بواعث الخلاص من الذنوب 5

بواعث الخلاص من الذنوب 5

الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقاومة الشهوات والشيطان

يتحدث الإمام ابن القيم عن أهمية مقاومة الشهوات والشيطان، موضحًا أن الظفر بهما له حلاوة ومسرة. الجهاد ضد النفس والشيطان له عاقبة حميدة.

العوض الإلهي لمن ترك المحارم

يشرح المقطع مفهوم 'مشهد العوض' الذي يعد من ترك المحارم لله تعالى بعوض حسن في الدنيا والآخرة، مستشهدًا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. هذا العوض يأتي نتيجة مقاومة الشيطان وعدم الانصياع لوساوسه.

طاعة الله والبركة في الحياة

الخطاب يدور حول أهمية طاعة الله عز وجل في جلب البركة والعوض الحقيقي في الحياة. القوة الحقيقية والمعرفة الحقة تأتيان من نور الإيمان وطاعة الله.

ختام الحديث عن البركة والعوض

المقطع يشير إلى أن ما سبق ذكره يعد من أسباب البركة وحسن العوض، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. هذا الختام يؤكد على أهمية الدعاء والصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: المشهد السادس: مشهد القهر والظفر، فإن قهر الشهوة والظفر بالشيطان له حلاوة ومسرة وفرحة عند من ذاق ذلك، أعظم من الظفر بعدوك من الآدميين، وأحلى موقعًا، وأتم فرحة. وأما عاقبته فأحمد عاقبة، وهو كعاقبة شرب الدواء النافع الذي أزال داء الجسد وأعاده إلى صحته واعتداله. هذا موضع آخر من مشاهد السائرين إلى الله والطالبين أبواب الرضوان، والفوز بطيب جِنانِه، والنجاة من نقص الدين وعصيانه. ومعناه: أنه كما يتذكر أثر المعصية، يتذكر كذلك عظيم أثرها إذا هو فاز بالنجاة من تلك المعصية، ونفسه الأمارة بالسوء، وشهوته المهلكة. ولهذا ذكر هذا المشهد بعد المشهد الخامس؛ لما كان المشهد الخامس في الكلام على ما يفوت من آثار المعاصي، فكان المشهد السادس بعده، وهو ما يحصل بتفويت ما يريده الشيطان بإيقاعه في المعاصي. فإن الإنسان إذا جاهد نفسه وصابر على طاعة ربه، أعطاه الله عز وجل الخير العاجل والآجل، والجزاء من جنس العمل. فإن الإنسان إذا لم يزل بلسانه وبقلبه وبجوارحه ذاكرًا لله عز وجل، أذاقه الله لذة هذا الذكر وحلاوة هذا الإيمان، ونعيم هذا الجهاد. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾. الجهاد في ذات الله أنواع: منه الجهاد بالسيف والسنان، ومنه الجهاد بالحجة والبرهان، ومنه الجهاد بالذكر والإيمان، أن يذكر ربه بلسان الحال ولسان المقال، بقلبه وجوارحه، حتى لا يكون من الغافلين. ومن باب أولى أن لا يسترق الشيطان منه شيئًا، ليس فقط أن يكون من الغافلين، ولكن أن يوقعه فيكون من الخاطئين. ولا يعني ذلك أن يسلم الإنسان من نزغات الشيطان؛ فكل إنسان له قرين لا يزال به امتحانًا من الله سبحانه وتعالى وابتلاء. وهذا الامتحان والابتلاء سبب لعلو الدرجات، وتكفير السيئات، وتحقيق الإيمان برب الأرض والسماوات. إذا لم يكن هناك مرض، ما عرف الناس قدر نعمة الصحة. وإذا لم يكن هناك رفقاء سوء، ما عرف الناس قدر رفقاء الخير. وإذا لم يكن هناك كفر وشرك ونفاق ومعاصي، ما عرف الناس قدر الإيمان والتوحيد، وكذلك الطاعة ولذات هذه الأعمال الصالحة. وكذلك وجود القرين الأمار بالسوء يعرف الإنسان بعظيم نعمة الله عز وجل عليه بالإيمان والطاعة. فإذا وسوس له الشيطان وذكر الله، إن خنس هذا الشيطان. ولهذا أمر الإنسان بذكر الله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾. وهذا الموسوس قد يكون إنسيًا، وقد يكون جنيًا من الجنة والناس. ومن الجن القرين الذي يصاحب الإنسان، فلا يزال يوسوس به، ولكن إذا جاءت هذه الوسوسة ذكر الله فعظم الله عز وجل. كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾. تذكروا ذكر أنفسهم بالله عز وجل، حتى الأنبياء والرسل يأتيهم الشيطان. فهذا يوسف عليه الصلاة والسلام أراد الشيطان أن يغويه، ولكنه ذكر ربه فأنجاه الله، فكان من المتقين المحسنين عليه الصلاة والسلام. فأبدله الله عز وجل بالظفر الذي هو هذا المشهد، فبدلًا من أن يكون من جند إبليس، صار ماذا؟ صار من عباد الله وجنده المتقين المحسنين. أثنى الله عز وجل عليه، وأشاد بذكره وذكره بسورة بإسمه، وصار مثلًا يحتذى به في غلبة الإنسان للشيطان. فلولا هذه الحادثة وهذا الذي أراده الشيطان، ما استفدنا هذا المثل، ولا وقع لنا مثل هذه العبرة. فالشيطان يأتي فيوسوس ويأتي ويزين، ولكن ينبغي للمسلم المؤمن الصابر المتقي المحسن أن يكون مراقبًا لله، ذاكرًا لمولاه، بما يدعوه أن يقهر النفس الأمارة بالسوء، أن يقهرها ويظفر بالنجاة من الشيطان. وعند ذلك سيجد هذه الحلاوة. وليحذر من الغفلة والتغافل والتساهل والاسترسال في خطوات الشيطان، ولو كان مرة؛ لأن الشيطان قد يزين لك بالمرة الأولى، فيقول: تذنب ثم تتوب، ولا تدري أنك إذا أطعته في الأولى، ضعف أن تعصيه في الثانية. إذا أطعته في الأولى، ضعف أن تعصيه في الثانية. مثل الإنسان الذي يهين كرامته، إنسان معروف بالعفة والكرامة، فجاء إنسان يستميله برشوة، فإذا رضي لنفسه أن يهين كرامته ولو مرة، فإنه قد دنس نفسه، وكسر الحاجز الذي بينه وبين حفظ كرامته. فعند ذلك سيكون مزدنسًا وجنديًا من جنود إبليس. بين المرأة العفيفة الشريفة والمرأة الساقطة الرذيلة موقف واحد، لو استجابت وضعفت في موقف واحد، زالت عفتها وزال شرفها، حتى لو تابت، توبتها تكون نظيفة، لا ليست نظيفة، مثل الزجاج المكسور. فإذن ينبغي للإنسان أن يصبر ويصابر ويجتهد ويجاهد أن لا يغلبه الشيطان، ولو في مرة. وأعظم ذلك في أوقات الخلوات، وكذلك أماكن السر؛ فإنه مدعاة أن يوقعه فيما هو أكبر منه. ولهذا جاء في حديث ثوبان المشهور: «لا أعلمن أقوامًا من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها ربهم هباءً منثورًا». قالوا: يا رسول الله، صفهم لنا، جلهم لنا، لا نكون منهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها». هذا الانتهاك الواحد يجعلهم في انتهاك دائم، فلا يستصغرك الشيطان ويذلك ويكسر كرامتك وعفتك وطاعتك وإيمانك بربك، ولو في مرة واحدة. فإذا جاءك في وقت الخلوات وقال لك: أذنب هذا الذنب، وبعده تتوب وتصلح ما بينك وبين الله، اعلم أنه يريد أن يكسر الحاجز الذي بينك وبين ربك وخالقك ومولاك. فصبرك وقهرك لشهوتك وظفرك برضى ربك، هذا الذي يعينك على الفوز. أما إذا أطعت الشيطان في هذه المرة، فاعلم أنك ستكون أسيرًا لهذا الشيطان، وذليلًا يذلك كل يوم بهذه المعصية، كلما أردت أن تخرج منها أعادك فيها مرة أخرى، ويعيدك بمرارة هذه المعصية وذلها. وجعل الذل والصغار على من خالف أمري. قل: إنسان وقع في ذنب في الخلوات، أن يستطيع أن يقلع منه؟ قل: أن يستطيع أن يقلع منه؟ ولكن مما يعينه أن لا يجعل لنفسه خلوة مع الشيطان. الإنسان إذا عرف من نفسه الضعف، فالسلامة ماذا؟ أن لا يجعل لنفسه خلوة مع الشيطان أبدًا. لا ترضى لنفسك بخلوة. مثل الإنسان الذي ضعف في أمانة المال، فندم ندمًا شديدًا، هل يصلح له أن يخلو مرة أخرى بالمال؟ الجواب: لا. ولذلك ذكر العلماء أن الذنوب تعالج بجنسها. فمن ابتلي مثلًا بذنب مع المردان، يمنع منعًا باتًا أن تكون له خلوة مع أمرد أو معاملة مع أمرد؛ لأنه قد فشل في الامتحان، فلا ينبغي أن يعرض نفسه مرة أخرى للسقوط في الامتحان. فإذا فشل الإنسان في باب المال، لا يرضى لنفسه أن يمسك مالًا مرة أخرى. فشل في باب المردان، لا يرضى لنفسه أن يقرب من أمرد مرة أخرى. فشل في باب الخلوة، لا يرضى لنفسه أن يترك لنفسه خلوة مع الشيطان أبدًا؛ لأنه جرب نفسه أنه ضعيف. إنسان لا يحسن الشيء، فينبغي عليه أن يعترف بضعفه وتقصيره، وأنه لا يصلح لهذا المقام. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يفرق من بعض أصحابه، فضلًا عن غيرهم، فيصيهم أن لا يتولوا بعض الأمانات وبعض المسؤوليات. فيقول: «يا فلان، إنك امرؤ ضعيف». وصفه بوصف حقيقي، فنهاه أن يتولى شيء من المسؤوليات والأمانات، خشية أن لا يؤدي هذه الأمانة. وكذلك ينبغي أن يعالج الإنسان نفسه بالضد. وهذا هو قوله رحمه الله تعالى في مشهد القهر والظفر. فإن الشيطان يفر إذا لم تعطه الفرصة. وأما إذا أعطيته الفرصة، فإنك ستكون ضحية له، وتكون لقمة سائغة له. قال رحمه الله تعالى: السابع: مشهد العوض، وهو ما وعد الله سبحانه به من تعويض من ترك المحارم لأجله، ونهى نفسه عن هواها. ليوازن بين العوض والمعوض، فأيهما كان أولى بالإيثار اختاره وارتضاه لنفسه. وهذا تبع للذي قبله. فإن الإنسان إذا ظفر بغلبته لشهوته ومعصيته لشيطانه، وطاعته لربه وخالقه، فليبشر بالمشهد الذي بعده، وهو العوض الذي جعله الله عز وجل لمن فاز في هذا الامتحان. يتأمل الآيات الكثيرة والأحاديث العديدة التي تبشر بالعوض الحسن في الدنيا وفي الآخرة لمن فاز بغلبته لشهوة نفسه والشيطان وما يدعو إليه. وقد مرت معنا أدلة كثيرة، عامة وخاصة. من العام: قول الله عز وجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. والعكس بالعكس: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. قال: ربي لما حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا؟ قال: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾. وكذلك الأدل الخاصة: «من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، ومن احتسب شيئًا لله أعطاه الله أعظم منه». ففي السراء تشكر فتجد الخير، وفي الضراء تصبر فتجد الخير. ولهذا أمر الإنسان عند البلاء أن يقول بالدعاء المأثور: «اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها». ما قالها إنسان مستيقنًا بها إلا وأخلف الله له بالخير منها. الشيطان في هذا الموضع يأمره بماذا؟ بالحسرة وبذلك الحزن والأسف والتسخط، باللسان أو بالقلب أو بالجوارح. فإذا حصل الرضا وعلم أن ما يختاره الله له خير مما يختاره لنفسه، عوضه الله خيرًا منه. وهذا هو مشهد العوض. «اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها». وهكذا كذلك في الذنوب والمعاصي: ما استطعت الزواج، لا تقتصر على الصوم؛ فإنه لك كذا. وأنت مصاب بمصيبة تريد الزواج، ما تستطيع؟ ادع بهذا الدعاء: «اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها». فيأجرك الله عز وجل ويخلف لك بالخير. فما تدري إلا وسهل الله عز وجل لك الزواج، ويسر الله عز وجل لك ما ترجو. أو أبدلك الله بالخير بحلاوة العلم والإيمان والطاعة والقرآن، بما يجعلك تنشغل بطاعة الله وذكره عن ما يريده الشيطان من معصية ربك وخالقك سبحانه وتعالى. إذا استرسلت واستدركك الشيطان ووقعت في العادة السرية أو وقعت في شيء من الذنوب وعلقت قلبك بالصور المحرمة، ماذا استفدت؟ أهنت نفسك وأذلتها ووقعت في الخزي والبعد عن الله عز وجل في الدنيا وفي الآخرة. فتلاحظ دائمًا بقلبك وبلسانك وبجوارحك عوض وعظيم ما يعطيك الله عز وجل إن أنت صبرت وصابرت وجاهدت واجتهدت. فستجد بإذن الله العاقبة الحسنة والجزاء من جنس العمل. ولهذا: من شرب الخمر في الدنيا، ماذا؟ لم يشربها في الآخرة. ومن تعرى بالزنا عن الحياء والعفة في الدنيا، عري في الآخرة؛ بأن كان في تنور الزنا يوم القيامة. والجزاء من جنس العمل. وهكذا: من حفظ الله بلسانه وبجوارحه، حفظ الله له جوارحه. قيل لرجل في التسعين: وثب وثبة لم يثبها من كان معه من الشبان. فقالوا له: كيف وثبت هذه الوثبة؟ قال: جسد اتقينا الله فيه في شبابنا، فحفظه الله لنا في هرمنا. يعني: حفظ هذا الجسد بالطاعة في الشباب، فحفظه الله له ماذا؟ في الكبر. فتجد إنسانًا مباركًا في جسده، في أولاده، في ماله. هذا العوض جاء من أين؟ جاء من الطيب الذي حرص عليه. إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا. والله عز وجل يربي الصدقات الحسية والمعنوية كما يربي أحدكم فلوة. الفلوة: صغير الخيل، كيف هو من أحب الأموال عند العرب؟ عند الناس. الصغير الخيل يعتني به صاحبه اعتناء خاص. فكذلك -من باب التقريب للمعنى- أن ما يتصدق به الإنسان ويجعل لله من الأمور الحسية صدقات، أو الأمور المعنوية طاعات، فالله عز وجل يحفظها لك، ويربيها لك، ويقويها لك. فإذا أردت أن تحفظ بصرك، احفظه بطاعة الله. وبإذن الله لن يأخذ الله عليك بصرك، وستبقى مبصرًا بنظر حاد ثاقب قوي، تبصر حسًا ومعنى. كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. المتوسمون: هم أهل الفراسة الذين وصلوا للنظر بالبصر والبصيرة، بطاعة الله سبحانه وتعالى، بنور الله عز وجل. صاروا يرون الأشياء وهي بعيدة، يتفرسون في الناس، يميزون بين الصادق من الكاذب، والصالح من الطالح. يميزون الفتن قبل أن تقبل. هذه ماذا؟ سنة الله في الأنبياء وأتباع الأنبياء من العلماء، بماذا؟ بطاعة من الله؛ لأن العلماء أخشى الناس لله بعد الأنبياء. ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. فبنور الخشية أعطاهم الله عز وجل نور العلم ونور البصيرة ونور المعرفة ونور الفهم ونور كذلك الصواب. ولهذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية -كما يذكر عنه تلميذ الإمام ابن القيم- إذا أشكلت عليه مسألة، قعد يستغفر الله، ربما من الظهر إلى العصر، حتى يلهمه الله عز وجل الجواب والفهم لتلك المسألة. لماذا؟ لأن التقصير سببه الإنسان. سبب التقصير الإنسان. القوة الحقيقية ليست قوة الجسد، ولكن القوة الحقيقية هي قوة الإيمان. المعرفة الحقيقية ليست معرفة الاجتهاد، ولكن المعرفة الحقيقية بنور الإيمان. ولذلك: كما مر معنا، ربما تجد شابًا بعضلاته ما يستطيع يقوم لصلاة الفجر، وآخر شيخ يمشي بعصى على ثلاثة أرجل أو أربعة أرجل، ولكنه ماذا؟ يقوم إلى صلاة الفجر. من الذي أثقل هذا وأقام هذا؟ خفت الصلاة على هذا الكبير، وثقلت على هذا الشاب الصغير. إنها الطاعة وليست الجسد. وهكذا كذلك: ربما تجد إنسانًا عنده من العلم الشيء الكثير، يحفظ المنظومات ويحفظ الأشعار ويحفظ ويحفظ، ولكنه ما يوفق للفهم الصحيح ولا الصواب. لماذا؟ لأنه صاحب معاصي، بعد عن طاعة الله. وآخر عنده علم يسير مبارك، هذا اليسير بطاعة الله وبحرصه على السير بسنة رسول الله صار موفقًا، وعلمه مباركًا. كما ترى في علماء السنة وعلماء البدعة: لم يفق علماء السنة علماء البدعة بكثرة المعلومات. ربما تجد بعض علماء البدعة عندهم من المعلومات البحور الكثيرة، لكن الفرق هو الاستقامة والسلامة. الاستقامة والسلامة فاز علماء السنة على علماء البدعة ليس بكثرة المعلومات، ولكن بالاستقامة والسلامة. قوة الحجة ليس بكثرة المعلومات، ولكن بقوة الصلة بالله عز وجل ومعرفة دينه. وهكذا قل في أشياء كثيرة. إذا تأملتها وتدبرتها، علمت أن الفوز الحقيقي، وأن العوض الحقيقي هو بطاعة الله وتتبع مرضات الله سبحانه وتعالى. فستجد بإذن الله عز وجل القوة في قلبك وفي جسدك وفي جوارحك وفي حياتك كلها. لأنها بركة الله سبحانه وتعالى. ولهذا كان من دعاء الأنبياء والرسل: «واجعل لي مباركًا». أن يجعلك الله عز وجل مباركًا، هو أن يوفقك الله لأسباب البركة، بأن يحفظك في طاعته، وأن يجنبك معصيته، وأن يستعملك في أبواب بره. وهذا كله من أسباب البركة وحسن العوض. لهنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.