الدرس في كتاب الجهاد 12، 23-باب إزالة الأصنام من حول الكعبة . 24-باب صلح الحديبية في الحديبية . 25-باب غزوة أحد . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الجهاد بإزالة الشرك وتعزيز التوحيد، ويجب كسر الأصنام والأوثان. كان كسر النبي صلى الله عليه وسلم للأصنام حول الكعبة أول عمل قام به عند دخول مكة.
يجب إزالة مظاهر الشرك ووسائله، ولا يجوز تركها في المتاحف أو بيعها للكفار. الجهاد الحق يبدأ بإزالة الشرك حتى لو كانت الأصنام ثمينة أو أثرية.
يشرح المقطع حكمة الله في ابتلاء أهل الحق وأهمية الصبر والاحتساب، ويستشهد بغزوة أحد وما حدث فيها من دروس وعبر.
يتحدث المقطع عن أهمية الصبر على أذى الناس عند الدعوة إلى الله، ويوضح أن الجهاد في الإسلام لإظهار دين الله وليس لأجل القتال.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب إزالة الأصنام من حول الكعبة. قال حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبا، فجعل يطعنها بعود في يده، وجعل يقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. قال: أخرجه البخاري بكتاب المظالم، باب هل تكسر الدنان التي فيها الخمر. قال: باب صلح الحديبية. في الحديبية عندي في الحديبة، وهو الحديبية، فالحديبية اسم موضع معروف ليومنا هذا، وهو الذي يسمى الشميسي. قال: حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: لما صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الحديبية، كتب علي بينهم كتابا، فكتب: محمد رسول الله، فقال المشركون: لا، لا تكتب محمد رسول الله، لو كنت رسولا لم نقاتلك. فقال لي علي: امحه. فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه. رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وصالحهم على أن يدخل هو وأصحابه ثلاثة أيام، ولا يدخلوها إلا بجلاب السلاح. فسألوه: ما جلاب السلاح؟ فقال: القراب بما فيه. قال: أخرجه البخاري في كتاب الصلح، باب كيف يكتب هذا ما صالح فلان بن فلان. قال: حديث سهل بن حنيف، عن أبي وائل قال: كنا بصفين، فقام سهل بن حنيف، فقال: أيها الناس، اتهموا أنفسكم، فإن كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، ولو نرى قتالا لقاتلنا. فجاء عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله، ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: فعلى ما نعطي الدنية في ديننا؟ أنرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: «يا ابن الخطاب، إني رسول الله، ولن يضيعه الله أبدا». فنزلت سورة الفتح، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمر إلى آخرها، فقال عمر: يا رسول الله، أو فتح هو؟ قال: نعم. أخرجه البخاري بكتاب الجزي، باب حدثنا عبدان. قال: باب غزوة أحد. حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أنه سئل عن جرح جرح النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فقال: جرح وجه النبي صلى الله عليه وسلم، كسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة عليها السلام تغسل الدم، وعلي يمسك. فلما رأت أن الدم لا يزيد إلا كثرة، أخذت حصيرا فأحرقته حتى صار رمادا، ثم ألزقته، فاستمسك الدم. قال: أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب لبس البيضة. قال: حديث عبد الله بن مسعود قال: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: «اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون». قال: أخرجه البخاري بكتاب الأنبياء، باب حدثنا أبو اليمان. أورد المؤلف رحمه الله هذه الأبواب وما فيها من أحاديث في سياق ذكره لمسائل كتاب الجهاد. فقوله: باب إزالة الأصنام من حول الكعبة، على قاعدته هذا ما يبوّب به على صحيح مسلم، أي هذا مدخل في حكم إزالة الأصنام من حول الكعبة. وكان هذا عام الفتح، وذلك في رمضان. والحديث الذي أورده حديث عبد الله بن مسعود أخرجه البخاري بهذا اللفظ في الباب المشار إليه. فقال رحمه الله: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود، قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم... ذكر الحديث بلفظه. وقوله: باب في صلح الحديبية، يعني هذا مدخل لمعرفة شيء من أحكام وخبر ما ذكر في صلح الحديبية. وذكر حديث البراء وسهل بن حنيف رضي الله تعالى عنهما. وحديث البراء أخرجه البخاري في الباب المشار إليه. فقال رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا غندر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء، فذكره بلفظه. وحديث سهل بن حنيف أخرجه البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا يزيد بن عبد العزيز، عن أبيه، قال: حدثنا حبيب بن أبي ثابت، قال: حدثني أبو وائل، قال: كنا بصفين... فذكر الحديث. وقوله: باب غزوة أحد، ذكر حديث سهل بن سعد وابن مسعود. فأما حديث سهل بن سعد فقد أخرجه البخاري بالباب المشار إليه، فقال: حدثنا عبد الله بن مسلمة، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: عن أبي حازم، عن أبيه، قال: عن سهل، فذكر الحديث بلفظه. وحديث ابن مسعود أخرجه في الباب المشار إليه، قال: حدثنا عمر بن حفص، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش، قال: حدثني شقيق، قال: عبد الله، فذكر الحديث بلفظه. وفي هذه الأحاديث والأبواب مسائل من أهمها: في الحديث الأول حديث عبد الله بن مسعود، وهو في ذكر شيء مما وقع عام الفتح. وعام الفتح هو العام الذي فتح الله عز وجل به على المسلمين مكة، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فيها. وكان ما كان من دخول من دخل من المسلمين في دين الله عز وجل. ودخول النبي عليه الصلاة والسلام إلى الكعبة وتهديم وكسر الأصنام. وهذا الحديث طرف من شيء كثير وقع في عام الفتح. ومن ذلك هذا الذي ذكر في هذا الحديث. وفي هذا التبويب مسألة دل عليها الحديث، وهي أن من أهم مقاصد الجهاد في سبيل الله إقامة التوحيد وإزالة الشرك بمظاهره. فهذا من أعظم مقاصد التوحيد. فأول ما بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة كسر الأصنام. فمر بالكعبة وحولها ثلاثمائة وستون نصبا. والنصب الأصنام بأنواعها، فتشمل الأوثان وتشمل الأصنام. والفرق بينهما أن هذا ما له صورة، وهذا ما قد يكون كذلك أو لا. والنصب هو كل ما ينصب فيعظم، وقد يعبد من دون الله عز وجل. وهذا هو الواقع، وهذا هو المقصود ها هنا. فهذه أصنام نصبت حول الكعبة تعبد من دون الله جل وعلا ومع الله. وهذا شرك المشركين في مكة. فما بالك ما حول مكة من أصنام أخرى تعبد مع الله سبحانه وتعالى، وبعضها من دون الله. وكله من الشرك. فأزالها النبي صلى الله عليه وسلم بيده. ففي هذا -كما قلنا- أن من أعظم مقاصد الجهاد إقامة التوحيد وإزالة الشرك. فجهاد لا يقيم هذه الأولوية فهو جهاد خالي من أعظم المقاصد، وهو جهاد ناقص. بل الجهاد الحق الذي يقصد به أن تكون كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، هو الذي يعتني أول ما يعتني بالتوحيد. فإذا كان هذا في حق العدو وإزالة الشرك بمظاهره منهم، فمن باب أولى في صفوف المجاهدين ألا يكون في صفوف المجاهدين شيء من الشرك. لأن هذا من أعظم مقاصد التوحيد. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتني بتعليم أصحابه معنى التوحيد وعقيدة التوحيد، حتى رسخت، فخرج مجاهدون موحدون لله عز وجل. وفيه من المسائل كذلك مشروعية تهديم هذه الأصنام والأوثان، ولو كان لها ثمن ولها قيمة. ولهذا بوّب البخاري، فقال: باب هل تكسر الدنان التي فيها الخمر؟ لم يقل: هل يزال الخمر فقط؟ وإنما تكسر دنان الخمر. والضابط في هذا الباب أن يقال: ما كان من مال يبقى به هذا المنكر، وهو مظنة رجوعه، فإنه لا حرمة له، حتى ولو كان شيئا ثمينا. بعض الناس قد يقول: هذه الأصنام ثمينة، وربما بعضها أثرية، بدلا من أن نكسرها ونتلفها، نجعلها في المتاحف، وتكون سببا لزيارة من يزورها، وتجلب على المسلمين أموالا، أو نبيعها لبعض الكفار. الجواب: لا، هذا لا يجوز. ليس مثل هذا يقر في دين الإسلام. دين الإسلام يأمر بإزالة الشرك ووسائله. وبقاء هذه الأصنام من الشرك، فإن لم يكن فهو من وسائله. بقاءها -ولو وهي لا تعبد اليوم- فإنها قد تعبد غدا، وقد يحصل العبادة لها في السر. فتحصل عبادتها في السر. فإن من الناس من يعظم مثل هذه الأصنام، فلا يتجاسر على كسرها. وعدم تجاسره على كسرها هذا نوع من العبادة، نوع من العبادة لأنه خضوع وذل، ولو لم يقع منه عبادة بسجود وركوع وطواف ونحوه. لكن كونه خاف منها، هذا بحد ذاته عبادة. فإذا هدمت وكسرت، إن كسر حبها وتعظيمها من القلوب -الذي هو جزء من العبادة- الذي هو جزء من العبادة. ولهذا فإن الإسلام يأمر بكسرها وهدمها وإزالة كل مظاهرها، فلا يبقى منها شيء، حتى تزول من الواقع، وتزول كذلك من القلوب. وهكذا كذلك ما يكون حافظا للمنكر، مثل دنان الخمر، هي لا تستعمل إلا للخمر. فلهذا تكسر ولا تبقى. لأن بقاءها معناه إعانة لمن يستخدمها للخمر، ولو بعد حين. فلهذا تكسر ولا تبقى. أما إذا كانت أوعية يمكن أن تستعمل في الخير، فإنها تحفظ وتبقى. وعلى هذا يجمع بين الأدلة، كما جاء في حديث أنس وغيره، وابن عمر، أنهم أهراقوا قدور الخمر، أهريقت في سكك المدينة. وهنا تكسر، فكيف جاء في بعض الأحاديث أنهم كسروا، وفي بعضها يعني كبوا وأهراقوا؟ فجمع بينها بأن ما كان مظنة استعمالها في المنكر فهي تكسر، وما ليس كذلك فإنها تحفظ، ويكفي إزالة الخمر الذي فيها. وهكذا كذلك ما كان بمعناه. على هذا التفصيل، فالصليب يكسر، والطنبور يكسر. الطنبور يعني آلات من آلات اللهو والطرب. وقد ذكر البخاري بهذا الباب، قال: باب هل تكسر الدنان التي فيها الخمر، أو تخرق الزقاق؟ فإن كسر صنما أو صليبا أو طنبورا أو ما لا ينتفع به... يعني ما حكمه؟ الجواب: حكمه أنه ليس فيه عوض، ولا ضمان، بل يجب أن يكسر. ثم ذكر أثرا عن أبي شريح في طنبور كسر، فلم يقضي فيه بشيء. والطنبور آلة من آلات اللهو والطرب. فما كان كذلك فلا قيمة له، لا قيمة له. وهكذا كذلك في هذا الحديث ما كان يعلم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه من إقامة التوحيد وإزالة الشرك بيده، كما علمهم بقوله عليه الصلاة والسلام. فكذلك ينبغي أن يكون حملة العلم قدوة بالعمل، كما هم قدوة بالعلم. ورحم الله من قال: حين ترك مجلس العلم، فقالوا له في ذلك: قال: علمناهم العلم، واليوم نعلمهم العمل. واليوم نعلمهم العمل. فكذلك ينبغي أن يكون حملة العلم، كما هم قدوة في التعليم، فهم قدوة كذلك في العمل بالعلم. والحديث الذي بعده في صلح الحديبية حديث عظيم، وهو والذي بعده كذلك فيه مسائل كثيرة وقعت في صلح الحديبية. وصلح الحديبية صلح كان سببه اعتراض المشركين على عمرة النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة في السنة السادسة من الهجرة، حين خرج ببضعة ألف وبضع مئة إلى ألف وأربعمائة إلى ألف وخمسمائة، على اختلاف الروايات. والصواب أنهم كانوا بين هذين العددين. فمن ذكر الألف وأربعمائة قرب، وهكذا من ذكر الألف وخمسمائة. فخرجوا يريدون العمرة، فاعترضهم المشركون ومنعوهم. وكان هذا الصلح على ما ذكر في حديث البراء، وهكذا كذلك في حديث سهل بن حنيف رضي الله تعالى عنهما أرضاهما. وفيه وقعت بيعة الشجرة والرضوان. فأهل الشجرة هم هؤلاء الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على القتال، يعني إن أراد المشركون ذلك. فبايعوه تحت شجرة، فسميت بيعة الشجرة، وسميت بيعة الرضوان؛ لأن الله أنزل فيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. فهي رضوان باعتبار رضى الله عز وجل، وبيعة الشجرة؛ لأن البيعة حصلت تحت الشجرة. وجاء في صحيح مسلم عن أم مبشر الأنصارية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل أحد ممن بايع تحت الشجرة النار». وفي هذا فضل أهل هذه البيعة. وعثمان رضي الله عنه أرضاه من أهل هذه البيعة، وإن كان لم يحضر، لكن أرسله النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من أهل البيعة. لكن أرسله إلى أهل مكة ليفاوضهم في دخول المسلمين للعمرة. وهذا يدل على فضل عثمان، وأنه ليس فقط من أهل البيعة، بل هو من خيرة أهل البيعة، ومن أفضل أهل البيعة. ولهذا أرسله النبي صلى الله عليه وسلم مندوبا عنه وعن المسلمين. وصح أنه أخذ بكف نفسه، وقال: هذه عن عثمان، فشبك بين كفيه. يعني وكفه الأخرى تبايع عن عثمان رضي الله عنه أرضاه. وفي هذا الحديث وما بعده مسائل من أهمها أولا فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرضاهم، وصبرهم في نصرة هذا الدين. فقد بدلوا الغال والرخيص، والقليل والكثير. وهذا قليل من كثير مما وقع لهم رضي الله عنهم أرضاهم. وفيه من المسائل كذلك ما كان عليه المشركون، وهذا حال الكفار في كل زمان ومكان، من الكبر والخيلاء والعناد والمحاربة للحق وأهله. جاء المسلمون وهم لا يريدون الحرب، إنما جاءوا يريدون العمرة. وقد عرف أهل الجزيرة -بل من هم أبعد من ذلك- أن أهل مكة لا يمنعون أحدا يأتي بعمرة وبعبادة لبيت الله الحرام، حتى ولو كان من أعداء أعدائهم. لكن انظروا مع المسلمين اختلف الميزان، واختلت الكفة، وصارت الموازين تختلف، والمعاملة تتغير. هم لا يمنعون أحدا، ولكن لما كان هذا الأحد هم المسلمون، فاختلفت الأنظمة، وتغيرت الموازين. وهذا الذي وقع من المشركين لا يزال يقع من الكفار بكل زمان ومكان. فهم يعاملون الناس بميزان، وأعداءهم من المسلمين بميزان آخر. وبهذا يكون تسلية لكل صاحب حق ألا يقع في نفسه شيء مما قد يبتل به في هذه الحياة. فإن هذه سنة الله مع أهل هذا الدين وأهل الحق. فقد وقع لمن هو خير منك. وانظروا إلى هذا الذي وقع، كيف منع النبي صلى الله عليه وسلم؟ فكذلك أنت يا أيها المسلم، ويا أيها السلفي على وجه الخصوص، قد تجد مضايقات في سفرك، وفي حياتك كذلك، فتصبر وتحتسب، وتعلم أن هذه سنة الله محاربة أهل الكفر وأهل الفساد لأهل الخير. فهذه سنة الله يبتلي بها، ويكون -بإذن الله- بها سبب العزة لأهل الحق. وهكذا كذلك من مسائل هذا الحديث حكمة أهل الإسلام التي ينبغي أن يتحلون بها في درء المفسدة الكبرى بالصغرى. فإن مراعاة المصالح من المفاسد من أعظم الأمور التي أعتني بها في هذا الدين. فإن من تأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وجد فيها الشيء الكثير في هذا الباب. وصلح الحديبية موضع من المواضع التي تجلي وتوضح هذه الحقيقة، وهذا الأصل من أصول هذا الدين. فإن النبي صلى الله عليه وسلم رضي بهذا الصلح على ما فيه مما ظاهره الغضاضة على أهل الإسلام، ولكن لمصلحة أعظم، ولدرء مفسدة أكبر. فكذلك ينبغي للمسلمين في كل زمان ومكان أن يراعوا هذا الباب، أن يراعوا هذا الباب. وانظروا كيف ثقل هذا على خيار الصحابة رضي الله عنهم، حتى راجع عمر رضي الله عنه مرات، حاول مع النبي عليه الصلاة والسلام، ثم مع أبي بكر. فكان ما سمعنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا ابن الخطاب، إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدا». وفي رواية قال: «يا عمر، إني رسول الله، ولست عاصيه». يعني لا تظن أن هذا الذي أفعله فيه معصية، بل أنا أفعل شيئا طاعة لله، وبوحي أمر من الله سبحانه وتعالى. فكان لله الحكمة في ذلك. وكذلك فيه فضل أبي بكر رضي الله عنه، فقد وفق لجواب النبي صلى الله عليه وسلم من دون أن يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم. وبه يظهر فضله وعلمه ورسوخه رضي الله عنه أرضاه. كلهم أهل فضل، ولكن أهل الفضل يتفاوتون. وهكذا كذلك فيه من المسائل جواز ترك الحق لما هو أحق منه، ولما فيه مصلحة أعظم. فالنبي صلى الله عليه وسلم رضي أن يمحو أنه رسول الله، وهو رسول الله، والكل يعلم ذلك. لكن لعلمه عليه الصلاة والسلام أن الصلح قد يتعثر بمثل هذا، فتنازل عن ذلك عليه الصلاة والسلام. والأيام تدور، فوقع ما هو بمعنى ذلك في زمن علي رضي الله عنه، حين حصل ما حصل. فرضي علي رضي الله عنه أن يمحو أنه أمير المؤمنين. فأخذ عليه الخوارج، فقالوا: إذا محى أن يكون أمير المؤمنين، فإذا هو أمير الكافرين. انظر إلى غلظة وغلظة الخوارج. قالوا: إذا لم يكن أمير المؤمنين، فإذا هو أمير الكافرين. هل هكذا توزن الأمور؟ إنما توزن الأمور هكذا عند من لا فقه له، ولا علم. ومن كان عنده من الجفاء ما عنده. وإلا هناك أمر وسط، ممكن أن يكون ترك هذا لمصلحة. لماذا لا يقال هذا؟ ولهذا لما ناظرهم عبد الله بن عباس رضي الله عنه، قال لهم: قد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو أعظم من هذا. فإن المشركين أبوا عليه أن يكتب: محمد رسول الله، فكتب: محمد بن عبد الله. فأيهما أعظم أن يترك علي رضي الله عنه أمير المؤمنين، أم أن يترك النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله؟ فألجم الخوارج وأسكتهم رضي الله عنه أرضاه. ونحن نستفيد كذلك هذا المعنى. فإن الإنسان قد يتنازل عن بعض ما هو حق لدرء مفسدة أكبر، ولتحصيل مصلحة أعظم، خصوصا وهو يعلم أن ذلك لا ينقص من دينه، ولا يضره. ثم فيه كذلك مسألة أخرى من مشروعية تأخير العلم إلى وقته المناسب له. وهذا لا ينافيه جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة. فهذا صحيح، لكن هناك كذلك شيء آخر لا ينافيه، وهو صحيح، وهو أنه يجوز تأخير العلم إلى وقته. ولهذا معان ونظائر. وهذا منه. ومنه حديث معاذ في الصحيحين، لما قال: «أفلا أبشرهم يا رسول الله؟» قال: «لا، إذن يتكلوا». وهكذا كذلك الباب الأخير، باب غزوة أحد. أي هذا مدخل في معرفة شيء مما في غزوة أحد. وغزوة أحد كانت يوم السبت من شهر شوال في السنة الثالثة للهجرة. وفيها وقائع عظيمة، ودروس كذلك بليغة. ولله الحكمة فيما وقع في هذه الغزوة. فقد ابتلي المسلمون فيها ابتلاء عظيما، كان لله حكمة في ذلك. ومن هذه الحكمة أهمية لزوم الطاعة. فإن عدم لزوم الطاعة من أعظم أسباب الابتلاء. وكذلك مما يؤخذ من غزوة أحد في هذا الحديث الذي ورد، أنه قد يبتلى أهل الفضل وأهل الحق وخيار الناس بسبب ذنوب ومخالفة البعض الآخر. فهذا النبي عليه الصلاة والسلام هو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه. وهي ما يوضع على الرأس مما يحتم به المقاتل من ضرب السيوف وغيره. وهذا بسبب مخالفة ما فعل الرماة حين لم يسمعوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم الجبل، فنزلوا. فكان ما كان من غدر المشركين، وإتيان المسلمين من الخلف، فوقع ما ابتلي به أهل الإسلام في ذلك. وفي هذه الأحاديث من المسائل كذلك ما بدله المسلمون، وعلى رأسهم نبينا عليه أفضل الصلاة والتسليم، في نصرة هذا الدين. فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام ابتلي بما ابتلي به في نصرة هذا الدين. وفيه كذلك الأخذ بالأسباب في النصر. فالنصر يحتاج إلى أسباب حسية ومعنوية، علمية وعملية، يكون بها النصر. فليس التوكل يكون من دون عمل. فأمام المتوكلين نبينا عليه الصلاة والسلام، طلب النصر بأسبابه. ومن أسبابه مقاتلة المشركين، والتضحية في ذلك، حتى أصيب بما أصيب به عليه الصلاة والسلام، حتى ظن المشركون أنهم قد قتلوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فانتشر ذلك في أوساط المسلمين، فوقع ما وقع. فأنزل الله عز وجل في ذلك قرآن يتلى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ الآيات العظيمة التي فيها عبر وعظة ودروس للمسلمين. وهكذا كذلك من مسائل هذا الحديث فيه جواز خروج النساء في الغزو عند الحاجة والضرورة. وفيه كذلك من المسائل شيء من الطب النبوي، كما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله. فإن مما يوقف ويسد به اندفاع الدم الشيء المحروق من الحصير، وما كان بمعناه، يعني الرماد. فإنه من الطب النبوي الذي يستخدم في حقن الدم. وفيه من المسائل كذلك ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرضاهم من البذل، وكذلك التضحية. وفيه من المسائل ما جاء في حديث ابن مسعود من حكاية النبي صلى الله عليه وسلم نبيا من الأنبياء، وصبره على قومه. ومعنى تعليم لهذه الأمة أن يصبروا على أذى من يدعونهم. فإن ذلك مما يكون -بإذن الله- له العاقبة الحسنة. ففي حديث ابن مسعود: «كأني أنظر إلى نبي من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون». وهكذا ينبغي أن يكون الداعي إلى الله مقتدياً بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، يصبرون على أذى أممهم. فكما قيل: يكون الداعي إلى الله كالشجرة ترمى بالحجارة، وترميهم بالثمار. وهذا لا يعني أن المسلم يرضى لنفسه ولمن معه من المسلمين بالضرر. لكن يدفع هذا الضرر بالأخف ثم الأشد. وفي هذا كذلك تنبيه أن الجهاد في دين الإسلام ليس لأجل القتال، ليس لأجل قتل الكفار، ولكنه لأجل إظهار دين الله. فإذا لم يظهر الدين إلا بالقتال، فإنه يتم ويتحقق هذا القتال. وها هنا يعني كما يقال: طرفان ووسط. فإن من الناس من ظن أن الإسلام ليس فيه قتال طلب، وأنه فقط قتال دفع. وهذا ليس بالصحيح. فالإسلام فيه قتال طلب، وفيه قتال دفع. ومن الناس من ظن أن الإسلام فيه قتال الطلب والدفع، وأن قتال الطلب هو لأجل القتال، وإذلال الكفار، وغير ذلك مما يظن أن الغرض منه هو معاقبة الكفار. وليس هذا بصواب. فإن الإسلام لم يأت لذلك، وإنما أتى ليدعو الناس إلى دين الله، ولتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى. فلذلك لا يلزم الكفار بدين الإسلام، كما قال سبحانه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِينِ﴾. ولكن إن كانوا سيكونون حجر عثرة أمام الحق، وأمام إرادة الناس الخير، فإذن عند ذلك يقاتلون، ويدفع شرهم كما قلنا بالأخف ثم الأشد. فإن لم يندفع إلا بالأشد فليكن. ثم يخيرون بعد ذلك إحدى ثلاث: إن أبوا، إن وافقوا على الجزية فالجزية، وإلا فالقتال، أو الدخول في الإسلام، أو الدخول في الإسلام. فعلم بهذا ومن هذا الحديث يتأكد هذا المعنى. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول -وهو يقول-: «اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون». ولا أدل على ذلك ما وقع في عام الفتح. فهم الذين فعلوا بالمسلمين ما فعلوا في يوم أحد، وقبل ذلك. ومع ذلك لما مكنه الله منهم، قال: «ما ظنكم أني فاعل بكم؟» قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم. فعفا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم. وكما جاء في الحديث الذي لم يصح سنده، ولكن معناه صحيح: أنه قال: «اذهبوا، أنتم الطلقاء». فهذا يدل على هذا المعنى الذي هو حقيقة هذا الباب، وهو مجاهدة الكفار. فمجاهدة الكفار تكون بالأخف ثم الأشد. حديث ابن مسعود في قول النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، ويمسح الدم عن وجهه، ويقول: «اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون». ها هنا إشكال في قوله: «اللهم اغفر لقومي»، وظاهره أنهم كفار، ولم يتابعوا النبي، فكيف يقول: «اللهم اغفر لقومي»؟ والجواب على هذا من أوجه، كما أجاب العلماء. فقد ذكروا أوجهاً في الجواب على هذا الذي ظاهره الإشكال. أول هذه الأجوبة أن هذا في حق أمم من الأمم السابقة، التي ربما كان الحكم عندها ليس كالحكم عندنا. وشريعة من قبلنا شريعة لنا، إن لم تخالف شرعنا. والوجه الثاني أنه ربما كان كذلك قبل نسخ هذا الحكم، كما كان في شريعتنا. ففي شريعتنا نهي النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل النهي لم يكن هناك حكم. كما قال الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾. فقبل هذه الآية ما كان هناك نهي في الاستغفار للمشركين. ووجه ثالث، وهو أن يقال: أن هذا محمول على معنى المسامحة في حق نفسه، وبالنسبة لحق الله، وما يتعلق بالدين. فيكون معنى طلب المغفرة، وطلب الهداية. فكأنه يقول: غفرت لهم ما وقع منهم علي، وأسألك يا رب أن تهديهم. فيكون طلب المغفرة المراد منها طلب الهداية. ويشبه هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه ملك الجبال، واستأذنه أن يطبق عليهم الأخشبين، فقال: «لا، إني أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله، لا يشرك به شيئا». إذا كان عندي تلفاز، فعندما تبين لي أنه لا يجوز، فماذا أفعل به؟ إن استطعت من دون مفسدة أن تستخدمه في شيء آخر نافع، مثل أن تحوله عند أحد أهل الاختصاص إلى شاشة حاسوب، ففعل. فإن خشيت المفسدة في بقائه أن يرجع كما كان، فكسره، وانتهى من شره. وقليل من يبدله في طلب السلامة والعافية لك ولأسرتك. وبعض أهل العلم يرى أنه يجوز أن يباع لكافر، يجوز أن يباع لكافر. لكن -والله أعلم- هذا فيه معاناة على الإثم والعدوان، فلا ينبغي. لكن إذا كان لا مجال، فهنا نقول: فتوى أمثال هؤلاء العلماء تحمل على أنه من باب تخفيف الشر، فتدرأ المفسدة الكبرى بالصغرى. أنت لست بأب في البيت، لكن ابنك يسمع لك، وتعرف لو قلت للوالدين: أكسروه، ما قبلوا منك، وبقي في البيت. لكن لو قلت: بيعوه، خرج. فإذن أي القولين أفضل؟ بيعوه، خلص. البيع أفضل من البقاء، ما دام أنه لا يمكن أن يكسر، ولن يتنازل عن ذلك. إذن يخرج بالبيع. ونسأل الله عز وجل السلامة لجميع المسلمين. والله أعلم. نعم، المال هو يتورع عنه، يتورع. فإذا استطاع أن ينصحهم، مثلا أن يبدله في أي باب على وجه التخلص، طيب. وإن أصروا، وهذا الغالب على العوام، فهو يتورع منه، ويترك لهم. والدين... نعم.