تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 48

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 48

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 48، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحذير المؤمنين من موالاة أهل الكتاب

يفسر الشيخ آيات تحذر المؤمنين من طاعة اليهود والنصارى الذين يسعون لردهم عن دينهم، مبيناً شدة عداوة اليهود وتأكيد عداوة الفريقين للإسلام. وتؤكد الآيات النهي عن موادتهم واتخاذهم أولياء من دون الله.

وجوب البراءة من الكفار وتحريم موالاتهم

يستعرض المقطع آيات تؤكد وجوب البراءة من الكفار اقتداءً بإبراهيم عليه السلام، محذراً من محبة اليهود والنصارى ومودتهم. ويبين أن من يتولهم فهو منهم، وأن الهدى الحق هو هدى الله في الإسلام.

الاعتصام بحبل الله والتمسك بالكتاب والسنة

يوضح المقطع أن تمسك المؤمنين بدين الله والاعتصام بحبله المتين يحميهم من الفتن والشبهات. ويشير إلى أن هذا التمسك يتحقق بمعرفة الحق واتباعه، ومعرفة الباطل واجتنابه، فمن تمسك بالكتاب وأقام الصلاة فهو من المصلحين.

دور الرسل في إصلاح المجتمعات وعلاج الفساد

تشير الآية إلى أن رسل الله يسعون لإصلاح المجتمعات عبر معالجة الفساد وإصلاح أحوال المفسدين. وهذا يعكس المنهج الرباني في الدعوة والإصلاح الشامل للأفراد والمجتمعات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة سعد رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾. قال رحمه الله: «لما قامت الحجج على أهل الكتاب ووبخهم بكفرهم وعنادهم، حذر عباده المؤمنين عن الاغترار بهم، وبين لهم أن هذا الفريق منهم حريصون على إضراركم وردكم إلى الكفر بعد الإيمان، وهذا هو الذي يسعى إليه أولئك اليهود، وكذلك مثلهم النصارى، لكن اليهود أكثر، فحقد اليهود على المسلمين أعظم من حقد النصارى على أهل الإسلام، كما قال الله عز وجل: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾. وهذه الآية ليس فيها معنى أن النصارى ليسوا بكفار، كما فهمه بعض الإخوان المسلمين ومن كان مثلهم كالقرضاوي وغيره، ليس فيها أنهم ليسوا بكفار، وليس فيها أيضاً أن أهل الإسلام يودونهم، وإنما فقط ذكر ربنا جل وعلا أن النصارى أخف في عداوتهم من اليهود لأن قلوبهم فيها رقة لعبادة الله جل وعلا، وإلا فهم أعداء الدين كاليهود، ولكن تجد من جانبهم المودة أحياناً أكثر مما يكون من اليهود، فلذا فليس فيها دليل على أنهم ليسوا بكفار، أو أنهم يودون، بل أن من وداهم فهو محاد لله جل وعلا، أو من ودهم فهو محاد لله سبحانه وتعالى. والله عز وجل قد حذر من ودتهم أو أن المسلم يوادهم، فقال جل وعلا: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾، وقال جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾، وأيضاً غيرها من الآيات التي تبين أنه لا يجوز للمسلم أن يواد ويحب أعداء الله جل وعلا. ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ﴾ إلى آخر الآية، فبين ربنا جل وعلا أن إبراهيم ومن معهم فيهم القدوة في بغضهم للكفار، فأهل الإيمان أيضاً يبغضون الكفار، ممن هم من أهل الإسلام من أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يوادونهم أبداً، بل كما قلنا، كما قال الله عز وجل: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾، فالذي يواد النصارى واليهود فهذا في قلبه ريب، وأيضاً الذي يقول: أنا أحب اليهود، فهذا في قلبه معهم، كما قال الله عز وجل: ﴿ فَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾، فلذا فالذي يتولى ويحب أولياء الكفار فهو منهم، ممكن أن يكون منهم أي على الكفر، أو أنه يميل إليهم أكثر من ميله لأهل الإسلام. فلذا حذر الله عز وجل من هؤلاء اليهود ومن مودتهم، وأنهم هدفهم أنهم يجعلون أهل الإسلام يكفرون، مثل ما كفر حقداً من عند أنفسهم، اليهود لم يؤمنوا بما جاءهم من كتاب من التوراة بل حرفوه على أهوائهم، والنصارى كذلك، كل ذلك لأجل أن يتأكلوا بأموال الناس، أن يأخذوا هذه الأموال ويرصدونها لهم، ويدعون أنهم أهل دين، لهذا قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾، فهؤلاء يصدون عن سبيل الله، يصدون أهل الإسلام، ويصدونهم كما ذكرنا بالأمس، ويصدون أيضاً الضعفاء والجهال منهم، حتى لا يستمعوا إلى كتاب الله ولا يستمعوا إلى المسلمين، وأما إن رأوا أهل الإسلام فهم يفعلون الطرائق حتى يردونهم عن دينهم ويردونهم عن إيمانهم. وقد قال الله عز وجل: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ﴾، هدى الله هدى الله، يختلف عن اليهودي والنصراني، فهدى الله عز وجل هو الإسلام، ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين. فقال في هذا، يقول شيخنا: «ولكن ولله الحمد أنتم يا معشر المؤمنين بعدما منّ الله عليكم بالدين ورأيتم آياته ومحاسنه ومناقبه وفضائله، وفيكم رسول الله الذي أرشدكم إلى جميع مصالحكم، عمّا منّ الله عز وجل به في هذه الأمة، فهم خير من اليهود والنصارى، ومنة الله عز وجل على هذه الأمة أعظم، قالوا: فيكم رسول الله الذي أرشدكم إلى جميع مصالحكم، واعتصمتم بالله وبحبله الذي هو دينه، يستحيل أن يردوكم عن دينكم». وهذه الآية فيها أن الإنسان إذا تمسك بدين الله، تمسك بالدين، فإنه بإذن الله جل وعلا لا تضره الفتن، ولا تضره أيضاً الشبهات، كان من اليهود أو من النصارى أو من غيرهم من أهل الضلال، فهو متمسك بدين الله عز وجل، وهذا التمسك إنما يكون بمعرفة هذا الدين بالعلم، ولهذا أعظم الناس من عرف هذا الدين وعرف طريق أهل الإيمان، وكذلك عرف أيضاً الطرق التي يستخدمها الكفار وعرف مذاهبهم، وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين. فقلنا: أن الإمام ابن القيم ذكر أن الناس في هذه الآية على أربعة أقسام، وأعظم هذه الأقسام من علم طريق أهل الحق وسلكها، وعلم أيضاً طريق أهل الباطل وتجنبها، فلذا فمن اعتصم بالله وتمسك بحبل الله وتمسك بدينه فهو قد هدي إلى صراط مستقيم، وكذلك أيضاً أمين بإذن الله عز وجل من الضلال الذي يأتي من هؤلاء أعداء الله. قالوا: «اعتصمتم بالله بحبله الذي هو دينه، استحالا يردوكم عن دينكم، لأن الدين الذي بني على هذه الأصول والدعائم الثابتة الأساس المشرقة الأنوار، تنجذب إليه الأفئدة، أن الدين دين الله عز وجل وهو الإسلام، تنجذب إليه الأفئدة وتحبه القلوب، بخلاف دين اليهود والنصارى المحرف، فإنه مبني على الأطماع، ومبني كذلك على أخذ أموال الناس بالباطل، قالوا: يأخذ من مجامع القلوب ويوصل العباد إلى أجل غاية وأفضل مطلوب». قالوا: «من يعتصم بالله يتوكل عليه ويحتمي بحماه فقد هدي إلى صراط مستقيم»، وهذا فيه الحث على الاعتصام به وأنه سبيل إلى السلامة والهداية، ومن تمسك بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو الفائز، ﴿ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ﴾، أي أولئك هم المصلحون، الذين يصلحون الفساد ويصلحون المفسدين، الذين يتمسكون بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم يصلحون هذه المجتمعات، فيصلحون الفساد وكذلك المفسدين. هذا ما يذكر في هذه الآية، والله تعالى أعلم، وشكراً.