الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 695

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 695

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 695، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تمييز رواة الحديث: حماد بن سلمة وحماد بن زيد وأوهام رواية عمرة الجعرانة

يوضح المقطع الفرق بين حماد بن سلمة وحماد بن زيد، مبيناً أسباب كثرة الأوهام في رواية الأول كالتقدم في السن والجمع بين مشايخ متعددين. ويناقش رواية حديث ابن عباس في الرمل بعمرة الجعرانة، مرجحاً أنها في عمرة القضاء ومحذراً من أن يكون هذا من أوهام حماد بن سلمة التي تجنبها البخاري.

رمل النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء والفرق بين الرمل والخبب

يشرح سبب أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بالرمل في الأشواط الثلاثة الأولى من طواف عمرة القضاء لإظهار القوة أمام المشركين، ويبين الفرق بين الرمل (الإسراع في المشي) والخبب (أول الجري) في السعي، مع مناقشة خلاف الروايات حول اعتمار النبي من الجعرانة مقابل عمرة القضاء.

تصحيح رواية ابن عمر وإثبات عمرة الجعرانة وأحكام الإحرام والرمل والاضطباع

يناقش تصحيح عائشة رضي الله عنها لرواية ابن عمر في اعتمار النبي صلى الله عليه وسلم في رجب، مثبتاً عمرة الجعرانة من طريق الطائف. ويوضح أن من كان بمكة وأراد العمرة يخرج إلى الحل كالتنعيم، وأن الرمل والاضطباع خاصان بطواف القدوم فقط دون طواف الحج أو التطوع.

تسمية الطواف والسعي بالشوط ومشروعية المشي بين الركنين

يوضح جواز تسمية كل طواف أو سعي بـ «شوط» استناداً إلى اصطلاح الصحابة، ويبين أن السنة تقتضي المشي بين الركنين اليماني والأسود حتى مع الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قبل أن نبدأ الدرس اليوم إن شاء الله تعالى، بعد صلاة العصر تكون كلمة للشيخ الفاضل والضاح البيحاني حفظه الله، والمحاضرة في أديسيا الشرقية. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله. أبو داود هو سليمان بن الأشعث بن بشير السنجستاني البغدادي، أصله من السنجستان لكنه سكن بغداد. قال أبو داود: حدثنا أبو سلمة، وهو موسى بن إسماعيل، أبو سلمة التبوذكي المنقري البصري، وهو من حفاظ أهل البصرة، من أصحاب حماد بن سلمة، يكثر أن يروي عن حماد بن سلمة رحمه الله. قال: أخبرنا حماد، وهو ابن سلمة. غالباً إذا رأيت موسى بن إسماعيل عن حماد فهو ابن سلمة، وكذلك سليمان بن حرب، وإن كان يروي عن حماد بن زيد لكن يسمونه، يقولون: حماد بن زيد، أو يقولون: ابن زيد. لكن إذا ذكروا حماداً فقط فهو حماد بن سلمة. وهكذا عفان، قاضي أولاد ثلاثة اختصوا بحماد بن سلمة. معنى اختصاصهم ليس أنهم لا يروون عن حماد بن زيد، وإنما اختصاصهم أنهم أكثر ما يروون عن حماد بن سلمة، وكذلك إذا رووا عن حماد بن زيد صرحوا به. وأما إذا كان أبو الربيع الزهراني وغيره فهو حماد بن زيد. والإشكال في حماد بن سلمة وحماد بن زيد أكثر من الإشكال في سفيان بن عيينة وسفيان الثوري. لماذا؟ لأن حماد بن زيد وحماد بن سلمة من منطقة واحدة، وهما من البصرة، وأكثر تلاميذهم أيضاً في وقت واحد، في عصر واحد، وفي زمن واحد، ووفاتهما أيضاً متقاربة، وأيضاً كذلك تلاميذهم أكثرهم مشتركون، بمعنى نفس التلاميذ غالباً، وأيضاً الشيوخ غالباً نفس الشيوخ، خاصة شيوخ أهل البصرة كأيوب وغيره، فلهذا يحصل الخلط بينهما أكثر من الخلط بين سفيان بن عيينة وسفيان الثوري. لأن سفيان بن عيينة من أهل مكة وأكثر وقته في مكة، وإن كان هو من الكوفة أصلاً لكن أكثر وقته كان في مكة، وسفيان الثوري أكثر وقته كان في الكوفة، فلهذا يختلف غالباً التلاميذ وكذلك الشيوخ الذين يروون عنهم. فلهذا فالإشكال في حماد بن زيد وحماد بن سلمة أكثر. إلا أن في البخاري لم يروِ البخاري في الأصول عن حماد بن سلمة شيئاً، وإنما روى له متابعة فقط. فلهذا فإذا رأيت حماداً في البخاري فهو حماد بن زيد. إذا رأيت حماداً في البخاري فهو حماد بن زيد. قال: حدثنا أبو سلمة، قال: أخبرنا حماد. حماد بن سلمة هو من أئمة السنة، وكان ابن المبارك وعبد الرحمن بن مهدي يقولان: من تكلم في حماد فهو متهم. معنى متهم بالبدعة، ما يتكلم فيه إلا أهل البدع، لأنه كان شديداً على الجهمية، وكان يقول كما ذكر الإمام أحمد في فضائل الصحابة عنه: كان يقول حماد بن سلمة: ما هؤلاء يريدون إلا أنه ليس في السماء شيء. معنى يقول: هؤلاء كلامهم يدور على أن ليس في السماء شيء، بمعنى ليس هناك الله، لأنهم ينفون الصفات والأسماء، فكيف تكون ذات بدون أسماء وصفات؟ فهم أرادوا نفي الله عز وجل، إنما يدورون كما قال رحمه الله: إنما يدورون على أن ليس في السماء شيء. قال: أخبرنا حماد بن سلمة، واسيات إن شاء الله تعالى، الكلام في مسألة الأوهام التي وقع فيها حماد بن سلمة. قال: عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، وهو أيضاً كوفي لا بأس به، أو في منزلة الصدوق. ولهذا الشيخ هنا قال: هذا حديث حسن لأجل حماد بن سلمة، ولأجل كذلك عبد الله بن عثمان بن خثيم. قال: عن سعيد بن جبير، سعيد إمام من أئمة المسلمين، عن ابن عباس، وهو الحبر والبحر، رضي الله تعالى عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا. معنى يقال: جعر رانة بتشديد الراء وبتخفيفها، يقال: جعرانة، ويقال: جعر رانة. قال: فرملوا بالبيت، وجعلوا أرضيتهم تحت آباطهم، قد قذفوها على عواتقهم اليسرى. قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، وهو أبو سلمة، قال: أخبرنا حماد، قال: أنبأنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الطفيل. فغير الشيخ الذي روى عنه عبد الله بن عثمان بن خثيم، فقال: عن أبي الطفيل، وظهر أنه معمر بن سخبرة. قال: عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت ثلاثاً، ومشوا أربعاً. وهذا الحديث حديث ابن عباس هنا رواه حماد عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير، في الرواية الأخرى عن أبي الطفيل. وقد يكون هذا الاختلاف من حماد بن سلمة نفسه، وقد يكون من عبد الله بن عثمان بن خثيم. وقد كان العلماء يعرفون هذا بالتتبع. وحماد بن سلمة حصلت له أوهام لعدة أسباب: أولاً: لما نقل حماد رحمه الله، لما نقل أحاديثه إلى التصنيف، احتاج إلى أن يصنف، أنا أصنف كتبك، فاحتاج إلى التصنيف، فكان ينقل من حفظه، كان ينقل الأحاديث من حفظه، فحصل له، فحصلت له أوهام كثيرة. ولهذا كان ابن معين رحمه الله يقول: من أخذ الحديث عن حماد من كتبه أو من أجزائه فإنه صحيح، ومن أخذها من كتبه فإنه فيها وهم، أو كما قال رحمه الله. وأما الأمر الثاني: أنه لما كبر حصلت له أيضاً أوهام. والأمر الثالث: أنه كان إذا جمع بين المشايخ يضع حديث هذا في حديث هذا ولا يفرق، فهذا أيضاً من الأوهام التي حصلت له. فهذه ثلاثة أسباب ذكر العلماء على أن حماداً رحمه الله حصلت له مثل هذه الأوهام. ولهذا كثر الوهم في حديثه، وتجنبه البخاري، البخاري تجنب حديث حماد بن سلمة لكثرة الأوهام فيه. وهنا هذا الحديث حديث ابن عباس يخشى أيضاً أن يكون من أوهامه. لأن حديث ابن عباس في الصحيحين ليس في عمرة الجعرانة، حديث ابن عباس في الصحيحين ليس في عمرة الجعرانة، وإنما كانت في عمرة القضية، عمرة القضاء. لما صالح كما ذكرنا بالعمس، لما صالح النبي عليه الصلاة والسلام أهل مكة في الحديبية، صالحهم على أن يأتي في العام القابل، العام الذي سيأتي، أنه يطوف بالبيت ويجلس المدة التي يتفق عليها هو وقريش، فاتفقوا على ثلاثة أيام. فدخل النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث ابن عباس، حديث أنس وغيرهم، فدخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة، فأمرهم أن يرملوا في الأشواط الثلاثة، وأن يضعوا أرضيتهم على أباطهم. النبي صلى الله عليه وسلم وضع أرضيته على أباطه وهو الذي سمى للضباع، ووضعوا أيضاً سيوفهم في أغمادهم، ورملوا حتى قالت قريش. وكانت قريش على قيقعان، قيقعان هذا جبل يكون من شمال الكعبة، من شمال الكعبة، فكانت قريش على قيقعان. وخرج النبي عليه الصلاة والسلام إلى مكة وطاف، وكانوا يرملون، فقال المشركون: فهؤلاء أجلد من كذا وكذا. لأنهم قالوا قبل أن يأتي الصحابة رضي الله عنهم مع النبي صلى الله عليه وسلم: سيأتي عليكم قوم قد وهنتهم حمة يثرب، قد وهنتهم حمة يثرب. معنى: سيأتون متعبين، لأن يثرب كانت أي المدينة، هذا اسم المدينة القديم، وجاء به هنا ابن عباس على كلام المشركين، معنى حكاية عنهم، وإلا النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقال المدينة يثرب. فالمهم أن هؤلاء أهل الشرك قالوا: أنه سيأتيكم أقوام قد وهنتهم حمة يثرب، لأن كانت يثرب محمومة، لما جاء الصحابة بعد الهجرة مرض كثير من الصحابة كالصديق وبلال وغيرهم، حتى أن الصديق كان يقول: كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله. وقال بلال: وجاءت سكرة الموت بالحق، يعني هذا أعظم وأفضل. فالمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك دعا أن تتحول هذه الحمة إلى الجحفة، أن تتحول هذه الحمة إلى الجحفة. فكانت العرب يعرفون أن المدينة جوها جو ليس جو معناه مناسب، أو ما يقال أنه جو ممرض، فلهذا ظنوا أن الصحابة رضي الله عنهم سيأتون وهم منهكون، فقالوا: سيأتي عليكم قوم قد وهنتهم حمة يثرب. فأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يرملوا بالأشواط الثلاثة. لهذا قال جماعة من العلم: أن الرمل واجب، أن الرمل في الثلاثة الأشواط الأولى واجب. فأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يرملوا الثلاثة الأشواط الأولى، ويمشوا في الباقي. وقال ابن عباس: إنما أبقى عليهم، أنا خشي أن يشق عليهم، عليه الصلاة والسلام، فجعلهم يرملون في الثلاثة الأشواط الأولى. فقال المشركون: هؤلاء أجلد من كذا وكذا. معنى هؤلاء ليسوا فيهم حمى، هؤلاء كانوا جلدة ومعنى نشطاء. فكانت سنة كما قال عمر رضي الله عنه: فكانت سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام أن يرمل الطائف إذا أراد أن يطوف، أن يرمل ثلاثة أشواط. والمراد بالرمل هو شدة المشي أو الإسراع في المشي. الرمل هو الإسراع في المشي. بخلاف السعي الذي يكون بين العلمين، في السعي يكون جري، يكون خبب. خبب النبي عليه الصلاة والسلام بين العلمين، والخبب هو أول الجري. والرمل هو آخر الإسراع في المشي. فرق بين الرمل وبين الخبب. ولهذا الجنائز لا يخب بها، الجنائز إنما يرمل بها، كما جعل الصحابة يرمل بالجنائز، معناه أنها يمشى مشياً سريعاً ولا يجرون، ليس فيها جري. وأيضاً الطواف فيه رمل وليس فيه جري، بخلاف السعي الذي يكون بين العلمين فيه جري. فهذا معناه فيه فارق بين الرمل وبين السعي والخبب. طيب، فأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يرملوا، فصارت سنة في الطواف أن يرمل الشخص إذا كان يستطيع، عما إذا كان ما يستطيع لشدة الزحام، فلا يزاحم الناس ويؤذيهم، يحاول أنه يمشي ولو شيئاً يسيراً، وإلا فالسنة هو الرمل. فلهذا قال: فرملوا بالبيت. وهذا كما قلنا كان في عمرة القضاء، عمرة القضاء، وليس من الجعرانة. ابن عباس رضي الله عنه في الصحيحين كما رواه عنه سعيد بن جبير وغيره، ذكر عمرة القضاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، وذكر فيه هذه الأشياء. فلهذا قد يكون هذا الوهم إما من عبد الله بن عثمان بن خثيم، وإما من حماد بن سلمة. مع أن حماد بن سلمة قد روى حديث ابن عباس الذي من طريق سعيد بن جبير، لكن لم يذكر فيه من طريق أيوب عن سعيد بن جبير، لكن لم يذكر فيه طواف النبي عليه الصلاة والسلام، أو لم يذكر عمرة الجعرانة فيها، وإنما ذكر أشياء من زواجه صلى الله عليه وعليه سلم بميمونة وغير ذلك. وأما هنا مما يؤكد أن هذا الحديث فيه شيء من الوهم، أن عمرة الجعرانة كانت في الليل، كانت في الليل. النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء إلى الجعرانة بعد الطائف، قلنا أنه خرج بعد فتح مكة، بعد ما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة، وأصحابه سمع أن هوازن اجتمعت مع ثقيف وغيرهم فيما يقال له ما أوطاس، بحنين، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام وقاتلهم في ذلك المكان وهزمهم، ففرّ ثقيف إلى الطائف والتحصن في الطائف، ودخل معهم أيضاً بعض أصحاب هوازن، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم، غنائم حنين، وكانت كثيرة، لأن مالك بن عوف النصري الهوزني أمر الناس أن يخرجوهم وذراريهم، وأيضاً كذلك أموالهم، لا يتركوا شيئاً، حتى يقاتلوا قتالاً شديداً، عندهم أموالهم، وعندهم نساءهم، فيقاتلوا، إن لم يقاتل الرجل عن نفسه فسيقاتل لأجل ماله، ولأجل أيضاً ذريته ونساءه، عن أولاده ونساءه. فلهذا أخرجوا، أخرجوهم كلهم، وكانوا أيضاً أهل ثقيف خرجوا بأموالهم، وخرجوا كذلك بغنائمهم، فغنم النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة كل هذه الغنائم من الأموال، وكذلك من الذرية. ثم حاصر النبي عليه الصلاة والسلام أهل الطائف، لما دخلوا في الحصن، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الذراري والأموال، أخذها إلى مكة، أو أقصد أخذها معه، والذراري بعثهم إلى مكة، ذراري بعثهم إلى مكة، معنى الأطفال والنساء بعثهم إلى مكة، حتى بعد ذلك إذا جاء قسم هذه الذراري. فلما حاصر الطائف لم يخرجوا، معنى أهل الطائف تمنعوا، فحاصرهم شهراً، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يرجعوا إلى مكة، فمرّ إلى الجعرانة، فلما مرّ إلى الجعرانة جاءت الأعراب إلى النبي عليه الصلاة والسلام واحتشدوا عليه، أرادوا أن يقسم الغنائم قبل أن يدخل مكة، فازدحموا عليه صلى الله عليه وسلم حتى ألجعوه إلى سمرة، على شجرة الشوك المعروف، حتى ألجعوه عليه الصلاة والسلام إلى سمرة، فتعلق رداؤه بهذه السمرة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يا أيها الناس ردوا علي ردائي. فقال عليه الصلاة والسلام: يا أيها الناس ردوا علي ردائي، فوالذي نفسي بيده ما عندي من مال إلا أعطيتكم إياه، ثم لا تجدوني جباناً ولا بخيلاً ولا كذاباً. ففرّق النبي عليه الصلاة والسلام غنائم حنين في الجعرانة. ثم لما كان الليل خرج النبي عليه الصلاة والسلام وأهل بالعمرة من الجعران، وخرج إلى مكة. ولهذا بعض الصحابة لم يدري أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر من الجعرانة، كان عبد الله بن عمر ينكر أن النبي عليه الصلاة والسلام اعتمر من الجعرانة، وقال نافع رضي الله رحمه الله: لو اعتمر النبي عليه الصلاة والسلام من الجعرانة لعلم بذلك عبد الله بن عمر. فكان نافع ينفي أيضاً اعتمار النبي عليه الصلاة والسلام من الجعران. ولهذا لما جاء قال مجاهد وعروة: قال جئنا أنا وعروة كما في البخاري، فوجدنا عبد الله بن عمر في المسجد والناس يصلون الضحى، وهو متكئ على غرفة عائشة، فقلنا له: ما هذا الذي يصلونه؟ قال: بدعة. أنا قال: هذه بدعة. وخمل كلامه إما على أنهم كانوا يصلون في المسجد ولم يرَ النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد، أو أنه كان ينكر كما جاء في بعض الروايات ينكر صلاة الضحى لأنه لم يأته عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء يدل على ذلك. لكن قد ثبتت الأحاديث عن غيره أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يوصي بصلاة الضحى، وكذلك كان قد سماها صلاة الأوابين. كذلك كان ابن عمر لما قال له مجاهد وعروة، ثم سألاه عن عمرة النبي عليه الصلاة والسلام، ثم سألاه عن عمرة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم عمرة القضية، واعتمر عمرة في رجب، واعتمر عمرة مع حجته، وأيضاً ذكر الحديبية، ولم يذكر الجعرانة، ولم يذكر الجعرانة. فقال مجاهد: فسمعنا استنان عائشة، أنا تستن السواك، فقال عروة: يا أم المؤمنين أسمعت قول أبي عبد الرحمن؟ قالت: نعم، النبي عليه الصلاة والسلام ما اعتمر إلا وعبد الله بن عمر شاهداً معه، لكنه لعله نسي. فلم يعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في رجب، وابن عمر سمع كلامها ولم ينكر، فلعله عرف أن هذا قد يكون وهم منه. والإنسان كما قال الإمام أحمد: كم يحفظ الإنسان؟ وابن عمر رضي الله عنه من حفظة حديث رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم، وهو من المكثرين رضي الله عنه، لكن الإنسان مهما بلغ فقد يأتي شيء من الوهم عليه. ولهذا كان بعض العلماء يقول: من ذا الذي لا يهو؟ ما من أحد من الرواة إلا وهو يحصل له الوهم. فلهذا هنا كأن ابن عمر عرف أنه وهم في عمرة من عنده، أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع، لكن ظن أن عمرة كانت النبي صلى الله عليه وسلم في رجب، لكن قالت عائشة: ما اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في رجب قط، وإنما كانت عمرته في ذي القعدة، وذكرت أيضاً عائشة عمرة الجعران، مما يدل على أن هذه العمرة ثابتة، ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. فقد ذكرها كثير من الصحابة، أنس وابن عباس، وأيضاً عائشة، وأيضاً مجاشع بن مسعود، مجاشع بن مسعود أيضاً ذكر هذه، وبيّن مجاشع أن النبي عليه الصلاة والسلام اعتمر عمرة الجعرانة في الليل، فطاف وسعى وحلق وخرج، وخرج من مكة، وخرج من مكة بعد ثلاث ليال. قال: ولذا لم تخفَ على كثير من صحابة هذه العمرة، أنا يقول مجاشع بن مسعود وهو من الصحابة، يقول أن هذه العمرة خفيت على كثير من الصحابة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر ليلاً، وما دام أنه اعتمر ليلاً ما سيراه المشركون، وأيضاً كذلك ما سيراه بعض الأفعال التي فعلها عليه الصلاة والسلام. المهم أن هذه العمرة ثابتة، عمرة الجعرانة ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. والجعرانة تعتبر حلاً، معنى تعتبر حلاً، وإنما اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة لأنه جاء من الطائف، والطائف الحرام، أقصد الطائف من المواطن أو المواقع التي هي قبل المواقيت أو بعد المواقيت، أقصد بعد المواقيت إلى مكة، فلهذا لم يعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من المواقيت، ولأن أيضاً حنين تعتبر بعد المواقيت، فهو خرج من مكة إلى حنين، ثم إلى الطائف، ثم رجع إلى الجعرانة، لما كان سالك طريق مكة، فاعتمر عليه الصلاة والسلام من الجعرانة. وهذا يدل على أن من كان بمكة وخرج وأراد أن يعتمر من الحل، ولا يلزمه أن يرجع إلى الميقات، لا يلزمه أن يرجع إلى الميقات. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بأختي عائشة إلى الحل، خرج بها إلى التنعيم، وجاء في رواية أنه أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج بها إلى التنعيم، فخرج بها إلى التنعيم، أي لأنه من الحل، الحل معناه خارج الحرم، خارج حرم مكة، فلهذا اعتمر من الحل، من التنعيم، اعتمرت عائشة رضي الله تعالى عنها. فلهذا قال العلماء: من كان بمكة وأراد أن يعتمر، أنا قام بمكة وأراد أن يعتمر، فيخرج إلى الحل ثم يأتي بعمرة من الحل. ولكن ليس معنى ذلك أن الإنسان مثلاً يعتمر أكثر من عمرة في سفرة واحدة، فإن هذا ليس من السنة في شيء، هذا ليس من السنة في شيء، لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه اعتمر أكثر من عمرة في سفرة واحدة. حتى هذه السفرة التي كانت في فتح مكة، لما دخل مكة لم يعتمر، لما دخل مكة في الفتح لم يعتمر، وإنما لما خرج إلى حنين، وأيضاً رجع من حنين إلى الطائف، ثم بعد ذلك اعتمر من الجعرانة، فكانت عمرة واحدة فقط. وجلس النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً في مكة ثلاثة أيام، ثم خرج، وجاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في نفس الليلة، خرج في نفس الليلة التي جاء بها من الجعرانة، فاعتمر وخرج، فما وجده الناس إلا وهو في طريق المدينة، وخرج معه كثير، وتبعه بعد ذلك الصحابة رضي الله عنهم. طيب، فخلاصة الأمر كما قلنا أن هذا الحديث الظاهر أنه في عمرة القضاء، لكن عمرة الجعرانة ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وفي هذه السنن وهي الاضطباع، وكذلك أيضاً الرمل، وهذه على الصحيح من أقوال العلم إنما تكون في عمرة القدوم، إذا قدم الإنسان مكة ولم يأتِ بهذه. أما الطواف الذي يكون مثلاً في طواف الحج ما يكون فيه شيء من هذا، لا من الرمل ولا أيضاً كذلك من الاضطباع، لا من الرمل ولا من الاضطباع، أو كذلك إذا أراد أن يطوف الإنسان، إذا أراد مثلاً أن يتطوع بالطواف لا يلزمه أيضاً هذا. لكن بعض العلم يقول: الرمل في كل طواف، بخلاف الاضطباع، الرمل في كل طواف، بخلاف الاضطباع يكون في عمرة أو في طواف القدوم، وهذا الظاهر على كلام عمر رضي الله تعالى عنه. أياً كذلك هناك سنة جاءت في حديث ابن عباس أنه كان يمشي بين الركنين، حتى إذا رمل، فبين الركنين يمشي، بين الركنين يمشي، معنى بين الركن اليماني والحجر الأسود، لأنه سيأتي إلى معنى سيبدأ من الحجر الأسود فيرمي، يرمي حتى إذا وصل إلى الركن اليماني يمشي. وقيل أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لأن قريشاً كانت على جبل قيقعان، وجبل قيقعان في الشمال، فهم لا يرون من كان بين الركنين، فكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يمشون، فمشى. فقال: فرملوا بالبيت ثلاثاً ومشوا أربعاً، عن المشي الأطواف أو بقية الأشواط، بقية الأشواط أو الأطوفة، لأن بعض العلم يكره قول للطواف شوط، ثم جاء ذلك عن مجاهد، وأيضاً أيده الشافعي رحمه الله. لكن قد جاء في الأحاديث، قد جاء في الأحاديث عن الصحابة أنهم سموا الطواف شوطاً، فلهذا يجوز أن يسمى الطواف شوطاً، والسعي شوطاً. وأيضاً السنة أنه يمشي بين، حتى لو رمل في الأشواط الثلاثة الأولى فهو يمشي بين الركنين. فهذا إن شاء الله شيء مما يذكر في هذا المقام، فنكتفي به، والله تعالى أعلم. شكراً.