كتاب البيع 9

كتاب البيع 9

الدرس في كتاب البيع 9، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

النهي عن تلقي الركبان والاحتكار

الدرس يشرح النهي عن تلقي الركبان والاحتكار في البيوع، ويوضح العلل من وراء هذه الأفعال. كما يبين حكم بيع الصيادين في الحراج ومعنى الاحتكار وأدلته من الأحاديث النبوية.

تفاصيل حول الاحتكار وتسعير السلع

يناقش شروط الاحتكار وتسعير السلع، ويوضح أن الاحتكار المذموم هو الذي يضر بالناس. كما يشير إلى أن التسعير المنهي عنه هو الذي يسبب مظلمة للبائع أو المشتري.

حكم وضع الجوائح في المعاملات المالية

المقطع يتناول حكم وضع الجوائح في المعاملات المالية، ويشرح العلماء تفاصيل هذا الحكم بناءً على أحاديث نبوية. يختلفون في التفاصيل حول من يتحمل تبعة الجائحة، البائع أم المشتري.

تحمل المشتري لتبعة الجائحة

يفسر حديث أبي سعيد حيث تحمل المشتري تبعة الجائحة التي أصابت الثمار بعد شرائها. يبين أن البائع لا يتحمل تبعة الجائحة في هذه الحالة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ذكر بعض ما ذكره المؤلف رحمه الله من منهيات في ما يتعلق بالبيوع، ومن ذلك النهي عن تلقي الركبان. ما العلّة من ذلك؟ من ذلك النهي عن تلقي الركبان؟ نعم، عبد الرحمن، حصول الضرر، وكذلك حصول الضرر بالبائع والمشتري والسوق، وكذلك التغرير، حصول معنى الغرر؛ لأن التلقي سبب في الغالب لحصول التغرير بهذا المتلقى. وورد سؤال في هذه المسألة، وهو: ما يقع لبعض الصيادين، هل بيع الصياد في الحراج يعد من تلقي الركبان؟ فبعض الحراجات تكون في الساحل قبل السوق. الجواب: لا، ما دام أن هذا من موضع البيع والشراء في عرف الناس، فهو ليس من تلقي الركبان، فهو موضع بيع. لكن قل: هذا بيع بالجملة، وذاك بيع بالتفرقة. فإن أراد الصياد أن يصل إلى السوق ليجد الربح الأكثر، ذهب أو باعه في موضع بيع الصيادين الآخرين في الساحل في الحراج، فكذلك. وممكن أن يكون حتى ولو بدون الحراج، فقد يكون للناس سوق في مورد اجتماعهم، ويكون لهم سوق آخر هو سوق لسائر الناس. وقد يكون ذلك أرفق بأمثال هؤلاء الصيادين، فمثل ذلك، ما دام سوقًا، لا يعد تلقيًا للركبان. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والاحتكار والتسعير، ويجب وضع الجوائح. كذلك من المنهيات الاحتكار. وذكر المؤلف رحمه الله في شرحه دليله، وهو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا يحتكر إلا خاطئ»، وفي رواية مسلم: «من احتكر فهو خاطئ». وقد روي عند الإمام مسلم من حديث أبي هريرة، ومن حديث معمر بن عبد الله: «من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه»، وهو فيه ضعف كما أشار المؤلف في شرحه رحمه الله. ويغني عن ذلك ما جاء في حديث معمر بن عبد الله -وقيل: معمر بن عبد الله- مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من احتكر فهو خاطئ»، هذا لفظ مسلم. وجاء خارج صحيح مسلم بلفظ: «لا يحتكر إلا خاطئ»، وهما بمعنى متقارب. ومعنى الاحتكار هو: تأخير بيع السلع ما حاجة الناس إليها، بقصد زيادة الربح. انظر إلى هذه الشروط الأربعة: تأخير بيع السلع، ما حاجة الناس إليها. فإذا كان تأخير السلع ما عدم حاجة الناس إليها، مثل رجل تاجر عنده سلع يبيع، وغيره يبيع، والناس عندهم ما يشترون، فهو أخر بيع ما عنده، والناس لا يحتاجون إليه في ذاك الوقت، فهذا لا يدخل في هذا الحكم. وهكذا كذلك بقصد زيادة الربح، يعني ما يكون معه الإضرار بالمشتري. فإذا لم يكن كذلك، كان يبيعه بسعره، فهذا إن شاء الله لا شيء عليه فيه. ورُوي عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى أنه كان يحتكر، فقيل له -وهو قد روى حديث الاحتكار- فقال: كان معمر يحتكر -يريد راوي الحديث الصحابي- كان يحتكر. وقد اختلف العلماء في تفسير هذه الجملة، في معنى الاحتكار الذي وقع من سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى، وما نقل نحوه عن الصحابي راوي الحديث رضي الله عنه. فمن أهل العلم من قال: يفصل بالاحتكار، فإن كان الاحتكار في الطعام فلا يجوز، وإن كان في غيره فيجوز. وجعلوا مثل هذا التفصيل هو وجه ما جاء عن سعيد وغيره. ومنهم من قال بمعاني أخرى في الاحتكار. وقد ذكر نحو ذلك عدد من أهل العلم في كتب الفقه وشروح الحديث. وخلاصة ما يذكر في ذلك: أن يفصل بين الاحتكار الذي يكون به الإضرار، فلا يجوز، والاحتكار الذي لا يكون به الإضرار، فيجوز. مثال الاحتكار الذي يقع به الإضرار هو: تأخير بيع ما يحتاجه الناس لغرض زيادة سعره، فهذا احتكار مذموم محرم، يضر بالناس. وقد قال النبي عليه الصلاة: «لا ضرر ولا ضرار». ثم ذكر رحمه الله تعالى التسعير والنهي عنه، وأشار في الشرح رحمه الله إلى حديث أنس رضي الله تعالى عنه، فيما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد وغيرهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن السعر غلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، سعر لنا. فقال: إن الله هو المسعر، القابض الباصط الرازق. وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال». والحديث أشار إلى صحته رحمه الله، وصححه العلامة الألباني رحمه الله في صحيح الترمذي وأبي داود وابن ماجة ومواضع من كتبه. فيفهم من هذا أن التسعير الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم هو ما كان فيه مظلمة، ما كان فيه مظلمة بأن يضر بالمشتري أو يضر بالبائع، فهذا التسعير هو المنهي عنه. وبهذا التعليل أجاز من أجاز من أهل العلم التسعير فيما لا ضرر فيه، وما كان من سعر السوق. ثم ذكر رحمه الله تعالى وضع الجوائح، وأشار رحمه الله إلى معنى الجائحة في الشرح أنها الآفة التي تهلك الثمار والأموال. وأشار إلى حديث جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح. وهكذا كذلك جاء الحديث بألفاظ أخرى، وأصله في صحيح مسلم. وقد جاء من حديث جابر بن عبد الله بلفظين: بهذا اللفظ، وبلفظ: «إن كنت بعت من أخيك ثمرًا فأصابتها جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا»، بما تأخذ مال أخيك. والمعنى أنه لا يجوز لمسلم أن يأخذ مال أخيه إلا بحق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. إنما يؤكل المال بحق. وليس من الحق أن تبيع له شيئًا وتأخذ منه مالًا، ثم لا يقبض شيئًا، ثم لا يقبض شيئًا بعد أن أخذته الجائحة. وهذا الذي جاء في هذا الحديث فسر بحديث أبي سعيد في صحيح مسلم، وجاء معنا في الصحيحين من حديث عائشة في قصة الرجل الذي ابتاع ثمارًا فأصابت هذه الثمار جائحة، فأفلس، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فشكوه -يعني الناس الذين لهم ديون- فنظر في ماله، فأعطوا من ذلك، فلم يكفي -يعني أن يعطوا الجميع ما لهم- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس لكم إلا ذلك». معنى الحديث الشاهد: أخذ العلماء من حديث أبي سعيد مع حديث جابر بن عبد الله تفصيلًا في أمر الجوائح. وقد اختلفوا في هذا التفصيل. فذهب بعض أهل العلم إلى أن الجوائح يفصل فيها فيما إذا كان في الثلث فهي على المشتري، وإذا كانت أكثر من الثلث فهي على البائع. وقالوا أشياء أخرى كثيرة. والصحيح الذي يقتضيه معنى هذه الأحاديث، وذهب إليه عدد من المحققين من أهل العلم، هو التفصيل بما لا يكون فيه تفريط، وما كان فيه تفريط. فما كان من تفريط من المشتري، فإنه عليه نصيب من هذه الجوائح. مثاله: لو أن رجلًا باع تمرًا واشتراه بخرصه في الأشجار، وطلب البائع من المشتري أن يقبض هذا التمر -مثلا أن يقبض هذا التمر بعد عشرة أيام- ففرط المشتري في أخذ هذا التمر، فجاءت أمطار أو سيول أو غير ذلك، فأخذت هذا التمر أو غير ذلك من سائر أنواع الزرع كحب أو طعام أو غير ذلك في الأرض. فإذا جاءت بعد حصول المدة الكافية لأخذ مشترٍ وقبضه، فمن المفرط البائع والمشتري، المشتري هو المفرط. فلما كان المشتري هو المفرط، فهو يتحمل تبعة هذه الجائحة. وعلى هذا أمضي معنى ذلك في حديث أبي سعيد: أن الرجل ابتاع ثمارًا أصابتها جائحة، ومع ذلك لم يحمل البائع تبعة الجائحة، وإنما تحملها المشتري. فليس هناك معنى يدل عليه إلا هذا التفصيل. والله تعالى أعلم.