الدرس في لصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 45، ألقاها
يشرح المقطع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام الترمذي، ويتناول سند الحديث ورواية سعيد بن أبي عروبة قبل اختلاطه في آخر عمره. يبين أهمية قبول الهدية والإجابة للدعوة في الإسلام.
يتناول المقطع أهمية قبول الهدية في الإسلام واستحبابها، ويشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية حتى من الكفار مع بعض الاستثناءات. كما يبين شروط قبول الهدية وآدابها.
يشرح المقطع أحكام الهدية في الإسلام، ويفرق بين الهدية والهبة، ويبين أهمية الهدية في إزالة الغضب وتعزيز المودة بين الناس. كما يشير إلى دور الهدية في تحسين العلاقات وإزالة سوء التفاهم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، أشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى: قال الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، وهو ثقة، قال: حدثنا بشر بن مفضل، وبشر ثقة ثبت، وهو بصري، قال: حدثنا سعيد، وسعيد هو ابن أبي عروبة، وسعيد من حفاظ الحديث، وأيضا كذلك من المتقنين له، إلا أنه اختلط في آخر عمره، وحدد الإمام أحمد اختلاطه أنه اختلط في عام الهزيمة. وعام الهزيمة هو لما هزم إبراهيم بن الحسن بن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وإبراهيم وأخوه أيضا محمد، محمد بن الحسن وإبراهيم بن الحسن خرج أو اختفى في فترة خاصة في عهد العباسيين، ثم خرج فقتل محمد وبقي إبراهيم وتجمع معه بعض الناس، ومن ثم بعد ذلك قتل رحمه الله، وسمي ذلك العام عام الهزيمة، سمي ذلك العام عام الهزيمة؛ لأن الناس قد كانوا يؤيدون إبراهيم وخرج معه كثير، ولأجل أنهم يجعلونه في الخلافة، وكاد أن يأخذ الولاية على بني العباس، لكن قتل بعد ذلك وفشلت حركته، وسمي بعام الهزيمة. فهذا العام اختلط فيه سعيد بن أبي عروبة، وهو عام 145 للهجرة، ففي هذا العام اختلط سعيد كما حدده الإمام أحمد رحمه الله عليه، فلهذا فكل من روى عنه قبل ذلك، وخاصة البصريين القدامى، فروايتهم صحيحة، مثل يزيد بن زريع، وكذلك بشر بن مفضل، وأيضا يدخل في هذا يزيد بن هارون، وهو واسطي، لكن واسط والبصرة متقاربتان، وكذلك أيضا أكثر أهل البصرة كعبد الوهاب بن عبد المجيد وغيرهم من أهل البصرة ممن روى قديما عن سعيد. وأما أهل الكوفة خاصة الذين رووا عن سعيد، أكثرهم روايتهم عن سعيد بعد أن اختلط، كمحمد بن فضيل بن غزوان وغيرهم، وبعضهم روى عنه قبل الاختلاط، وكذلك وشك في محمد بن جعفر، فمنهم من يقول أنه سمع منه بعد الاختلاط، محمد بن جعفر وهو غندر، لكن يقول غندر رحمه الله: ما جئت شعبة حتى فرغت من سعيد. قال: ما جئت شعبة حتى فرغت من سعيد، معنى أنني -يقول عن نفسه- أنه ما روى عن شعبة إلا قبل أن يأتي شعبة، وما روى عن سعيد إلا قبل أن يأتي شعبة. ومعلوم أن شعبة هو زوج أمه، وجلس عنده عشرون سنة، أنا ملازما لشعبة، فدل ذلك على أنه روى عنه قبل الاختلاط؛ لأن شعبة قد توفي في سنة مئة وستين للهجرة، فدل ذلك على أن محمد بن جعفر سمع منه قبل أن يختلط، وأيضا كذلك عبد الوهاب الوراق، وهو خص الناس بسعيد، ولهذا تجاوز عن روايته الإمام أحمد وغيره، كذلك يحيى بن سعيد، أبو صالح، يحيى بن معين تجاوز عن روايته عن سعيد؛ لأنه من أعرف الناس به، وقد أكثر عنه وروى عنه كثيرا، ولهذا قد يكون روى عنه بعد الاختلاط. قال: حدثنا سعيد، وهو كما قلنا ابن أبي عروبة رحمه الله، قال: عن قتادة، وسعيد من أوثق الناس في قتادة، كما ذكرنا أكثر من مرة: أن حفاظ أصحاب قتادة هم ثلاثة، ومنهم من يقول أربعة: شعبة، وسعيد، وهشام بن أبي عبد الله الدستوائي، ومنهم من يدخل همام بن يحيى العودي، قال: عن قتادة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وهذا الإسناد بصري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أهدي إليك راع لقبلت، ولو دعيت عليه لأجبت». قال: هذا حديث أنس، حديث حسن صحيح. فهذا الحديث ليس قد أخرجه البخاري، مسلم، هم من يجيب هل هذا الحديث قد أخرجه البخاري، مسلم؟ لا، هذا: «لو أهدي إليك راعا لقبلت، ولو دعيت إلى كراع أو دراع لأجبت»، هذا الحديث في الصحيحين، لكن ليس ذكره هنا، الشيخ ليس ذكره في الصحيح المسند؛ لأنه الكتاب اسمه الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، وتجد أنه ذكر هذا الحديث، وهو في الصحيحين لصحابي آخر، هذاك من حديث أبي هريرة، أنا في الصحيحين من حديث أبي هريرة، لكن هنا الشيخ ذكره من حديث أنس، والعلماء يعتبرون هذا حديثا آخر إذا كان عن صحابي آخر، فاعتبروه حديثا آخر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أهدي إليك كراع لقبلت، ولو دعيت عليه لأجبت»، وفيه قبول الهدية، أو قبول الهدية على الإنسان يقبل الهدية من أخيه مهما صغرت، وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على التهادي بين الناس، وخاصة بين الجيران، فقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: «يا معشر النساء المؤمنات، لا تحقر جارة لجارتها ولو فرسن شاة». قالت: لا تحتقر جارة لجارتها ولو فرسن شاة، الفرسن هو العظم الذي يأتي بين الإصبع الأكبر وبين العقب، معنى عظم ليس فيه لحم، وإنما فيه شيء من العصب. فهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تحتقر المرأة أن تهدي لغيرها، وفي هذا الحديث أيضا قال: «لو أهدي أي لي كراع»، والكراع معروف، معنى الأرجل، فكراع الأرجل، أو العيدان، معنى ما يكون فيه لحما غالبا، وإنما يكون فيه شيء من العصب، فهذا لو أهدي، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أهدي إلي كراع لقبلت»، أي لقبل هذه الهدية، والهدية مستحب إهداؤها، وكذلك قبولها استحب أيضا، إلا إذا كان هناك ما يمنع من قبول هذه الهدية، وإلا فالعرف أن الإخوان يأخذ من أخيه هديته، بل أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل هدايا الكفار، وقبل هدايا الكفار وأهدى لهم كذلك. وجاء في حديث عائشة، حديث عيسى بن يونس عن جده أبي إسحاق عن مسروق عن عائشة أنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها، يقبل الهدية ويثيب عليها». وهذا الحديث في البخاري، إلا أن بعض ممن روى عن عيسى بن يونس ذكره بالإرسال، كما ذكر ذلك البخاري، والظاهر أن البخاري يرجح الوصل، فقالت عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها». فلهذا فقبول الهدية ينبغي أن يكون بين المسلمين، إلا كما قلنا إذا كان هناك مانع يمنع، مثل أن يكون هذا الذي أهدي إليه مسؤولا في شيء من المسؤوليات الحكومية، والناس يأتون إليه لأجل قضاء بعض حاجاتهم، فهذا لا ينبغي له أن يأخذ هدية من أحد، إلا من كان قد اعتاد إعطاءه، أو كذلك أيضا قاضيا، إذا كان قاضيا لا يقبل شيئا من الهدية؛ فإنها رشوة، إذا كان ما كان يقبل هدايا من قبل، أو ما كان يعتاد هذا الشخص أن يعطيه هدايا من قبل، وإنما لما كان قاضيا أعطاه هدايا، فمثل هذا الواجب عليه أن يردها. وقد جاء في حديث أبي بن كعب في البخاري أنها من الربع، أي من الرشوة التي تشابه الربع، فلهذا فمثل هذا الموضع لا يقبلها، أو مثلا إنسان يهدي لإنسان لأجل تزلف في بعض المسائل التي قد تؤدي مثلا إلى المحاباة، أو تؤدي مثلا إلى الامتنان، وغيرها من هذه الأمور التي قد يجد الإنسان نفسه أحيانا في هذه الأمور، أو يجدها في نفسه، فيمنعه ذلك عن قبول الهدايا، أو خاصة من بعض الناس. وأيضا كذلك إذا كانت هذه الهدية عن طريق التمنن، بعض الناس مثلا يعطي هدية لأجل أن يعطى مقابلها، يعطي الهدية حتى يعطى مقابلها، وقد جاء في الصحيحين أن رجلا أعطى النبي صلى الله عليه وسلم هدية، ثم أراد أن يعطى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعطوه»، فلم يرض، ثم قال: «أعطوه»، فلم يرض، فأعطاه حتى رضي، فقال صلى الله عليه وسلم: «لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي أو ثقفي أو أنصاري»، وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: أن هؤلاء يهدون ولا يتمنون، ولا يتمنى على من أهدى إليه. لكن من أهدى لأجل هذا فقد الإنسان ما يقبلها، أو عرف في أناس أنهم ما يهدون إلا لأجل أن يعوضون، مثل بعض الناس الآن، وبعض النساء مثلا تهدي إلى تلك المرأة مثلا شيئا، فتريد أن تعطيها إذا حصل لها شيء مثلا مقابله، فمثلا إذا أعطتها شيئا يسيرا فتقول: أعطيتها كذا وأعطتني هذا الشيء، هذا موجود عند النساء، وكذلك أيضا عند الرجال، بعض الناس مثلا يهدي لأجل أن يهدى إليه، وهذا خطأ. وإن كان هذا من الكرم أن النساء إذا أهدي إليهن شيء أهدين أو أثبن عليه، ولو شيئا يسيرا، لكن إذا لم يجد شيئا ما فيه شيء، أنه يقبل الهدية ولو لم يثب عليها، فقبول الهدية شيء، وأيضا من ناحية المسائل الفقهية في الهدية، فهناك مسائل كثيرة في الهدية، ومن أهمها أن الهدية لا يكون حكمها أنها هدية صحيحة ترجع إلى صاحبها إلا إذا قبضها صاحبها، عند جمهور العلماء: أن ما تكون هدية إلا إذا قبضها. فمثلا إذا كلم إنسانا فقال له: سأعطيك كذا، فهذا وعد، وهل الوعد يعتبر عقد؟ لا، الوعد لا يعتبر عقد، فقد تراجع عنه، أو قال له مثلا: سأرسل إليك كذا وكذا، أو سأعطي عندي مثلا، أو يقول له: عندي هدية لك مثلا كتاب أو قلم، إذا جاء العصر سأعطيك إياه، ثم أنه لم يعطه إياه، فهل هذه الآن استحقها ذاك الذي قد قال أنه أو قد سماها له؟ فجمهور العلماء قالوا: لا، لابد أن يقبضها، إذا قبضها كانت له، وإذا لم يقبضها فلا تكون له. وبعض العلماء قال: إن سماها له ورجحها الإمام الشوكاني، قال: إن سماها له، أنا سميت قال: هذه هديتك مني، لكنها عندي موجودة، فهذا تكون له، قالوا: لدليل على أنه لابد أن تقبض هذه الهدية، وجمهور العلماء استدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الخراج بالضمان»، وإن كان هذا الحديث مختلف فيه، لكن العمل عليه، المراد أنه من كان عليه الضمان فهو يكون له الفائدة، وهذه الهدية إن قبضها الإنسان فهي أصبحت له، وإن كان لم يقبضها فضمانه ليس عليه، معنى لو تلفت فهو ليس مسؤولا في إتلافها، لكن إتلافها يكون على صاحبها. والفرق بين الهدية والهبة: أن الهدية تعطى على سبيل المودة والمحبة والمعرفة، والهبة تعطى على سبيل المحبة، وممكن أيضا على غير سبيل المحبة، معنى أنها تعطى كل شيء يعطى يسمى هبة، ولو لم يعرف من يعطى، أنا مثلا أقوله لشخص: وزع هذا الماء على مثلا أهل السيارة أو أصحاب السيارة، هذه تكون هبة، وممكن تسمى هدية، لكن الأصل أنها هبة؛ لأن الهبة تعطى لمن عرفه ومن لم يعرف، والهدية تعطى لمن عرفه ومن أراد مودته. ولهذا شيخ الإسلام ابن تيمية صحح حديث: «تهادوا تحابوا»، فإن الهدية تسل سخيمة القلب، فإن الهدية تسل سخيمة القلب، تسل سخيمة القلب أي تذهب بالغضب الذي يكون على شخص، إنسان مثلا بينك وبينه شيء، فإذا جئت وهديت له شيئا، ولو كان شيء يسيرا، يعتبره شيء عظيم؛ لماذا؟ لأنه يبين له أنه ليس عليه شيء في قلبه، ولا أيضا مثلا غضبان عليه. وهذا قد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم مع أسيد بن حضير وعباد بن بشر، لما كان لما نزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾، فاعتزلوا النساء في المحيض، فقال عباد بن بشر وأسيد بن حضير: ألا نجامعهن ونخالف اليهود يا رسول الله؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الكلام، فخرج، فظن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان غاضبا عليهما، فأرسل في إثرهما لبنا، أرسل في إثرهما لبنا يعطيهم حتى يعلم أنه لم يغضب عليهما. وهكذا الإنسان إذا وجد من أخيه شيء أعطاه هدية حتى يعرف أنه مثلا ما عمل هذا الشيء ليس لأجل يغيظه، أو لأجل مثلا أن في قلبه عليه شيء، وإنما قد يكون حصل شيء من سوء التفاهم بينه وبينه، فيكون هذه الهدية تسل سخيمة القلب كما جاء ذلك في الحديث، فهذا ما يذكر إن شاء الله تعالى، ونكتفي به، والله تعالى أعلم.