الدرس في كتاب المناسك 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الحج والعمرة واجبان على المسلم الحر المكلف القادر مرة واحدة في العمر، وقد اختلف الفقهاء في وجوب العمرة بينما اتفقوا على وجوب الحج.
يتناول الخلاف بين العلماء حول الأنساك الثلاثة للحج: الإفراد، القران، والتمتع، ويشير إلى أن الأفضل هو القران أو التمتع.
يشترط للحج أن يكون الشخص بالغًا عاقلًا حرًا مستطيعًا، ويجب على الفور عند توفر الشروط، كما يشترط في صحة أداء الحج أو العمرة أن يكون الشخص غير مملوك وغير مجنون.
بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب المناسك: الحج والعمرة واجبان على المسلمين الحر المكلف القادر في عمره مرة على الفور. والمناسك جمع نسك، والنسك والتعبد كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني مناسككم». قال: الحج والعمرة واجبان على المسلم الحر المكلف القادر في عمره مرة على الفور. أما الحج فقد جاء وجوبه في القرآن والسنة وإجماع المسلمين، وهو ركن من أركان الإسلام، كما قال الله عز وجل: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس» وذكر الحج، فالحج لا خلاف في وجوبه، وهو واجب على كل من استطاع كما سيأتي فيه الشروط. وأما العمرة فقد حصل فيها خلاف في مسألة وجوبها، فالجمهور على استحبابها، وقالوا: الواجب هو الحج، لكن قد جاءت أحاديث بالأمر بالعمرة، ومن ذلك ما جاء عند أحمد في السنن، أن امرأة جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالت له: إن أبي لم يحج، أفحج عنه؟ قال: «حجي عن أبيك واعتمري»، فذكر لها العمرة، وبهذا استدلت الحنابلة على وجوب العمرة أيضا، وسواء كانت العمرة هذه عمرة مفردة أو عمرة دخلت في الحج، فالحنابلة عندهم دخول العمرة في الحج لازم حتى إن بعضهم لا يقول بالإفراد. والصحيح أن الإفراد نسخ من المناسك، والمناسك كما هو معلوم ثلاثة: قران، وتمتع، وإفراد. فالقران والتمتع بمعنى إدخال العمرة مع الحج، والإفراد بدون عمرة. فالمشهور عن أحمد أنه يقول بالتمتع، وأنه المستحب والأفضل، وأن أفضل أنساك الثلاثة هو التمتع. والشافعي يقول بالقران، فالشافعي عنده الأفضل القران، لا الحج بدون عمرة. وعند مالك الإفراد عند الشافعي، والقران عند مالك. ولهذا قال ابن عبد الحكم للإمام أحمد: يا أبا عبد الله، إن كل رأيك حسن إلا أنك تقول بالتمتع، فقال له الإمام أحمد: أمجنون أنا، أترك ستة عشر حديثا وأخذ بحديث واحد؟! يقول: أترك ستة عشر حديثا في التمتع والقران، وما فيه إلا حديث واحد، حديث عمر في البخاري. وأما القائلون بالقران، فاستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم حج قران، وبهذا استدل مالك وغيره على أن القران أفضل؛ لأن الله عز وجل اختار لنبيه القران. وما جاء في حديث عمر في البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة». والإمام ابن القيم رحمه الله بحث هذه المسألة، وكأنه يرى أن الإفراد ليس صحيحا، وإن كان جائزا من ناحية عمله، لكن الأفضل بل كأنه يرى الواجب قرانا؛ لأن العمرة جاءت في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة»، جاء في رواية: «إلى أبد الأبد»، أن العمرة دخلت في الحج. فالمهم أن الأفضل لا شك في الأنساك هو القران والتمتع، لكن أيهما أفضل؟ فهذه مسألة الخلاف فيها شديد. والنبي عليه الصلاة والسلام تمنى أنه لو تمتع، لكن من تأمل حديث التمتع يرى أن النبي عليه الصلاة والسلام ما تمنى التمتع إلا لأجل ما حصل من أصحابه رضي الله عنهم من التحسر. فالنبي صلى الله عليه وسلم ساق الهدي معه من الميقات، وكثير من الصحابة لم يسوقوا الهدي، فلما وصلوا إلى مكة أمر النبي عليه الصلاة والسلام الذين لم يسوقوا الهدي أن يتحللوا، وهذا التحلل ما كان يعرفونه في الجاهلية. فالمشركون ما كانوا يعتمرون في أشهر الحج، حتى كانوا يقولون: إن العمرة في أشهر الحج عندهم من أفجر الفجور، أن الإنسان يعتمر في وقت الحج، فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر لهم الاعتمار في الحج، وكذلك أيضا بعد ذلك ذكر لهم التمتع. فالمهم أن الخلاف في هذه الأنساك خلاف قوي جدا، وإن كان الأقرب هو القران، لكن القران صعب في هذه الأيام؛ لأن الإنسان إلا إذا كان عنده سيارة خاصة، فإنه يصعب عليه أن يسوق الهدي معه من الميقات، خاصة في التفويج، فيصعب على الإنسان أن يأخذ من الميقات هديه ويضعه في الباص. فلهذا أكثر الحجاج الآن يحجون تمتعا، وبعضهم يحج إفرادا؛ لأن المفرد عمرته تكون مستحبة، إلا إذا كان على القول الصحيح أنه سيعتمر العمرة الواجبة، وإلا فعمرة المفرد أفضل إذا أفرد، فهو عمرته هنا مستحبة ليست واجبة. لكن إذا دخل في النسك على أنه متمتع أو قارن، فعمرته تكون واجبة. والفرق بين المتمتع والقارن أن القارن تدخل العمرة مع الحج، فيمكن أن يكتفي بطواف واحد وسعي واحد في العمرة والحج معا، بخلاف التمتع، فالتمتع العمرة وحدها واجبة إذا كان لم يعتمر، والحج وحده واجب. فخلاصة الأمر أن العمرة واجبة مرة واحدة، وسواء كان دخلت في الحج أو لم تدخل، وسواء كان العمر مفردة أو دخلها في النسك مع الحج، فكله جائز، وتكون بعد ذلك إذا اعتمر مرة أخرى تكون تطوعا، تكون عمرة تطوع. قال: واجبان على المسلم الحر، وهذا بإجماع العلماء أن العبد ليس عليه حج؛ لأنه غير مستطيع، بأن أمره ليس بيده وإنما بيد سيده. قال: المكلف، والمكلف هو البالغ العاقل المسلم، فالكافر لا تجب عليه ولا يصح منه أيضا، كافر لا يصح منه حتى وإن حج وهو كافر، فحجه غير مقبول. وكذلك المكلف الصغير لا يجب عليه الحج، فمن حج وهو صغير بقيت عليه حجة الإسلام، إذا بلغ. وقد جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على ركب فقالوا له: من القوم؟ فقالوا: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب للحج، فقالت امرأة ورفعت صبيا فقالت: يا رسول الله، لهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجره»، فالحج يكون للصبي، لكن ليس ما يجزئ عن حجة الإسلام. وكذلك المجنون إذا حج وهو مجنون، فهذا يأتي بحجة أخرى إذا شفاه الله. قال: القادر، والقادر هو المستطيع كما سيأتي إن شاء الله. قال: في عمره مرة، مثل ما جاء في صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا أيها الناس، حجوا»، فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال: «لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لم استطعت»، فدل على أن الحج هو مرة واحدة في العمر، أي حجة الإسلام، الحجة الواجبة مرة واحدة في العمر، وكذلك العمرة. قال: على الفور، ومعناه: كلما استطاع وتهيأت وتوفرت الشروط فيجب عليه أن يهج، وهذا مذهب الإمام أحمد، وأما الشافعي فعنده على التراخي، والواجب هو على الفور؛ لأن الواجب لابد أن ينفذ، فلهذا يكون الواجب على الفور. قال: فإن زال الرق والجنون والصبا في الحج بعرفة، وفي العمرة قبل طوافها صح فرضهما وفعلهما، فإذا ذهب الرق عن سيده في عرفة، فإنه يدرك الحج، يجب عليه أن يحج فرضا. قال: وفعلهما من الصبي والعبد نفلا، قالوا: القادر من أمكنه الركوب، ووجد زادا ومركوبا صالحين لمثله بعد قضاء الواجبات والنفقات الشرعية والحوائج الأصلية.