. وبشرط أن لا يكون فيه شيء من الاحتكار، فإن كان فيه شيء من الاحتكار فلا يجوز، وهذا من حكمة النهي كذلك عن بيع الحاضر لباد، ومنه بيع الجلب، تلقي الجلب الذي ورد في النهي عن تلقي الركبان. فهذه مجموعة من العلل ينبغي أن يتأمل أمرها. طيب في شيء في هذا، ننتقل إلى الكتاب الآخر. يقول هذا السائل: هل يبيع بيع المزايدة؟ أو هل بيع المزايدة من النجش؟ الصحيح: لا، إذا كان مزايدة ليس فيها تواطؤ على نجش، وقد أجاب البخاري رحمه الله في صحيحه: باب بيع المزايدة، وأشار إلى حديث النبي عليه الصلاة والسلام في قصة الرجل المفلس. فما يفعل من أن يقال: مثلا من يشتري؟ فيقول: هذا بعشرة، فيقول الثاني: بإحدى عشر، فيقول الثالث: بثلاث عشر، هذا لا بأس، لأن البيع لم يستقر. وأما إذا استقر البيع، كأن لا يكون بيع حراج، مثل اثنين رجلان يتبايعان في السلعة، فتدخل أنت ثالث بينهما، هذا لا يجوز، «لا يبيع بعضكم على بيع بعض»، رجل يبيع مثلا بالطيخ، تأتي، تقول: أشتري منك بعشرة، فتأتي تقول: لا، أنا أشتري بخمسة عشر، هذا لا يجوز. أما إذا كان بيع حراج، فبيع الحراج لا يستقر البيع إلا لمن يدفع الزايد، وهذا هو بيع المزايدة. يقول: إذا سافر الرجل إلى أحد المدن وأراد أن يشتري شيئًا، هل يدخل هذا في بيع الحاضر لباد؟ لا، ما يدخل في بيع الحاضر لباد، هو سيرد إلى السوق ويشتري من السوق، أما إذا كان معه سلعة فيترك حتى يصل إلى السوق. طيب إلى هنا والله تعالى أعلم.