الخطبة بعنوان الدعوة إلى الله بين تعظيم مخلوقاته وإفراط أهله، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٢ محرم ١٤٣٧هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبرز أهمية الدعوة إلى الله ودور الصحابة في نشر الدين، حيث كانت أولوية لهم رغم اختلاف أحوالهم. تنافسوا في نشر الدين إرضاءً لله تعالى.
يذكر أمثلة تاريخية من الصحابة والتاريخ الإسلامي على الدعوة إلى الله، مثل قصة إسلام ضمام بن ثعلبة وأم سليم. كما يشير إلى أمثلة من عالم الجن والحيوانات.
يؤكد أن الدعوة إلى الله عبادة عظيمة وقد مدح الله أهلها، وحث النبي على تبليغ دين الله. يجب على المسلمين المشاركة في الدعوة ونشر دين الله.
يدعو للمؤمنين والمؤمنات بالمغفرة ويحث على إقامة الصلاة والصلاة على النبي محمد، مشددًا على أهمية هذه العبادات.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن الله جل وعلا لما رأى الناس وهم في جاهليتهم، الجهلاء، فكانوا في شرك وضلال وانحراف وانحلال، كانوا في حالة تشبه حالة الغاب، القوي يأكل الضعيف، والغني يستولي على الفقير، ما كان هناك دين يمنعهم، ولا شريعة تردعهم. فبينما هم كذلك، إذ بعث الله سبحانه وتعالى رجلًا منهم، من أنفسهم، هو محمد بن عبد الله، يعرفون مدخله ومخرجه وأدبه وخلقه، أرسله ربنا سبحانه وتعالى حياة للأفراد والمجتمعات، بما حباه الله من الهدى والآيات البينات. وكان من أولويات بعثته عليه الصلاة والسلام هو دعوة الناس إلى هذا الدين وإلى هذا الخير، قال سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا﴾، حمل عليه الصلاة والسلام هم الدعوة إلى الله، فما ترك سهلًا ولا جبلًا ولا حيًا ولا واديًا إلا وقام فيهم صارخًا: يا قوم اعبدوا الله، ما لكم من إله غيره. وكم لاقى عليه الصلاة والسلام إزاء دعوته للناس من متاعب ومن مصاعب، فذاك يسبه، وهذا يشتمه، وآخر يسجره، وذاك يتجاسر عليه فيبصق في وجهه، وآخر يأخذ بتلابيب ثوبه، ناهيك عن تلكم المحاولات في سبيل قتله وإزهاق روحه. وهو مع هذا كله، مع هذا التعب ومع هذا الضيق والعنت، إلا أن آيات الدعوة كانت تتنزل عليه، يأمره فيها ربه سبحانه وتعالى أن يمضي قدمًا، ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾، وقال سبحانه: ﴿فلذلك فادع واستقم كما أمرت﴾، وفي ذلك إشارة إلى أن هذا الدين وقوام الإسلام إنما يكون بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فهو أصل أصيل وركن ركين. وإن هذا الباب، وهذا الجناب، جناب الدعوة إلى الله، ما اقتصر على نبينا عليه الصلاة والسلام، بل إن أصحابه الذين أسلموا معه، ما كان دور أحدهم يقف إلى أن يتلفظ بالشهادتين ثم يركن في زاوية من زوايا بيته يتعبد الله فيه، لا، بل كانوا يرون أن من أولويات دعوتهم، من أولويات إسلامهم، دعوة الناس إلى هذا الخير، دعوة الناس إلى دين الله جل وعلا. وخاصة وهم يسمعون بتلكم الآيات وتلكم الأحاديث التي فيها التحضيض وفيها الترغيب بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، بل إن ذلك كان مكمن صلاحهم وفلاحهم ونجاحهم في الدنيا والآخرة، قال سبحانه: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾. وأيضًا قد علم الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن هذا كان من وصاياه صلوات ربي وسلامه عليه، والتي حمّل أمته من بعده، فكان في خطبة حجة الوداع، كان يقول: «فليبلغ الشاهد الغائب، فليبلغ الشاهد الغائب، اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد». ولهذا تنافس الصحابة رضي الله تعالى عنهم في هذا المضمار، في مضمار الدعوة إلى الله وإلى نشر هذا الدين، على اختلاف أحوالهم، وإلى اختلاف كذلك مشاكلهم وأشكالهم. فهذا الصديق رضي الله تعالى عنه كان من أشراف قريش ومن ساداتهم، كان بعد إسلامه داعيًا يدعو إلى الله ورسوله، فكم أسلم الكثير والكثير من أصحاب رسول الله على يده. وكان عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه من أغنياء قريش ومن تجارهم، فبعد إسلامه سخر أمواله في سبيل نشر هذا الدين. وهذا الطفيل بن عمر الدوسي، وقد حشى في أذنه شيئًا من قطن ونحوه حتى لا يسمع شيئًا من رسول الله عليه الصلاة والسلام، إلا أن الله سبحانه وتعالى أراد هدايته، فشرح صدره للإسلام، فأسلم عند نبينا عليه الصلاة والسلام. وكان من أول عباراته بعد إسلامه قال: يا رسول الله، إني امرؤ مطاع في قومي، وأنا راجع إليهم، فأدعوهم إلى الإسلام، فاجعل لي آية، فاجعل لي آية. نعم، عباد الله، كم نحكي وكم نحدث وكم نخبر عن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، أن ما منهم من أحد كان يدخل في دين الله إلا ما وجد سبيلًا، وما كان له عذرًا في أن يبلغ دين الله وأن ينشر هذا الخير الذي حباه الله جل وعلا به. بل إن الأمر، عباد الله، لم يقتصر على رجال الصحابة في بذلهم وفي دعوتهم ونشرهم، بل حتى نساء الصحابة كن على هذا المنوال، فإنهن لم يألون جهدًا في نشر هذا الدين ونشر هذا الخير بين أهاليهم وبين أرحامهم. فهذه أم سليم رضي الله تعالى عنها يتقدم إليها أبو طلحة وكان حينها مشركًا، وأراد خطبتها ونكاحها، فاستغلت هذه المرأة هذا المقام في الدعوة إلى الله جل وعلا، فقالت: يا أبا طلحة، يا أبا طلحة، إن مثلك لا يرد، ولكنك رجل مشرك، وإني امرأة مسلمة، فإن تسلم، فإن تسلم، كان هذا مهر منك، كان هذا مهر منك، فأسلم وحسن إسلامه. الله أكبر، ما أعظم هذه الهمم، وما أعظم هذا التفاني في نشر الدين وفي نشر هذا الخير الرباني. عباد الله، وهكذا المخلوقات التي تسبح في ملكوت الله، كم لها من أيادي بيضاء في خدمة الدين وفي نشر دين رب العالمين. فهذا عالم الجن، قال عنه ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرآن، فلما حضروه قالوا أنصتوا، فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين، قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابًا أنزل من بعد موسى مصدقًا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم﴾. جلسة حضروها مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكانت كافية لهم، فأنهم يذعنون لدين الله وينطلقون محذرين ومنذرين من وراءهم من الجن، وداعين إلى الله وإلى رسوله وإلى دينه. وهكذا قصة ذلكم الذئب، والذي ذكره شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين، عندما عدا على شاه ففر بها، فإذا بالراعي يدركه فينتزع منه الشاه، فإذا بهذا الذئب يجلس على ذنبه ويتكلم بلسان عربي مبين، قائلًا للراعي: يا أيها الراعي، ألا تتق الله، أتنزع مني رزقًا ساقه الله إلي. فانبهر هذا الراعي مما يراه أمامه، فقال: يا عجبي، ذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الإنس، فتأمل يا عبد الله إلى هذا الذئب وهو يستغل هذا المقام في الدعوة إلى الله، في الدعوة إلى الله وإلى رسوله، فقال الذئب: يا راعي، ألا أدلك بما هو أعجب من ذلك، محمد صلى الله عليه وسلم بيثرب يخبر الناس بأخبار ما قد مضى. قال العلماء، وقال أبو سعيد: فذهب الراعي إلى رسول الله، وقال الشراح: وأسلم حينها. نعم، يا عبد الله، حيوان عجماء، عجماء بكماء، رأى أن في ذمته أن يساهم في نشر هذا الدين والدلالة على خاتم الأنبياء والمرسلين، فدل الراعي إلى نبينا عليه الصلاة والسلام. وهذه نملة، نملة جاء ذكرها في كتاب الله لشرف قامت به، فخلد الله ذكرها في كتابه، إذ أنها لما رأت الخطر محدقًا على بني جنسها، فما كان من أمرها إلا أن قامت بينهم محذرة ومنذرة من هذا الذي سيأتيهم. قال ربنا حاكيًا عنها: ﴿وقالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون﴾، فتبسم من قولها، ما فرت وما هربت، وما جعلت رأسها في الأرض كحال النعام، كالذي يتهرب من المسؤوليات، وإنما برت وقامت وحذرت قومها من الخطر القادم عليها. وهكذا في قصة الهدهد الذي ساهم في دلالة سليمان عليه السلام على أكبر منكر في الوجود، ألا وهو الإشراك بالله، فساهم مساهمة في ضعف هذا الشرك وإسلام تلكم القرية مع ملكتها. وهكذا، عباد الله، كم نجد من هذه العوالم من إنس وجان، ومن طير وحشرات وحيوان، الكل ساهم في نشر هذا الدين وخدمة دين رب العالمين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، فبعد هذه الجولة السريعة في هذه العوالم المختلفة، وكيف اهتمامها بتبليغ دين الله والاهتمام بمصالح أمتها، كان ذلك إشارة لنا جميعًا، ولكل واحد منا، أن يكون له النصيب الأوفر والأكثر في الدعوة إلى الله وفي نشر دين الله جل وعلا. اعلموا عباد الله أن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى لهي عبادة عظيمة وقربة منيفة من أشرف الطاعات والقربات، الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بلغ من أمرها أن الله مدح أهلها وزكى أصحابها، فقال سبحانه: ﴿ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين﴾. ومن أحسن قولًا لا أحد يساويه، ولا أحد يدانيه، الدعوة إلى الله من خاض في غمارها حقق من ورائها أجرًا عظيمًا، قال عليه الصلاة والسلام: «من دعا إلى هدى، فله أجره وأجر من تبعه، لا ينقص من أجورهم شيئًا». الدعوة إلى الله هي وسام شرف لهذه الأمة المحمدية، قال سبحانه وتعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾. وإنه لمن المؤسف ما عظم هذا الباب وشرفه، وكثرة مناقبه وفضائله، إلا أننا نرى الكثير والكثير من الناس من نأى بنفسه عن هذا المضمار، بحجة أن هذا لا يعنيه، وأن هذا ليس من شأنه. اعلموا عباد الله أن الله جل وعلا انتدب الأمة جمعًا إلى الدعوة إلى الله، فقال سبحانه على لسان رسوله: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين﴾. فهذه الدعوة قام بها نبينا صلوات ربي وسلام عليه، وأيضًا من اتبعه، فمن كان من أتباعه يبقى في ذمته أن ينشر هذا الدين على دعوته، وعلى قدر استطاعته. وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام كم انتدب الأمة، وحثها على تبليغ اليسير من دين الله، فقال صلوات ربي وسلامه عليه: «بلغوا عني ولو آية، بلغوا عني ولو آية». فمن هذا الذي يعف عن هذا، الذي يبخل في التبليغ عن الله وعن رسوله، ولو بآية واحدة يؤديها إلى غيره. وهكذا على هذا المنوال، قال عليه الصلاة والسلام: «نظر الله امرأً سمع منا مقالة، وفي رواية: سمع منا حديثًا، وفي رواية: سمع منا شيئًا، سمع منا شيئًا، فأداه كما سمعه، نظر الله إليه». إذا كان هذا الدعاء في حق من بلغ ولو حديثًا، بلغ ولو شيئًا يسيرًا عن الله وعن رسوله، فما ظنك يا عبد الله بالذي يبلغ الكثير والكثير. عباد الله، إنه من المؤسف أن تتقاصر همم أهل الحق في نشر دينهم ونشر معتقداتهم ونشر منهاجهم ونشرهم للصراط المستقيم والمنهج القويم الذي حباه الله به. بينما نرى غيرهم من أهل الباطل، وهم لا يألون جهدًا في نشر باطلهم ونشر أفكارهم، قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار، ويوم القيامة لا ينصرون﴾. وقال نبينا عليه الصلاة والسلام في وصف أهل الباطل: «هم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها». نعم، يا عبد الله، هم دعاة، ولكن إلى النار، وهم أئمة، لكن إلى الضلال. وها نحن نرى في واقعنا كيف أن أهل الباطل يتفانون في نشر باطلهم، من زنادقة وملاحدة، ومن يهود ونصارى، ومن أهل الفرق والملل والنحل، كم تفانوا في نشر أفكارهم ومذاهبهم وعقائدهم. كم أفنوا من أعمار، وكم أفنوا من أرواح، وكم أفنوا من أوقات، وكم أفنوا من أموال، في سبيل الباطل، في سبيل الشيطان وحزبه. فما الذي بذلتموه، ما الذي فعلتموه، ما الذي قدمتموه لدين الله جل وعلا. يا عبد الله، كن داعيًا، كن داعيًا في بيتك، بين أهلك وأرحامك وقرابتك، يا عبد الله، كن داعيًا في عملك، بين زملائك، بين زبائنك وعمالك، يا عبد الله، كن داعيًا في مجتمعك، بين أصحابك وزملائك وجيرانك، كن داعيًا، عبد الله، بأقوالك، كن داعيًا بأفعالك، كن داعيًا بأموالك، تساهم في نشر هذا الدين، ولو بأقل قليل، ولو بأقل قليل. نعم، عباد الله، فإن ذلك مما حثنا ربنا عليه، وانتدب به عباده. وأما من آتاه الله علمًا، من طلبة العلم وحملته، فهم أولى من غيرهم، لأن الله قد أعطاهم ما لم يعط أحدًا سواهم، ألا وهو العلم، ألا وهو الهدى، ألا وهو البينات الذي جعلهم في صدورهم. فعليهم أن يبلغوا دين الله بكل ما أوتوا من قوة، قد هيئوك لأمر لو فطنت له، فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وأسأل مولى جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم، رعاكم الله.