الدرس في شرح مختصر السيرة 92، الدرس الثاني والتسعون:من( فصل:في غزوة تبوك ... تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً أن لا يجدوا ما ينفقون ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
غزوة تبوك كانت في وقت صعب للناس، حيث كانت الثمار ناضجة، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أعلن عنها لشدتها وبعد المسافة. يظهر المقطع أهمية حسن السياسة الشرعية في قيادة الناس.
حاول المنافقون التنفير من الخروج للغزو مع النبي، مستغلين صعوبة السفر وخوفهم من العدو، ونزلت آيات قرآنية في هذا السياق. يُظهر المقطع حكمة النبي في التعامل مع هذه المواقف.
يبرز المقطع إنفاق عثمان رضي الله عنه في سبيل الله، ويشير إلى مواقفه الكريمة في تجهيز جيش العسرة وشراء بئر روما، ويرد على الاتهامات الموجهة إليه بشأن إنفاق مال المسلمين.
يصف المقطع كيف أن أهل الإيمان يحزنون لعدم وجود ما ينفقونه في سبيل الله، مع أن النبي حث على الصدقة ومساعدة الناس لبعضهم البعض. يُشدد على أن عدم قدرتهم ليس لعدم رغبتهم بل لقلة الموارد.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم»: قال فصل في غزوة تبوك. قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: كانت في زمان عسرة من الناس، وجذب من البلاد، حين طابت الثمار، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم. وكان صلى الله عليه وسلم قل ما يخرج من غزوة إلا ورى بغيرها، إلا ما كان منها، فإنه جلاها للناس لبعد الشقة وشدة الزمان، وهذا معناه جاء في الصحيحين من حديث كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه. وجاء عن غيره قصة كعب بن مالك في قصة الثلاثة، وكان منهم رضي الله عنهم الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها تفاصيل كثيرة فيما يتعلق بغزوة تبوك. وجاءت كذلك مراسيل كثيرة، وكذلك أسانيد بعضها فيها جهالة وانقطاع، ذكرها ابن إسحاق وغيره، فيها بعض ما سيأتي في هذا الفصل. قال: فقال ذات يوم... وفيه كذلك ما ينبغي أن يكون عليه الراعي بالرعاية الكبرى أو الصغرى من حسن السياسة الشرعية في تسييس الناس. فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوري، يعني إذا خرج للغزوات يوري؛ لأن هذا هو الأصلح، ولكن لما كان الذهاب لتبوك فيه مشقة شديدة وعناء شديد، لم يوري؛ لأجل أن يستعد الناس استعدادا صحيحا، ولا يغتر أحد، ولا يتضرر أحد. وفي هذا كذلك إعمال اتباع أعلى المصلحتين ودفع أفسد المفسدتين. فإن انكشاف خروج النبي عليه الصلاة والسلام فيه مفسدة، لكن ليس مفسدته مثل مفسدة ما يضر المسلمين بعدم تهيئتهم للخروج. وفيه كذلك تقديم المصلحة الظاهرة على المضنونة؛ تقديم المصلحة الظاهرة على المضنونة، لأن علم العدو بخروج النبي عليه الصلاة والسلام مضنون، وتيقن تضرر الصحابة بخروجهم إلى غزو في سفر بعيد وشاق وطويل، وفي زمن حار، هذا متيقن حصول الضرر فيه، فلهذا أخبرهم وأعلمهم النبي عليه الصلاة والسلام بمكان خروجه، وهذا من الحكمة والخنكة وحسن السياسة الشرعية. قال رحمه الله: فقال ذات يوم، وهو في جهازه للجد بن قيس -يعني وهو يتجهز- والجد بن القيس أحد من ذكر في المنافقين، قال: هل لك في جلاد بن الأصفر؟ فقال: يا رسول الله، أوتأذن لي ولا تفتني؟ فقد عرف قومي أنه ما من رجل أشد عجبا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بن الأصفر -يعني الروم- ألا أصبر. وسمي الروم كذلك لصفرة جلودهم. فقال: قد أذنت لك. ففيه نزلت: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي﴾. وقد روي هذا، رواه البيهقي وغيره بإسناد فيه رجل لم يوثقه إلا ابن حبان، لكن له شواهد حسنها به العلامة الألباني رحمه الله في «الصحيحة» حديث 1988، وضعفه في «فقه السيرة». ولا تناقض في ذلك؛ فتضعيفه له باعتبار سنده، وتصحيحه له باعتبار جمع طرقه، وهذا هو الحديث الحسن لغيره كما تقدم معنا. ومعناه: أن بعض المنافقين لما رأوا شدة السفر وخافوا من قوة العدو، وهم بن الأصفر أي الروم، فإنهم مشهورون بالقوة، فكانوا -والفرس- من أقوى أهل الأرض في ذاك الزمان، فخافوا حتى قال الجد بن قيس -كما ذكر ابن إسحاق وغيره- لجبار بن صخر ومن معه من بني سلمة: إنكم ستأتون على قوم جلاد، وليس جلاد بن الأصفر كجلاد غيرهم من سائر العرب. وقالوا ما قالوا يريدون بذلك التنفير من الخروج مع النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحر. فنزل: ﴿وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِ﴾ الآيات، يعني في ذكر ما قاله المنافقون. وهذا كذلك ذكره البيهقي في «سننه» و«الدلائل»، وهكذا السيوطي في «الدر المنثور»، وهو يدل أن له أصلا، وإن كان لم يرو بإسناد صحيح، لكن يحتمل التحسين. قال: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حض أهل الغنى على النفقة، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا. وأنفق عثمان ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأكتابها وعدتها، وألفد نار عينا. وهذا يدل أن عثمان رضي الله عنه كان كثير الصدقة من زمن النبي صلى الله عليه وسلم رحمه الله ورضي الله عنه. فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام فيمن يشتري بئر روما، فاشتراها عثمان. ومن جهز جيش العسرة فجهزه عثمان رضي الله عنه من أصل ماله. فكيف يتهم بعد ذلك بأنه أنفق مال المسلمين في العطاء للناس؟ وهو إن فعل ذلك فقد وضعه بحقه وباجتهاده، رضي الله عنه. وكيف وقد ذكر غير واحد -كما ثبت بالأسانيد الصحيحة الكثيرة- أنه كان يفعل ذلك من أصل ماله، لا من بيت مال المسلمين. وليس هذا بغريب على مثل عثمان رضي الله عنه أرضاه. ولكن الكثير من الناس لا يعلمون. والعجب أن يردد هذا ويقوله بعض من ينتسب إلى الإسلام النصرة له، كبعض أهل الجماعات الحزبية المعاصرة، وتجد ذلك بكتابات سيد قطب ومن على طريقته يطعنون في أمانة عثمان رضي الله عنه أرضاه، مع أنه عليه الصلاة والسلام أثنى على عثمان رضي الله عنه في أمانته، وفي تصدقه ومسابقته في هذا الباب، وهذا من ذاك الكثير. قال: وجاء البكاؤون، وهم سبعة، يستحملون رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني يطلبون أن يحملهم- وبكاؤون يعني بكوا، واشتد بكاؤهم لعدم استطاعتهم الخروج مع النبي عليه الصلاة والسلام. وأصل هذا جاء في صحيح البخاري من حديث جابر بن عبد الله في قصة البراء وعمر رضي الله تعالى عنهما، وفيه هذا المعنى. وجاء عند أبي داود وابن ماجة بإسناد صحيح معناه عن العرباض بن سارية، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كذلك. قال رحمه الله: فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون. وفيه الفرق بين مواقف أهل الإيمان ومواقف أهل النفاق؛ أهل النفاق عندهم الأموال الكثيرة، ومع ذلك يتلكؤون ويتهربون. وأهل الإيمان ليس عندهم ما يخرجون به، ومع ذلك يحزنون ويبكون ويتألمون أن لا يجدوا ما ينفقون؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام حث على الصدقة وعلى أن يحمل الناس بعضهم بعضا، ومن لم يحمله أحد لا يؤذن له بالخروج؛ لأنه لا يستطيع الخروج. وليس حالهم كحال الناس اليوم، لا يستطيع يعني لا يستطيع؛ لأن طعامهم قليل، ومركوبهم قليل، والسفر طويل، وفي شدة حر. طيب نكتب بهذا ونترك الباقي إلى درس اللاحق، والله تعالى أعلم.