الدرس في الرسالة القبرصية 2، الدرس الثاني:(أمّا بعد.فإنّ الله خلق الخلائق بقدرته وأظهر فيهم آثار مشيئته ... متبعاً سنّة إخوانه المرسلين مصدِّقاً لمن قبله و مبشِّراً بمن يأتي بعده). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ رسالة ابن تيمية القبرصية، موضحًا معاني الربوبية والألوهية وأهمية توحيد الله في العبادة. يفسر عبارات ابن تيمية ودلالتها على عظمة الله ووحدانيته.
يشرح أسباب ضلال الأمم السابقة وعبادتهم للأوثان بسبب المقاييس الفاسدة والفلسفة الحائرة. يبين أن الناس كانوا على التوحيد حتى ابتدعوا الشرك بتلبيس الشيطان لهم.
يتحدث عن دعوة الأنبياء نوح وإبراهيم وموسى إلى التوحيد ومواجهة الشرك، ويذكر تفاصيل من قصصهم ومعجزاتهم. يبرز اطلاع شيخ الإسلام ابن تيمية على كتب أهل الكتاب واستخدامه لها في مناظرة الكفار.
يستدل الشيخ على صدق دعوته بالدليل ويخاطب أهل الكتاب بما في كتبهم، ويحذر من الاشتغال بمناظرة النصارى مع الجهل بعقيدة الإسلام. يبين قسوة بني إسرائيل وتحايلهم على محارم الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه ورسالته المسماة بالرسالة القبرصية، في كتابه إلى ملك قبرص: أما بعد، فإن الله خلق الخلائق بقدرته، وأظهر فيهم آثار مشيئته وحكمته ورحمته، وجعل المقصود الذي له خلقوا فيما أمرهم به هو عبادته. هكذا في أكثر النسخ: أما بعد ها هنا، وفي بعض النسخ بحذف أما بعد، أما بعد من ها هنا، وفي بعض النسخ وفي بعض النسخ إثبات أما بعد بعد قولي سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن نحمد الله إلى آخره. وكونه يأتي هنا وهنا هذا خطأ، بل الصواب إما أن يكون ها هنا قبل قوله: فإن الله خلق الخلائق بقدرته، وإما أن يحذف من هنا ويكون هناك في الأول قبل قوله: فإن نحمد الله الذي لا إله إلا هو إلى آخره. واختلاف النسخ كما تقدم معنى قد يكون من النساخ، وقد يكون أن بعض الناس نقلوه من كتاب شيخ الإسلام مرة أخرى، فحصل شيء من التقديم أو التأخير، ومعناه مهما يكون من شيء بعد فهو ما يأتي يؤت بها للفصل بين مقدمة الموضوع والموضوع. فإذا أثبتنا هنا فهو لا يأتي إلا مرة واحدة، فإذا أثبتنا هنا حذفنا من هناك، وإذا أثبتنا هناك حذفنا من هنا. ومن باب الفائدة ينبه على خطأ بعض الخطباء إذ يكرر أما بعد في خطبة الحاجة مرتين، فيأتي في خطبة الحاجة ويقول: أما بعد فإن أصدق الحديد كتاب الله إلى آخره، ثم إذا أراد أن يدخل في الموضوع قال: أما بعد أيها الناس، فيكرر أما بعد مرتين، وهذا خطأ، بل يقولها مرة واحدة إما هنا وإما هنا. وهنا شرع في الدخول في المقصود، وكما نرى كيف أنه شرع رحمه الله بإظهار معاني ربوبية الله سبحانه وتعالى، ثم أتبع بمطلب توحيده سبحانه وتعالى في عبادته وهو ألوهيته. وهكذا يدعى الناس خصوصًا من وقع منه شيء من اللبس في معاني الألوهية يذكر بمعاني الربوبية، كما قال سبحانه: ﴿يا أيها الناس أعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. فكما أنه تقرون أنه لا خالق لنا ولا لغيرنا إلا الله، فوجب أن لا يعبد ولا يؤله إلا هذا الخالق سبحانه وتعالى وحده. وهذا من هذا الباب: فإن الله خلق الخلائق بقدرته، وأظهر فيهم آثار مشيئته وحكمته ورحمته، وجعل المقصود الذي خلقوا فيما أمرهم به وعبادته. وفيه من براعة الاستهلال كذلك ما فيه من التنبيه على عظيم حكمة الله عز وجل في خلقه، وهذا يقتضي التفكر في هذه الآثار آثار مشيئته وحكمته ورحمته في خلقه، والتي تقتضي العظة والاعتبار فيما يتعلق أولًا بحقيقة التوحيد، وما يتعلق بحال أهل الإسلام أهل الكفر. فإنه لا يبقى حال على ما هو، وكل هذا لحكمة حتى لا يغتر ظافر ولا ييأس كذلك مبتلى. قال رحمه الله: أصل ذلك هو معرفة ومحبته. وفي نسخة بحذف هو. قال: فمن هداه الله صراطه المستقيم آتاه رحمة وعلم فعرف ربه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، ورزقه الإنابة إليه والوجل لذكره والخشوع له والتأله له. ومعنى التأله أي التعبد، أي سعى إلى تحقيق معاني الألوهية بصرفها له خالصة التي هي توحيد الرب سبحانه وتعالى في أفعال خلقه. قال: فحن إليه حنين النسور إلى أوكارها، وكلف بحبه كلف الصبي بأمه، لا يعبد إلا إياه رغبة ورهبة ومحبة. وهذا من التأكيد لتحقيق معنى هذا التأله بهذه الأمثلة الحسية التي تدل على المقصود من المعنى المعنوي. فكما أن النسور تحن إلى أوكارها فتبقى فيه وترجع إليه ولا تكاد ترى إلا إذا وجدت ميتتها، فكذلك يحن العبد لمعبوده وخالقه إذا اعترف بتقصير نفسه وفقره إلى خالقه وعظيم منزلة ربه وخالقه في كماله في نفسه في أسمائه الحسنى وصفات العلا ومعاني ربوبيته توجه توجه إليه وحده ولم يلتفت إلى غيره. وهذه معاني لطيفة برع رحمه الله في الاستهلال بها؛ لأن النصارى يعتنون بالجوانب العاطفية وكذلك المعاني اللطيفة، وهذا من دعوتهم بهذه المعاني وهذا الفكر. وهكذا قوله: وكلف بحبه كلف الصبي بأمه، وهو كذلك من هذا المعنى، كلف الصبي بأمه كلف عظيم يعني تعلق ما بعده تعلق وعلاقة العبد بربه وخالقه إذا صدق أعظم من هذا. وهنا أتى المطلوب: لا يعبد إلا إياه رغبة ورهبة ومحبة. قال رحمه الله: وكلف بحبه كلف الصبي بأمه لا يعبد إلا إياه رغبة ورهبة ومحبة، وأخلص دينه لمن الدنيا والآخرة له. وكل هذه من معاني الربوبية العظيمة التي من تفكر وتأمل وتدبر معانيها لم يجد بدًا إلا أن يفرده سبحانه وحده لا يشرك معه غيره؛ إذ لا يشركه في هذه المعاني غيره جل وعلا. فالدنيا والآخرة لمن لله وحده، فكذلك يجب أن تخلص له العبادة والدين له. قال: رب الأولين والآخرين مالك يوم الدين خالق ما تبصرون وما لا تبصرون عالم الغيب والشهادة الذي أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، لم يتخذ من دونه أندادًا كالذين اتخذوا من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله. ولم يشرك بربه أحدًا، ولم يتخذ من دونه وليًا ولا شفيعًا لا ملكًا ولا نبيًا ولا صديقًا. وكل هذه صفات العبد الصادق في عبوديته والمألوه والذي طلب معاني الإله بتحقيق ما طلب منه من معاني المألوهية. وانظروا كيف يستدل بهذه المعاني العظيمة التي تدل على عظمة الرب وواسع ربوبيته: رب الأولين والآخرين مالك يوم الدين خالق ما تبصرون وما لا تبصرون عالم الغيب والشهادة. وفي نسخة: ما يتصورون وما لا يتصورون، والأصح والأفصح الذي قرأ: ما تبصرون وما لا تبصرون، تأكيدًا لمعاني سعة ربوبيته سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: فإن كل من في السماوات والأرض إن كل من في السماوات والأرض ﴿لي آت الرحمن عبدًا لقد أحصاهم وعدهم عدًا وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا﴾، فهنالك اجتباه مولاه واصطفاه وآتاه رشده وهداه لمختلف به من الحق بإذنه، فإنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وانظروا كيف إذا رسخ الإنسان في العلم ووفقه الله سبحانه وتعالى لحفظه فإنه يوفق لقوة الحجة وبديهة الاستدلال، فيجمع الله عز وجل له من المعاني والمباني ما يكون سببًا في قوة حجته. ورحم الله الإمام الشافعي حين قال: ويروى عن غيره: من حفظ الحديث قوية حجته. فحفظ العلم من أعظم أسباب قوة الحجة، فإن الإنسان لا يزال يحفظ العلم حتى يجري على لسانه وقلبه بديهة، فتقوى حجته بالبديهة من دون تكلف، يجد العلم يخرج كما يخرج الهواء، ويتنفسه كما يتنفس الهواء. من ذلك من الرسوخ الذي وفقه الله عز وجل له، ولا شك أن ذلك لا يأتي براحة الجسد، يتعب ويبذل الكثير حتى يأتيه بفضل الله من عظيم عطائه وواسع فضله وكريم منته ما يكون فوق ما بذل. وهذا شيخ الإسلام نراه في مؤلفاته، وهذا قليل من كثير. قال رحمه الله: وذلك أن الناس كانوا بعد آدم وقبل نوح عليهما السلام على التوحيد والإخلاص كما كان عليه آدم أبو البشر عليه السلام، حتى ابتدعوا الشرك وعبادة الأوثان بدعة من تلقاء نفوسهم، لم ينزل الله بها كتابًا ولا أرسل بها رسولًا، بشبهات زينها الشيطان من جهة المقاييس الفاسدة والفلسفة الحائرة. وفي نسخ: الحائدة، والصواب: الحائرة. وهذا كذلك من الاستدلال بالمعلوم على ما لا يعلمه المخالف، فقصة نوح عليه الصلاة والسلام ذكرها كل الأنبياء والرسل قبل النبي عليه الصلاة والسلام، يذكرون أمامهم بأهمية التوحيد والحذر من الشرك وما وقع لقوم نوح وخبر نوح عليه الصلاة والسلام وما كان من أمره وما كان بينه وبين عهد آدم عليهم الصلاة والسلام مذكور في كتب أهل الكتاب. فهو يذكرهم بهذا، وهكذا خبر ابتداع قومه لبدعة الأوثان معلومة عند أهل الكتاب. وقوله رحمه الله: بشبهات زينها الشيطان من جهة المقاييس الفاسدة، سيأتي الإشارة إلى شيء من التفصيل في ذلك؛ لأن هؤلاء وقعوا في الشرك بهذه المقاييس الفاسدة، ومنه فعل النصارى الذي يريد أن يتدرج بالدخول فيه. فكأنه هاهنا يرمي لهم ما سيحتج به عليهم فيما بعد حتى يكون لهذا العلم سابق معرفة وتقرير، فإذا أقروا ووافقوا الشيخ في هذه الفقرات وأن مما أضل الأمم السابقة في الشرك ما كان من الشبهات وتزيين الشياطين واستعمال المقاييس الفاسدة والدخول في أنواع الفلسفة الحائرة، فكذلك احذروا أن تقعوا أنتم كذلك. وسيأتي إن شاء الله التنبيه على هذا. ومعلوم كلام أهل التوحيد من أهل الكتاب في أهل الشرك سواء من الوثنيين كالفلاسفة أو كذلك من بعض أتباع الأنبياء الذين وقعوا في الشرك، فهذان المعنيان من أعظم ما كان سببًا في ضلال بني آدم: المقاييس الفاسدة والفلسفة الحائرة. فإن الفلاسفة لم يزالوا ولا يزال في حيرة، هذا يأتي بالنظرية والثاني ينقضها، وهذا يأتي بالبديهة والثاني ينقضها، وهذا يأتي بالرأي والثاني ينقضه وهكذا لم يزال في حيرة. قال رحمه الله: قوم منهم زعموا أن التماثيل تلاصم الكواكب السماوية والدرجات الفلكية والأرواح العلوية. وقوم اتخذوها على صورة من كان فيهم من الأنبياء والصالحين، وقوم على مذاهب أخرى. ماذا؟ وقوم جعلوها لأجل الأرواح السفلية من الجن والشياطين. نعم، وقوم على مذاهب أخرى. إذن أشار رحمه الله هنا إلى ثلاثة مذاهب وإلى مذهب وإلى أقوام آخرين لم يسم مذاهبهم، وهو يشير كذلك إلى أنواع ضلال الناس في الشرك. ومن ذلك ضلال من ضل باعتقادهم في الكواكب كالصابئة ومن وافقهم من فلاسفة الهند واليونان أرباب الاعتقاد في الكواكب السماوية وأن لها تأثير على الأحوال والحركات الأرضية. وهو يشير هنا إلى شيء منتشر عند النصارى في ذاك الزمان بكثرة، وبه ابتدأ رحمه الله، وهو ما يسمونه بالتماثيل السبعة. فإنهم يستعملونها في طلاسمهم، فإن السحر اشتهر في النصارى في ذاك الزمان، ومن سحرهم استعمالهم للتماثيل السبعة وطلاصم الكواكب السماوية، والمراد بالطلاصم: السحر الذي يستعملونه في تأثير كما يزعمون أحوال تلك الكواكب السيارة الفلكية واختلاف أحوالها ومنازلها وولادتها وأولها وأخيرها وغير ذلك على الأحوال الأرضية. ولهم في هذا عقائد وأمور كثيرة، فهم يزعمون أن لهذه الكواكب السيارة تأثير، فتقرب المحبين وتفرقهم، ويكون بها تحصيل المطلوب ودفع المرهوب. ومنه تفرع ما يسمى بعلم التنجيم، وكان هذا مشتهرًا عند فلاسفة الهند واليونان، ومن حسابهم معرفة الأوفاق والمربعات والنجوم وغير ذلك مما هو مشهور من مصطلحاتهم التي يستعملونها من علم الرياضيات وغيره. فهم يستدلون بهذا كثيرًا ويعملون به الطلاسم، ويعتقدون في تلك الكواكب، فلهذا يعبدون من يظن أنه يجرب لهم الخير ويرهبون فيعبدون عبادة بمعنى آخر في من يخافون منه الشر. ومن أشهر من اشتهر بذلك من فلاسفة اليونان ما ينقل عن البيزنطي اليوناني المسمى بمانويل موسكو بولس، وهو من أسس هذا العلم وله مؤلفات في معرفة هذه التماثيل والطلاسم. وعلى طريقته بعض من أخذ ذلك حتى من ينتسب إلى الإسلام كما ينقل عن صاحب شمس المعارف المسمى بأحمد. قال: وقوم اتخذوها. وقوله: الكواكب السماوية والدرجات الفلكية والأرواح العلوية، يعني أن لتلك تأثير على الأحوال الأرضية، فللكواكب درجات وللأفلاك مدارات. وهم كالسحرة كغير من السحرة يخلطون الكذب الكثير بالصدق اليسير، كما أن مسترق السمع من الشياطين يأتي بالصدق ويخلط معه مئات الكذبات، فكذلك يفعل هؤلاء، يستدلون ببعض ما هو حق على ما معه من كثير باطل، ويزعمون أن لتلك الحركات والدرجات والأحوال الفلكية أرواح علوية تؤثر على هذه الأحوال الأرضية. فمثلًا على سبيل المثال يقولون: انظروا إلى المد والجزر وعلاقته بالقمر وحركة ومنازل القمر فيقول: هذا التأثير كذلك له تأثير على حصول الخير والشر وغير ذلك من الخرافات والعقائد الشركية التي أوقعتهم في أنواع الشرك والضلال. وهكذا قال: قوم اتخذوها على صورة من كان فيهم من الأنبياء والصالحين، مثل ما وقع لقوم نوح، وهكذا كذلك ما وقع بعد ذلك حتى في أهل الكتاب. وقوم جعلوها لأجل الأرواح السفلية من الجن والشياطين، كالسحرة الذين سلكوا مسلك بعض فلاسفة الهند واليونان ومن كان في شرق آسيا ممن يسمى بآسيا الشرقية. فإن أولئك عبدة الأوثان يستعملون الجن والشياطين في ما يزعمون من تحضير الأرواح، الأرواح السفلية وهي كما يزعمون الشريرة تارة وتارة يريدون معاني أخرى من معاني الجن والشياطين: شياطين الجن والإنس التي تحضر مع بني آدم تارة بصورة الحيوانات وتارة في صورة الأشجار. وكلما كثر الشرك وفسدت العقائد كثر تسلط هؤلاء. وذكر شيخ الإسلام في مواضع من كتبه من تلك العجائب الشيء الكثير كيف يتسلط شياطين الجن والإنس على الخلق كلما كثر الشرك، حتى يظهر ذلك عيانًا للناس. وكلما قوي الإيمان والتوحيد فإن ذلك لا يكاد يرى له أثر في أوساط ومجتمعات أهل الإسلام والإيمان والتوحيد. فأولئك الوثنيون انشغلوا بهذه الأرواح حتى وقعوا في أنواع من الشرك. وهنا نحن نرى آثار ذلك في تلك العقائد التي ما زالت باقية إلى يومنا هذا: عقائد البوديين وغيرهم من الوثنيين من أهل الهند، وكذلك الهند الشرقية. وصار مثلهم كذلك بعض أهل فلاسفة اليونان، وتبعهم على ذلك بعض اليهود ومن ضل من أهل الكتاب. قال رحمه الله: وقوم على مذاهب أخرى، يعني لا يتسع المقام لذكرهم، لكن اكتفى بهذه الإشارات الثلاث إلى ما يريد الدخول إليه من التحذير من الشرك وأنواع ضلال الناس في العالم. قال: وأكثرهم لرؤوسهم مقلدون وعلى سبيل الهدى ناكثون، فابتعث الله نبيه نوحًا عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وينهاهم عن عبادة ما سواه، وإن زعموا أنهم يعبدونهم ليقربوهم إلى الله زلفى ويتخذونهم شفعاء. فمكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، فلما أعلمه الله أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن دعا عليهم، فأغرق الله تعالى أهل الأرض بدعوته. وقصة نوح كما تقدم معروفة عند أهل الكتاب، حتى نجد آثارها في تصاويرهم وفي كذلك مؤلفاتهم. وما من إنسان يعرف أهل الكتاب إلا ويعرف أن صغيرهم وكبيرهم وعالمهم وجاهلهم يعرف قصة نوح عليه الصلاة والسلام بالجملة، وإن لم يعرفها بالتفصيل الصحيح. لكن وفق الله أهل الإسلام لأحسن القصص وأصدقه، وكذلك أعد له فكان بذلك الحجة على جميع الناس. وما ذكره رحمه الله معانيه في نصوص الكتاب والسنة كثيرة. قال: وجاءت الرسل بعده تترى إلى أن عم الأرض دين الصابئة والمشركين لما كان النمار دل والفراعنة ملوك الأرض شرقًا وغربًا، فبعث الله تعالى إمام الحنفاء وأساس الملة الخالصة والكلمة الباقية إبراهيم خليل الرحمن. فدع الخلق من الشرك إلى الإخلاص ونهاهم عن عبادة الكواكب والأصنام. وهذا من الدخول في شيء من التفصيل فيما سبق، فهو يتدرج وانتقل الآن إلى ذكر إبراهيم عليه الصلاة والسلام وشيء من دعوته. وهذا كذلك مما يعلمه أهل الكتاب ومنهم النصارى ومما هو مذكور في كتبهم. وقد أشار شيخ الإسلام وغيره في مواضع من كتبه إلى شيء من ذلك: دعوة الأنبياء إلى التوحيد في كتب النصارى، كما في رده على النصارى وغيره من أهل العلم. وما أشار إليه من أخبار النماردة وهم صنف من الصابعة، فالصابعة ثلاثة أصناف، ومن أصناف الصابعة الثلاثة صنف كانوا يعبدون الكواكب وهم الذين كانوا في زمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام. أصناف ولهم ظهور حتى إلى بلاد اليونان، فكانت أمة كبيرة معروفة. وهكذا كذلك الفراعنة، فهو يستدل عليهم بما علموه وما هو مدون في تواريخهم. قال: فدع الخلق من الشرك إلى الإخلاص ونهى مع عبادة الكواكب والأصنام. وقال: ﴿وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين﴾. وقال لقومي: ﴿فرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾. وقال إبراهيم عليه السلام ومن معه لقومهم: ﴿إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدى بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾. وجعل الله الأنبياء والمرسلين من أهل بيته، وجعل لكل منهم خصائص ورفع بعضهم فوق بعض درجات وآت كل منهم من الآيات ما آمن على مثله البشر. وهذا كله معناه مقرر ومتقرر عند النصارى حتى عوام النصارى يعرفون أن إبراهيم إمام الأنبياء ممن دعا إلى التوحيد، وعيسى عليه الصلاة والسلام من ذريته، ويعرف هذا النصارى، وهو دعا بمثل دعوته كما أخبر عن نفسه. وهذا عند النصارى، وكل هذا من الاستدلال عليهم بما يعلمون على ما يأتي مما هم فيه مختلفون. وما ذكره رحمه الله تعالى ها هنا من الآيات فيه تأكيد للقول الراجح من أقوال أهل العلم من جواز كتابة شيء من القرآن للكفار. وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا في كتاباته لملوك الكفر ورؤوسهم، كما في خطابه لهرقل: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء﴾. ولا يعارضه نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الذهاب بالقرآن إلى بلاد الكفر، والمراد به كاملًا أو على الصحيح جزء منه منفردًا، أما في كتاب فيه مصلحة دعوة الكفار إلى هذا الدين كهذا الكتاب فهذا ليس فيه بأس، بل هو مما يحبه الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، ولم يزل أئمة وعلماء الإسلام يفعلونه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: فجعل لموسى العصا حية حتى ابتلعت ما صنعت السحر الفلاسفة من الحبال والعصي، وكان شيئًا كثيرًا، وفلق له البحر حتى صار يابسًا والماء واقفًا حاجزًا بين اثني عشر طريقًا على عدد الأسباط. وأرسل معه القمل والضفادع والدم، وضل عليه وعلى قومه الغمام الأبيض يسير معهم، وأنزل عليهم صبيحة كل يوم المن والسلوى، وإذا عطشوا ضرب موسى بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا قد علم كل ناس مشربهم. وهذا كذلك مما علمه أهل الكتاب وأخبرنا الله عز وجل به في كتابه بأحسن القصص وأروع السياقة وأبلغها وأفصحها. فإذا سمع مثل هذا هؤلاء النصارى مع ما سيأتي من مطالبتهم بالتدبر والتأمل والبحث عن الحق، فسيقولون: ما يكلمنا به نحن عندنا بعض خبره، وهل ما ذكروه حق؟ إذا كان حقًا فلماذا لا يكون غيره مما يدعون إليه حقًا؟ وهذا يدعو إلى تدبر ما دعاه إليه من البحث عن الحق إن كان منصفًا صادقًا كما سيأتي إن شاء الله. وكل هذا كما تقدم معناه فيما أخبرنا الله عز وجل به من قصص بني إسرائيل وقصة موسى عليه الصلاة والسلام مع قومه. قال: وبعث بعده أنبياء من بني إسرائيل منهم من أحيى الله على يده الموتى، ومنهم من شفى الله على يده المرضى، ومنهم من أطلعه على ما شاء من غيبه، ومنهم من سخر له المخلوقات، ومنهم من بعثه بأنواع المعجزات. وهذا مما اتفق عليه جميع أهل الملل، وفي الكتب التي بأيدي اليهود والنصارى والنبوات التي عندهم وأخبار الأنبياء عليهم السلام مثل أشعيا وأرميا ودانيال وحبقوق وداود وسليمان وغيرهم، وكتاب سفر الملوك وغيره من ذلك ما فيه معتبر، وهو المسمى بالعهد القديم. والذي منه سفر الملوك الأول وسفر الملوك الثاني وغيره مما هو مشهور عند النصارى. وهذا يدل على سعة اطلاعه رحمه الله حتى بكتب أهل الكتاب، فقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عجوبة أهل زمانه في حب العلم وقراءته والانتصار للإسلام والسنة وأهلها حتى مع الكافرين بأصنافهم. فقد حرص على دراسة العبرية حتى قيل أنه أتقنها كما أتقن العربية، وكانت العبرية في زمانهم من أشهر لغة الكفار. ولما كان للتركي ما كان لهم في زمانه احتاج أن يدرس التركية فدرس اللغة التركية رحمه الله رحمة واسعة. قالوا: حتى أتقنها، فكان يحسن قراءتها وكتابتها ويقرأ كثيرًا في تواريخهم. فمثل هذا العالم مع سعة اطلاعه وكثرة حبه للعلم ومناظرته فيه كان سببًا في خروج مثل هذا العلم والخير الكثير. فهو يستدل ويدلل على من عنده الدليل ولا يعرف دليله، فيخاطب أهل الكتاب ويخبرهم بما في أيديهم وهم لا يعرفون عنه، كما أخبر عن نفسه في عدد من مناظراته، وكما ذكره في رده على النصارى. يدعوهم إلى أن يأتوا بكتبهم ويخرج لهم ما لم يعلموه ولم يعرفوا في كتبهم رحمه الله رحمة واسعة. وهذا الذي يذكره لهم ها هنا قليل من كثير مما علمه الشيخ ومما سيحتار منه علماء النصارى حين يخبرهم بمثل هذه التفاصيل، وربما بعضهم ما عرفوها وما وقفوا عليها. قال رحمه الله: وهكذا نحن نستفيد أن العالم والداعي إلى الله عليه أن يجتهد في تحصيل العلم، ولكن ليس في مثل هذا على حساب ما هو أهم، فالأصل علوم الكتاب والسنة وعلوم أهل الإسلام، فإذا أتقنها الداعي إلى الله والعالم انتقل إلى غيرها. وليس كحال بعض الناس يحسن هذا الباب ويجهل العلم فيقع في مطبات وزلات عظيمة في العقائد وفي غيرها، مثل من ينشغل بمناظرة النصارى وهو على جهل بعقيدة الإسلام وعلى جهل بنصوص الكتاب والسنة وبعلوم أهل الإسلام. صحيح عنده معرفة بنصوص النصارى ويعرف تناقضهم فيها بعرض بعضها على بعض وعرضه على القرآن، لكن هناك مسائل عقدية لا يعرفها ويجهلها ربما يكون سببًا في وقوعه في ضلال ليس ببعيد عن الضلال الذي يحذر منه. قال رحمه الله تعالى: وكانت بنو إسرائيل أمة قاسية عاصية تارة يعبدون الأصنام والأوثان وتارة يعبدون الله وتارة يقتلون النبيين بغير الحق وتارة يستحلون محارم الله بأدنى الحيل. يعني في أول أمرهم قال: فلعنوا أولًا على لسان داود، وكان من خراب بيت المقدس ما هو معروف عند أهل المِلل كلهم، نقم الله عز وجل وغضب عليهم بما كان من عظيم كفرهم ومعصيتهم وجفائهم مع أنبياء الله ورسله، فتارة يقتلون الأنبياء وتارة يحاربون الله جهارًا نهارًا ويعتدون على محارم الله بأدنى الحيل. فهم عندهم من الجفاء والقسوة ما اقتضى غضب الله عز وجل عليهم حتى أن الله حرم عليهم الكثير مما أحله لهم بسبب تلك الحيل وذلك الاعتداء وتلك القسوة. ولهذا تجد في نصوص أهل الكتاب من اليهود ما كان بهذا المعنى، وما أكثر تحايلهم على حدود الله ومحارم الله. وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بشيء من ذلك، بل ربنا سبحانه كما قال جل وعلا عنهم: ﴿أحل الله البيع وحرم الربا﴾، قالوا: زعموا إنما البيع مثل الربا، فرد الله عز وجل عليهم بأن الله سبحانه أحل البيع وحرم الربا وهم علموا ذلك وأن ليس البيع مثل الربا. فتحايلوا على الربا وسموه بغير اسمه، وكما ذكر رشيد الله وغيره كانوا يسمون الربا المشكند حتى يحللونه ويتحايلون عليه يقولون إنما هو المشكند وليس بالربا الذي حرمه الله فيسمون الشيء بغير اسمه. وكما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بحديث جابر وغيره كيف لما حرم عليهم الشحوم أذابوه ثم جملوه ثم باعوه ثم أكلوا ثمنه. وإن الله إذا حرم شيء حرم ثمنه. قال: ثم بعث الله المسيح ابن مريم رسولًا قد خلت من قبله الرسل، وجعله وأمه آية للناس حيث خلقه من غير أب إظهارًا لكمال قدرته وشمول كلمته حيث قسم النوع الإنساني الأقسام الأربعة. فجعل آدم من غير ذكر ولا أنثى، وهذا كمال عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى، وخلق زوجته حواء من ذكر بلا أنثى، وهذا نوع من تنويع قدرة الله سبحانه وتعالى. قال: وخلق المسيح ابن مريم من أنثى بلا ذكر، وهذا كذلك من التنويع في إظهار كمال قدرة الله عز وجل. قال: وخلق سائرهم من الزوجين الذكر والأنثى، وهذه القسم الرباعية التي تظهر عظيم قدرة الله وكماله سبحانه وتعالى في خلق خلقه، فهو على كل شيء قدير. فكانت القسم الرباعية كاملة تدل على عظيم قدرة الله. قال: وآت عبده المسيح من الآيات البينات ما جرت به سنته. فأحيى الموتى وأبرأ الأكمة كما أخبر قبل ذلك أنه ما بعث الله عز وجل نبيًا ولا رسولًا إلا وبعث معه من الآيات ما على مثله يؤمن البشر، كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمعنى ذلك في أحاديث كثيرة. قال: ودعا إلى الله، قال: وأبرأ الأكمة والأبرص وأنبأ الناس بما يأكلون وما ادخرون في بيوتهم. ودعا إلى الله وإلى عبادته متبعًا سنة إخوانه المرسلين مصدقًا لمن سبقه ومبشرًا بمن يأتي بعده. وهذا كله يعلمه النصارى، وهو ما يزال يتدرج رحمه الله في الدخول إلى المقصود. وفي هذا كما ترون إشارات إلى ما يجب من التوحيد وما دعا إليه عيسى عليه الصلاة والسلام من التوحيد كغيره من الأنبياء والرسل. وهكذا كذلك ما يجب أن يكون في حقه، فهو عبد مخلوق وليس يعبد، وهو كذلك خلقه الله عز وجل بكلمته وليس هو عين الله ولا معنى الله ولا غير ذلك مما يقوله النصارى. ولكنه يتدرج في ذلك، وهكذا مصدقًا لمن سبقه كما سبق مؤكدًا لما سبق، وهو يتدرج بهذا لما سيأتي. وهو قوله: ومبشرًا بمن يأتي بعده، أي النبي الذي تعلمون أنه منتظر، وهو نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. طيب نقف إلى هنا ونكمل إن شاء الله في درس اللاحق، والله تعالى أعلم.