الإيمان الأوسط 33

الإيمان الأوسط 33

الدرس في الإيمان الأوسط 33، الدرس الثالث والثلاثون:(فصل:وأما الجائحة في بيع الثمار ففيها نزاع مشهور ... وصلى الله على سيدنا محمداً وعلى آله وصحبه تسليماً كثيراً إلى يوم الدين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة وتوطئة في أحكام المعاملات

يبدأ المقطع بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مما يدل على البدء بعبادة وطلب البركة. ثم ينتقل إلى موضوعات متعلقة بالمعاملات المالية.

أحكام بيع الثمار والتعامل مع الجائحة

يتناول هذا الفصل أحكام بيع الثمار والتعامل مع حالات الجائحة، مشيرًا إلى آراء الفقهاء المختلفة حول هذه المسألة وضوابط البيع في مثل هذه الحالات.

الإحسان في طلب الرزق وضوابط المعاملات المالية

يركز هذا الفصل على أهمية طلب الرزق بالطرق الحلال والإحسان في المعاملات المالية، مع ذكر بعض البيوع المنهي عنها في الإسلام وتوجيهات للمسلمين في سلوكهم التجاري.

التورع واجتناب الشبهات في المعاملات المالية

يتناول هذا الفصل بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بالتجارة والمعاملات المالية، مع التركيز على أهمية التورع واجتناب الحرام والمشتبه، مستشهدًا بالنصوص الشرعية وسيرة الصحابة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فصل: وأما الجائحة في بيع الثمار، ففيها نزاع مشهور. ولو اشترى ثمرًا قد بدى صلاحها فأصابته جائحة، كان من ضمان البائع في مذهب مالك والإمام أحمد وجماعة من علماء السلف. وقد صح النقل وثبت الخبر في صحيح مسلم مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «إن بعت من أخيك ثمرًا فأصابتها جائحة، فلا يخل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئًا». أيأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق. ومعنى الجائحة الوباء من السماء، سواء الريح أو شدة الحر أو شدة البرد أو المطر أو البرد أو الجراد أو الوباء أو غير ذلك مما يصيب الثمار وهي في الأشجار. قال: «فأصابتها جائحة، فلا يخل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئًا». أي أخذ أحدكم مال أخيه بغير حق. والمعنى أن هذا الحكم الشرعي في إشارة أن من الإحسان أن ترفع الجوائح. ومعنى أن البائع لا يحل له أن يأخذ من المشتري مالًا، والمشتري لم ينتفع من مشترى ما دام الذي باعه ما زال في يده. وأما إذا قبض المشتري البيع، كان يشتري البستان كاملًا، الشجر بالأرض بالثمار، فليس للمشتري أن يرجع إلى البائع. وإنما المسألة إذا اشترى المشتري الثمرة وما زالت الثمار في الأشجار، وقبل أن يقطف المشتري الثمار أصابت هذه الثمار الجائحة، فهنا لا يحل للبائع أن يأخذ من المشتري المال على المشتري وهو لم يأخذ ثمرته. فإن قال قائل: قد اشترى هذا المشتري، فلماذا لا تكون الجائحة من المشتري للبائع؟ الجواب أن هذا أولًا أرد به الدليل، وثانيًا أنه لم يحصل التقابض والتفرق، ما زالت الثمرة في يد البائع. والأمر الثالث أن الثمرة كذلك بقيت على الأصل أن تكون للبائع، فلهذا كان هذا هو العدل. قال: وأما أبو حنيفة، فلا يفرق بين ما بيع قبل بدو الصلاح أو بعده. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها. فإذا وقعت الجائحة، هل هناك فرق؟ هل هناك فرق فيما إذا بدى الصلاح أو لم يبدو؟ الجواب: الكلام فيما إذا تم الشراء لبيع صحيح بعد بدو الصلاح. فإن كان قبل بدو الصلاح، فمن باب أولى. قال: وأما ضمان البساتين عامًا أو أعوامًا ليستغلها الضامن بسقيه وعمله كالإجارة. وكذلك إذا بدى الصلاح في جنس من الثمر، إذا أكل منه وبيع جميع ثمر البستان، فأظهر الأقوال جواز ذلك. جواز البيع لا الجائحة. يجوز أن يبيع ثمر البستان إذا بدى بعض الثمر فيه الصلاح. قال: وكذلك لو أعطى ماء ليسقي به زرعة، ويكون له الربع منه أو أقل أو أكثر، جاز على شروط المساقاه المعروفة بكتب الفقه. وكلام أهل العلم بالأدلة الشرعية. سواء كان الماء من صاحب البذر العامل فيها أو من صاحب الأرض أو من غيرهما، كل هذا جائز. وهذا ظاهر قد يكون الماء لصاحب الأرض أو يكون الماء للمنتفع أو يكون الماء لطرف ثالث، فكله جائز بشروطه. قال: وهذا من جنس المشاركة لا من جنس الإيجارة، وهو بمنزلة المساقاه والمزارعة. وفي هذا خلاف بين أهل العلم، وهي مسائل دقيقة من مسائل الفقه. المقصود من هذا يشير رحمه الله أن الواجب الإحسان في هذه المسائل. والقاعدة: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». قال: والصحيح على مذهب أهل الحديث أن المزارعة جائزة، سواء كان البذر من المالك أو من الفلاح أو منهما. وسواء كان على أرض بيضاء أو ذات شجر. وكذلك تصح المساقاة على جميع الأشجار. ويورث من كل منهم، يعني صاحب الأرض وصاحب المساقاة، إن مات أحدهم يخلفه وريثه. قال: وتقسم الشجر أو الزرع في ورثته قسمة شرعية. فإن هذا كله من فضل الله الذي يبتغى في الأرض. ومن قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾، ومن قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾، ومن قوله تعالى: ﴿فَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾. والمعنى أن هذه كلها من أسباب الرزق. وهذا استطراد، والقصد من إيراد هذه المسائل الإحسان فيها. قال: وقد كان إبراهيم أدهم وشقيق بعد ما كان فيه من سعة الرزق، يقومان على الكروم، ويسترزقان الله من العمل في البساتين، ويتقوتان من الحصاد. وهو سنة ماضية من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاء الراشدين فمن بعدهم. قال: وعلم رحمك الله أن كل ما قام عليه الدليل فهو علم. والنافع من ذلك ما كان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» الحديث. قال: وكان شيخنا يقول: «علق المعلق بأن هذا لعله من كلام بعض تلامذة شيخ الإسلام». والذي يظهر والله أعلم أن هذه الفصول من بعد انتهاء الأصل، ليست من كلام شيخ الإسلام. فأنا أشك أن يكون هذا كلام شيخ الإسلام. فنفسه ليس نفس شيخ الإسلام، وأسلوبه ليس أسلوب شيخ الإسلام. فلعله مما أقحم وأدخل وزيد إما من بعض الناس أو بعض تلامذته. قال رحمه الله: وكان شيخنا يقول: «الشريعة المحمدية والآداب النبوية نور الله في أرضه وعدله بين خلقه». والمعنى أن أظهر العلم ما كان على الدليل والسنة. قال: ولقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الرسل إلى ملوك الأرض، فبعث إلى كسرى وقيصر وملك الإسكندرية وإلى أكيدر دومة وغيرهم من ملوك الأطراف، وكتب إليهم كتبًا. وذلك على ما عرف ونقل واشتهر. وأكثر ذلك رويت فيه أحاديث صحيحة. قال: وإنما بعث إلى كل واحد منهم رجلًا من أصحابه، ودعاهم إلى الله وإلى التصديق برسالته لإقامة الحجة وظهور الدعوة وقطع العذر. لقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. قال: كما بعث عليًا بسورة براءة، مناديًا: «ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان». وكل من كان بينه وبين النبي عهد، فمدته إلى أربعة أشهر. وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة. وبعث معاذًا إلى اليمن، وبعث إلى أهل خيبر من يقول: «إما أن تؤدوا القتيل، وإما أن تؤذنوا بحرب من الله ورسوله». وبعث إلى بني قريظة لبابة رضي الله عنه، ويستنزلهم على حكمه. قال: ومن الإحسان في البيوع والتزام العقود الشرعية والورع في المعاملات المباحة، ما ذكره الإمام أبو الوفاء بن عقيل البغدادي بكتاب التذكرة في باب ما يجتنب من البيوع الفاسدة. فقال: يجتنب منها خمسة وعشرون شيئًا، كلها كانوا في الجاهلية يجيزونها، فجاء الإسلام برده وبيان تحريمه. قال: ومنها تلقي الركبان، وأن يبيع حاضر لباد، يعني الحضري للبدوي. وهذا كذلك مظنة الغش عليه لأنه لا يعرف الأسعار. والنجش، وهو الزيادة في السعر مع غير نية الشراء. قال: هو من شرها موقعًا وأذرعها للحق في القلوب، لأنه فيه تغرير فاحش. قال: ونهى عن بيع الملامسة، وعن بيع المنابدة، وهو كل بيع فيه معنى الجهالة والغرر. الملامسة ما وضعت يدك عليه فهو لك بكذا في الليل أو في السعة والكثرة. والمنابدة ما نبتته فما رميته أو رمي إليك فهو لك بكذا. كل هذا لما فيه من معنى الجهالة والغرر حرم في الإسلام. قال: ونهى عن المحاقلة، يعني بيع الحقل ما في الأرض بما في الحقل في الأشجار. وهذا كذلك فيه جهالة لا يجوز. وفسر بتفاسير أخرى. قال: ونهى عن المزابنة، والمزابنة في التمر خاصة، فهو أخص من المحاقلة. بيع التمر اليابس على الأرض بالرطب في الأشجار، فهذا لا يجوز لأجل ما فيه من الغرر. ويستثنى من هذا بيع العراية بالدليل وبشروطه كما هو معروف في كتب الفقه والحديث. قال: وعن بيع الحصاة، ما رميته بحصاك فهو لك بكذا، أو ما أوصلت بالحصاة من الأرض فهو لك بكذا وكذا. أو ما أصبته من الإبل بالحصاة فهو لك بكذا وكذا. فهو معنى من معاني الميسر، صاحبه بين الغنم والغرم. ولأجل هذا حرم هذا في الإسلام. قال: فهذه بيوع كثيرة عرف تفصيلها وجه الاحتراز منها من مشهور الأحاديث. وجملة أحاديث النهي عن البيوع الفاسدة ثلاثة وخمسون حديثًا. وقد بوب العلماء على أكثرها، وأحسن التنبيه على ذلك لئلا يكون للأكل حجة إذا أخذ الحرام وسماه بغير اسمه، واحتج لغلبة هواه ورغبته في تثمير المال بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. قال: وليعلم أن من العلم جهلًا، وهو أن يتكلف العالم الكلام فيما لا يعلم. قيل لعفان بن مسلم وقد سئل في حضرة الخليفة مسألة، فقال: لا أعلم. فقيل له: أيصرف إليك من بيت المال في كل شهر ألف درهم وأنت لا تعلم؟ فقال: إنما أخذ على ما أعلم، وإلا فلو أخذت على ما لا أعلم لفني بيت المال قبل أن يفنى ما لا أعلم. قال: فمن العلم جهلًا، ومن القول عيلًا، وهو أن تقبل بحديثك على من لا يسمعه، وتخص به من لا يفهمه. ومعناه لا تعطي العلم إلا من يحبه ويريده ويرغب فيه. قال: ومن البيوع فاسد لا يحل ربحه ولا يصح العقد فيه. وللعلماء من التصانيف الجليل في البيوع ما بين الحالي من العاطل، وأوضح الحق من الباطل. قال: وكان فيهم -يعني الأنصار- من يعيش من عمل النخيل والتصدي للزرع ونحوه. ومع ذلك هم الأنصار رضي الله عنهم. قال: وقد جاء في الصحيح: «ما من مسلم يزرع زرعًا أو يغرس غرسًا فيأكل منه طير أو سبع أو حيوان إلا كان له صدقة». قال: ولا خلاف أن الصحابة كانت لهم أسباب ومعايش شتى مع كثرة اشتغالهم بالغزو. وكان تورعهم واجتهادهم وفقهم الذي يتدارسونه بينهم معرفة الحلال والحرام في المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح ونحو ذلك. قال: وكان يرجعون في ذلك كله إلى الكتاب والسنة، واستفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال حياته، ويسأل بعضهم بعضًا عن سنته بعد وفاته. حتى حفظ عنهم في باب المعاملات ما قطع حجة كل أفاك أثيم. قال: ومن الإحسان التورع والاجتهاد في اجتناب الحرام والمشتبه. قال: وفي باب التجارة في البزي وغيره، قال قتادة: كان القوم يتبايعون ويتجرون، ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله لم تلهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتى يؤدونه إلى الله. قال: وقد روى الشعبي عن النعمان بن بشير، يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم كان له مستبان، ومن اجترى على ما يشك فيه من الإثم أو شك كان واقعًا في الإثم». قال: وعن عقبة بن الحارث أن امرأة دخلت عليه، فأخبرت أنها أرضعت امرأته. الحديث وفيه: فكيف وقد قيل -يعني أمره النبي صلى الله عليه وسلم- أن يفارقها لأجل هذه الكلمة التي قالتها هذه المرأة. قال: وقد روي مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «غبن مسترسل رباء». وهو لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومعناه صحيح إذا وجه بتوجيه صحيح. ومعناه أن التغرير بالمسترسل بمن يزيد في الشيء وهو يعلم أنه مخطئ من الرباء. قال: وكيف يصح أن الدنيا ملعونة وليس من رزق ولا من نعمة ينالها العبد إلا على ظهرها؟ والمعنى الملعون من الدنيا هو ما كان على خلاف طاعة الله ومرضاة الله. قال: وقد روى أهل العلم بأحوال الصحابة وإيمان الناس أن الزبير رضي الله عنه مات وترك ثمانين ألف دينار. فقضيت من تركته، ثم كانت الثمن من تركته بعد ذلك ستين ألف دينار. وكان مما ترك من كراع وسلاح وأثاث ألف فرس. قال: وقد عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا وهو ممن شهد بدرًا وفتح خيبر، فقال: «يا رسول الله، إنك زوجتني فلانا، ولم أسهم لها مهرًا، وإني قد جعلت لها من ذلك سهمي الذي بخيبر». فأجاز ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فباعته بمئة ألف. قال: فما وجدناه من كتاب الله تعالى، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن جميع أصحاب الطاهرين رضي الله عنهم مجمعين، أخذناه باليدين وعضضنا عليه بالنواجذين، وتمسكنا به حتى نلقى الله به معتصمين. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.