الخطبة بعنوان خلق العفو، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٢٠ ذو القعدة ١٤٣٤هـ ألقاها
يبدأ المقطع بالحمد والثناء على الله، ثم ينتقل إلى التنويه بأهمية تقوى الله وطاعته، ويشير إلى أن الحديث سيكون حول خلق العفو. العفو هو خلق حميد يحبه الله تعالى.
العفو صفة عظيمة من صفات الله تعالى، وتتجلى في تجاوزه عن زلات المسيء وهفوات المخطئ. وقد حث الله تعالى عباده على العفو والتسامح، وأعد للمتقين الذين يعفون عن الناس جنات النعيم.
يذكر المقطع عدة أمثلة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم تبين صبره على أذى الناس، مثل فتح مكة وأحداث وقعت مع الأعراب. ويشير إلى الآيات القرآنية التي تحث على دفع السيئة بالحسنة.
يُثني الخطيب على صفات الصحابة الكرام وأتباعهم بإحسان، ويطلب من الله أن يجعلهم وخطابه من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه. يُنهي الخطيب بخطبة قصيرة ويأمر المصلين بالقيام إلى الصلاة.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۞ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. إِنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٍ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٍ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ، عِبَادَ اللَّهِ، نَتَكَلَّمُ مَعَكُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي هَذَا الْمَقَامِ عَلَى خُلُقٍ، عَلَى خُلُقٍ حَمِيدٍ، عَلَى صِفَةٍ جَلِيلَةٍ، وَسِمَةٍ رَفِيعَةٍ، وَخِصْلَةٍ عَظِيمَةٍ، صِفَةٍ يُحِبُّهَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَيُحِبُّ أَهْلَهَا. هَذِهِ الصِّفَةُ هِيَ صِفَةُ الْعَفْوِ، يَا عِبَادَ اللَّهِ. قَالَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾، وَقَالَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾، وَقَالَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾. صِفَةٌ عَظِيمَةٌ، صِفَةٌ جَلِيلَةٌ، مَنِ اتَّصَفَ بِهَا قَادَتْهُ هَذِهِ الصِّفَةُ إِلَى الرُّقِيِّ إِلَى الْعُلَى فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى. عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ حَقِيقَةَ الْعَفْوِ هُوَ التَّجَاوُزُ عَنْ زَلَّاتِ الْمُسِيءِ وَهَفَوَاتِ الْمُخْطِئِ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حَقِّ الصُّحْبَةِ، أَوْ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حَقِّ شَيْءٍ مِنْ شَخْصِكَ، أَوْ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تَحْصُلُ لَكَ بِهَا شَيْءٌ مِنْ الْغَضَاضَةِ. ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا». رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَأَصْلُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مُطَوَّلًا، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ: «لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ، قَالَ: مَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ بَيْتَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ». فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ أَحَدٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا، وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ». فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، قَالَ: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ جَبْذَةً شَدِيدَةً حَتَّى أَثَّرَتْ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ عَلَى عُنُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ. فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَضَحِكَ، وَأَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ». ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾، ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. عِبَادَ اللَّهِ، اتَّصَفَ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ وَأَتْبَاعُهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَأَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ بِهَذِهِ الْخَصْلَةِ الْعَظِيمَةِ. فَأَسْأَلُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. صَلَّى اللَّهُ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ أَجْمَعِينَ. وَقُومُوا إِلَى صَلَاتِكُمْ.