الدرس في كتاب الطلاق 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل أحقية الأم بحضانة الطفل الصغير ما لم تنكح، كما يتناول ترتيب الحضانة عند التنازع بين الأب والخالة. استدل العلماء بحديث النبي عليه الصلاة والسلام على أحقية الأم، واختلفوا في ترتيب الحضانة عند التنازع.
إذا لم يوجد الأبوان، يبحث عن شخص آخر يكفل الطفل، ويعطى لمن يكون في كفالته مصلحة للطفل، ولا يعطى الكفار حضانة أبناء المسلمين. هذا الفصل يتناول الأحكام الخاصة بحضانة الأطفال في هذه الحالة.
البيئة المحيطة يمكن أن تلعب دورا حاسما في تشكيل معتقدات الفرد منذ الصغر، حيث يمكن أن يؤديا الأبوين إلى تهويد أو تمجس أو تنصير ابنهما. هذا الفصل يبين أهمية دور الأبوين في تشكيل دين الطفل.
بسم الله الرحمن الرحيم. محمد الله الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام الشوكاني رحمه الله: باب الحضانة. قال العلامة: أولى بالطفل أمه ما لم تنكح، ثم الخالة، ثم يعين الحاكم من القرابة من رأى فيه صلاحا. وبعد بلوغ سن الاستقلال يخير الصبي بين أبيه وأمه. فإن لم يوجد أكفله من كان له في كفالته مصلحة. فهذا باب الحضانة المراد به التربية، تربية الطفل الصغير. من هو أحق بتربيته؟ فلا شك أن أحق الناس بتربيته الطفل هو أمه؛ لأنها ترضعه وتحاميه، وهي أرحم الناس به وألطف الناس به. وقد جاء في حديث عبد الله بن عمر، أو حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كانت بطني له وعاء، وحجري له حواء، وأنا يحويه، وثديي له سقاء. وزعم أبوه أنه ينزعه مني. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أنت أحق به ما لم تنكحي». وهذا الحديث حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، كما قال الإمام ابن القيم: قد احتاج الناس لعمرو بن شعيب في هذا الحديث؛ أنهم تناقلوا هذا الحديث، وكلهم سمعه من عمرو بن شعيب، ولم يرو أحد هذا الحديث غيره. جاء من طرق ضعيفة، لكن هذا الحديث جاء من طريقه، وهو حديث حسن. وقد صححه العلماء وعملوا به، بل بعضهم يذكر أنه تلقاه العلماء بالقبول. ولهذا وقع الإجماع، كما حكاه ابن المنذر وغيره، على أن الأم أولى من العبد. على أنها أولى من العبد. وكذلك حكى الإجماع على أن حقها يبطل بالنكاح. أن حقها يبطل بالنكاح. وهذه مسائل: الحديث. المسألة الأولى: أن الأم هي أحق بحضانة ابنها، ولو نازعها الأب. ومن ثم المسألة الأخرى: أنها إن نكحت أو تزوجت آخر، فإن الحضانة تسقط. معنى لو طالبه الأب فيأخذه منها. لكن إذا لم يطالب، فهو يبقى مع أمه، ما في شيء. لكن إذا تزوجت آخر سقط حقها. وهذا هو قول جمهور العلماء. وأما الإجماع الذي حكاه ابن المنذر، ففيه شيء؛ لأنه قد جاء عن بعض السلف أنه يقول: أنها لها الحضانة ولو تزوجت. هذا جاء عن الحسن وابن حزم. لأن ابن حزم لا يحتج برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. واحتجوا أيضا ببقاء عمرو بن أبي سلمة عند أمه بعد أن مات أبوه وتزوجت النبي عليه الصلاة والسلام. لكن هذا لا يحتج به؛ لأنه لا يوجد منازع حتى يقال: حتى يحتج به. لأنه لا خلاف إذا لم يوجد المنازع، فهو يبقى عند أمه. قال: ثم الخالة. وهذا استدل العلماء به على أن الخالة تقدم. بما جاء في البخاري، جاء في صحيح البخاري: حديث البراء، أن ابنة حمزة اختصم فيها علي وجعفر وزيد بن حارثة. فقال جعفر: هي ابنة عمي وخالتها عندي. فقال علي: هي ابنة عمي. وقال زيد: هي ابنة أخي. فالنبي عليه الصلاة والسلام قضى بها لخالتها، وقال: «الخالة بمنزلة الأم». أن قضى لها لجعفر بن أبي طالب؛ لأنه ابن عمها، وكذلك خالتها عنده. لكن هل معنى هذا الحديث أن الخالة تقدم على الأب؟ الظاهر أنه ليس صحيحا؛ لأن هذه الواقعة هي واقعة عين، ليس لها عموم. النبي صلى الله عليه وسلم إنما فضل الخالة هنا؛ لأنه ليس هناك منازع من جهة الأب، يعني ليس أبوها قد مات. فلهذا جعلها النبي صلى الله عليه وسلم عند خالتها. وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يدل على أن الأب هو أحق بابنته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لتلك المرأة: «أنت أحق به ما لم تنكحي». فلهذا يقال: أن الأب هو أولى من الخالة. وهذا جاءت رواية عن أحمد، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وابن القيم، وجماعة من العلماء: أن الأب هو الذي يقدم إذا حصل تنازع. مثلاً بين الخالة والأب، فمن يقدم؟ لا شك أنه يقدم الأب؛ لأن الأب أولى بابنه أو بنته. بل شيخ الإسلام يذهب إلى أكثر من هذا؛ يقول: أن أهل الأب مقدمون على أهل الأم في الحضانة. يقول: أن أهل الأب هم أهله حقيقة، معنى ينتسب إليهم. فانتسابه إليهم معنى ذلك أنه يخصهم. فلهذا قال: إذا لم يوجد الأب، يوجد الجد. معنى إذا كان يوجد الجد، فالجد أحق من الخالة. بل في كلامه أيضا: حتى أن العم أحق من الخالة. يعني يرى أن أهل الأب وأقاربه أولى من أقارب الأم. والجمهور يرون العكس: أن أهل الأم أولى بالحضانة من أهل الأب. فلهذا يجعلون الترتيب: الأم، ثم الأب، ثم الخالة. وبعضهم يقدم الخالة على الأب في التنازع. والصحيح كما قلنا: أن الأب يقدم، ثم بعد ذلك من هو أقرب الناس إلى هذا الطفل، وهي الجدة. إذا وجدت الجدة، فهي تقدم على الخالة. قال: وبعد بلوغ سن الاستقلال يخير الصبي بين أبيه وأمه. معنى بلوغ الاستقلال: معناه إذا بلغ الرشد، معناه سبع سنوات نحوها. معناه إذا كان يميز، فيقال له: اختر أمك أو أباك. معناه عند التنازع، تنازع مثلا أمه لم تتزوج، وتنازع عليه الأب. هذا يقول: أنا أريده. وهذا يقول: هو عندي ابني. فهنا يخير. معناه يطلب منه التخيير، يقال له: هذا أبوك، وهذا أمك. وهذا قد حصل في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، لما تنازع رجل وامرأة. فقال في حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم خير غلاما بين أبيه وأمه. وكانت أمه امرأة صالحة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم اهده». فأخذ بيد أمه فانطلقت به. لأن كانت أمه امرأة صالحة، فلهذا دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «اللهم اهده». وفي الرواية الثانية: أنه قال: «اللهم اهده» فذهب إلى أبيه. كان أبوه رجلا صالحا. لكن هذه الرواية فيها ضعف. والمهم أن الحكم ثابت: إذا بلغ سن الرشد ومميزا، فإنه يخير بين أبيه وأمه. وهناك مسائل قد تكون مسائل معترضة في الحضانة، لكن ليس هذا بابها. على الله عز وجل يسر الكلام فيها في وقت آخر أو كتاب آخر. ثم قال: فإن لم يوجد أكفله من كان له في كفالته مصلحة. في مصلحة الطفل. ولهذا قال العلماء: وهذا لعله مما يجمع عليه العلماء: أن الحضانة تتبع مصلحة الطفل. تتبع مصلحة الطفل. أن أين تكون مصلحته يكون الحضانة فيه. هذا الأصل في الترتيب. لكن الأصل هو الأمر الآخر: أن هذه الحضانة تتبع مصلحة. كما قلنا: إذا كان أبوه مثلا فاسقا، فإنه لا يعطى الطفل، وتكون أمه أحق به. لكن إذا كبر، معنى هذا شيء عام. لكن إذا كبرت البنت أو كبر الابن، هل تبقى عند الأم؟ لا، لا تبقى عند الأم، وإنما تذهب لأبيها، سواء كان بنتا أو ابنا. يذهب لأبيه؛ لأنه هو أحق بتربيته إذا كان كبيرا؛ لأنه سينفق عليه. فالأصل في هذا: أنه ينظر إلى مصلحة الطفل. أين وجوده أو أين مصلحته في التربية؟ أين يكون؟ هل يكون عند أمه أو عند أبيه؟ فلهذا قال المؤلف هنا في آخر كلامه: فإن لم يوجد أكفله أي القاضي أكفله من كان له في كفالته مصلحة. يعني إذا كان ما في أحد من قرابته ممن يعتني به، أو قد يكون مثلا قرابته كفار. مثلا أمه أسلمت وأيضا أبوه أسلم، فمات أبوه وماتت أمه، فما بقي أحد من قرابته. وهنا يعطى من؟ هل يعطى الكفار ليربونه؟ مثلا خالته موجودة، لكنها كافرة. هل يعطى هذه الخالة الكافرة؟ لا، ما يعطى أبدا الكفار. ليست لهم حضانة على أبناء المسلمين، كما أن العدل ليس له حضانة. فمن باب أولى الكافر. وإنما يعطى أحد المسلمين، يقال له: ربي هذا الطفل. لا يعطى الكفار؛ لأنه لو يعطي الكفار، معنى ذلك تسليمه لهم، وهو مسلم. يسلم إلى الكفار حتى يفتنوه فيجعلوه كافرا. وأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه. معنى سيكون مثلهم على دينهم.