الدرس في كتاب البيع 10، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش تحريم الجمع بين القرض والبيع مستدلاً بحديث عبد الله بن عمر، ويُفسر السلف هنا على أنه القرض الذي يُستخدم لتحقيق مكاسب إضافية في البيع. يُبين أن هذا الفعل محرم ويعتبر من التحايل على الربا.
يفسر الحديث النبوي 'لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع' ويبين أن المقصود به النهي عن التحايل على الربا، ويشرح كيفية حدوث ذلك في معاملات البيع والسلف. يشير إلى أن العلماء قد فسروا هذه العبارة بطرق مختلفة ولكنها جميعًا تتفق في النهي عن الربا.
نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن بعض شروط البيع مثل شرطين في بيع واحد، وبيع ما لم يقبض، وبيع ما ليس عندك أو ما لا يملكه البائع. كما نهى عن بيع البضائع قبل استلامها، ويعتبر كل ذلك من الربا أو الحيل عليه وتعتبر باطلة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ولا يحل سلف وبيع، وشرطان في بيع، وبيعان في بيع، وربح ما لم يضمن، وبيع ما ليس عند البائع». ويجوز عدم الخداع، والخيار في المجلس ثابت ما لم يتفرق. وهذه كذلك مجموعة من المنهيات في البيوع، وكلها متضمنة لمعاني وعلل يجمع معها أمثالها ونظائرها مما ينبغي أن يحذر في باب البيوع، وأن يفقه ويفهم، فيتتبع الجائز المشروع، ويجتنب المحرم الممنوع. أول ذلك قال رحمه الله: «ولا يجوز سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن». وأشار بالشرح رحمه الله إلى حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك». وأشار إلى تصحيح بعض الأئمة لهذا الحديث، وقد حسنه الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه، وتكلم عليه بعض العلماء. ومعناه بالجملة، بتفصيله الذي سيأتي، صحيح تدل عليه نصوص وعمومات كثيرة. فأما قوله رحمه الله تعالى: «لا يحل سلف وبيع»، أشار بالشرح رحمه الله أن المراد بالسلف ها هنا القرض، ونقل عن الإمام مالك رحمه الله قال: هو أن يقرضه قرضًا ثم يبايعه عليه يزداد عليه، وهو فاسد لأنه إنما يقرضه على أن يحابيه في الثمن. وأشار إلى تفسير آخر، قال: وقد يكون السلف بمعنى السلم، ومعلوم معنى السلم، هو ما تقدم ذكره في دروس سابقة بشروطه، أن يقدم المال وتؤخر السلعة بشروط السلم، من أسلم فليسلم بكيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم. يقول رحمه الله: وذلك مثل أن يقول: «أبيعك عبدي هذا بألف على أن تسلفني ماله في كذا وكذا». وإذا تأملت هذين التفسيرين تجد أنهما قد تضمنا معنى الربا. فقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يحل سلف وبيع»، يعني يكون في معناه وضمنه معنى التحايل على الربا بأي صفة أو كيفية كانت، سواء أكان بالصفة الأولى التي ذكرها الإمام مالك رحمه الله، أو نقلت عن الإمام مالك. مثلا يقرضه ثم يبايعه على أن يزداد عليه، مثل رجل مثلا جاء يريد أن يستلف من إنسان، فقال له: أريد أن أستلف منك عشرة آلاف، قال: لا بأس، ماذا عندك أشتري منك؟ يقول له مثلا: عندي هذا الجوال، فيقول: بكم هو؟ فيقول: أعطيت فيه أو سألت عن سعره فقيل أنه يساوي خمسة عشر ألفًا مثلا، فيقول: إذن آخذه منك بعشرة آلاف وأعطيك عشرة آلاف، فيكون هذا سلف وبيع سواء. وقد كان بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم يحذرون من التعامل مع قوم عندهم أمر الانتفاع من القرض، فكانوا ينهون عن قبول الهدية من المقترض خشية أن يكون ذلك لأجل القرض فيكون فيه معنى الربا. وقوله عليه الصلاة والسلام: «ولا شرطان في بيع»، كذلك لما فيه من معنى الربا، فقد ذكر العلماء تفاسير كثيرة، بعضها صحيح وبعضها غير صحيح. وعند التحقيق تجد أن المقصود من النهي عن الشرطين في البيع، شرطان يكون معهما شيء من المحاذير الشرعية، إما حصول عدم الانتفاع من المبيع، وإما أن يكون فيه إضرار بالبائع أو المشتري، وإما أن يكون فيه معنى من معاني المنهي عنها، ومنها الربا. وأكثره يكون من هذا القسم الثالث، فنهى عن شرطين في بيع، مثاله ذكر بعض أهل العلم أن من أمثلته أن يبيع الشيء نقدًا بكذا وآجلًا بكذا. ومن هذا أن تبيع بعض البنوك اليوم بعض الأدوات التي يحتاجها أهل الزراعة، وكذلك أهل السمك وغيرهم بنحو هذا العقد، فيقولون: نبيع لكم مثلا هذه المكينة الزراعية بقيمة كذا وكذا بأصل قيمتها نقدًا لمدة ستة أشهر، فإن زاد عن ستة أشهر فإننا نأخذ منكم ربح قدره خمسة عشر في المئة. وهذا على اعتبار أنه بيع تقسيط، هذا لا يجوز، وليس هو من بيع التقسيط، لأنه شرطان في بيع، وفيه معنى الربى الظاهر والحيل عليه، فلا يجوز. ثم قال كذلك: «ولا ربح ما لم يضمن»، لما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به بيع الشيء قبل قبضه. ولهذا روي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه سئل عن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن، فقال: هو في الطعام خاصة. والصحيح أن الحديث على إطلاقه، «ولا ربح ما لم يضمن»، يعني ما لم يقبضه أو ما كان فيه معنى الجهالة، لا يجوز أن تربح من شيء ليس هو بمضمون. وقوله: «ولا بيع ما ليس عندك»، لهذا الحديث ولما مر معنى كذلك في هذا المعنى في شروط البيع، فلا يجوز إنسانًا يبيع ما ليس عنده، ومنه ما لا يملك، فيدخل فيه ما لا يملكه وما يملكه وليس عنده. فما لا يملكه مثل أن يقول: أنا وعدت بسيارة تهبني الشركة يوم كذا وكذا، سأخذها منهم وأبيعها لك اليوم بكذا وكذا، يعني الآن يبيع شيء هو لم يملكه. وهكذا كذلك ما ليس عندك، شيء تملكه لكنه ليس عندك، اشتريت سيارة حقيقية لك ودفعت ثمنها وسجلت باسمك، لكنها لم تصل إلى البلاد، ما زالت في التصدير مثلا. اشتريتها من الإمارات وهي ما زالت في الطريق لم تصل إلى هنا، وبعتها لإنسان آخر قبل أن تقبضها وقبل أن تصل عندك، فهذا لا يجوز لنهي النبي صلى الله عليه وسلم. نكتب بهذا ونترك الباقي إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.