الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 169، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر السعدي آيات سورة النساء التي تؤكد أن الله أوحى إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم كما أوحى إلى نوح وإبراهيم وموسى وغيرهم. ويبين أن رسالة النبي ليست بدعة بل امتداد لرسالات سابقة، وأن الله أرسل رسلاً كثيرين ليكون للناس حجة بعد الرسل.
يؤكد المقطع أن جميع الأنبياء اتفقوا على أصول التوحيد ودعوة عبادة الله وحده، كما يدل عليه القرآن والسنة. وأن ذكرهم والثناء عليهم يزيد المؤمن إيمانا ومحبة ويقتدى بهم، فهم صفوة الله وخير خلقه.
يوضح المقطع أن الله خص داود بالزبور وموسى بالكلام المباشر، وأن الرسل بُعثوا مبشرين ومنذرين. كما يشير إلى أن القرآن ذكر قصص بعض الأنبياء بينما لم يقصص آخرين، ويقدر عدد الأنبياء الإجمالي بأكثر من ثلاثمائة وخمسة عشر.
يعلن المتحدث انتهاء الدرس الحالي مكتفياً بما تم طرحه، ويؤجل استكمال الموضوع إلى درس قادم إن شاء الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قوله جل وعلا: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا * رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. قال: يخبر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله من الشرع العظيم والأخبار الصادقة ما أوحى إلى هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وفي هذه الآية عدة فوائد ومسائل: منها: أن محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم ليس ببدع من الرسل، بل أرسل الله قبله من المرسلين العدد الكثير والجم الغفير، فاستغراب رسالته لا وجه له إلا الجهل أو العناد. ومنها: أن هذه الرسالة التي أرسلها الله عز وجل إلى نبيه عليه الصلاة والسلام قد أرسلها إلى رسل كثر، منهم من قصهم الله عز وجل علينا، ومنهم من لم يقصهم علينا. ومنها: أنه أوحى إليه كما أوحى إليهم من الأصول والعدل الذي اتفقوا عليه، وأن بعضهم يصدق بعضًا ويوافق بعضًا بعضًا، وأن كلهم على دعوة التوحيد، توحيد الله جل وعلا، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد وشرائعهم شتى». ومنها: أن في ذكر هؤلاء الرسل وتعدادهم من التنويه بهم والثناء الصادق عليهم، وشرح أحوالهم مما يزداد به المؤمن إيمانًا بهم ومحبة لهم، واقتداءً بهديهم واستنانًا بسنتهم، ومعرفة بحقوقهم، فهم القدوة الذين أمر الله عز وجل نبيه أن يقتدي بهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾. قال: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. «إل ياسين» بمعنى «إلياس»، قال: فكل محسن له من الثناء الحسن بين الأنام بحسب إحسانه، والرسل خصوصًا هؤلاء المسمون في المرتبة العليا من الإحسان، لأن الله عز وجل ما اختارهم لرسالته إلا وهم خير الناس. الله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس، اصطفاهم الله عز وجل واختارهم. قالوا: لما ذكر اشتراكهم في الوحي، ذكر تقصيص بعضهم، وأن هناك من خص بعض الرسل بمزايا، فذكر أنه آتى داود الزبور، وهو الكتاب المعروف المزبور الذي خص الله به داود عليه السلام بفضله وشرفه، وأنه كلم موسى تكليمًا، أي مشافهة منه إليه لا بواسطة، حتى اشتهر بهذا عند العالمين، فيقال: موسى كليم الله. والله عز وجل قد كلم جماعة من الرسل، لكن خص موسى بالكلام: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. فخص الله موسى بالرسالة كما أرسل غيره من المرسلين، وخصه كذلك بالكلام. قال: وأن الله أرسلهم مبشرين ومنذرين. ثم قال: وذكر أن الرسل منهم من قصه الله على رسوله، ومنهم من لم يقصصوا عليه، وهذا يدل على كثرتهم، وأن هناك رسلًا كثر، وجاء عددهم في بعض الأحاديث عن أكثر من ثلاثمائة وبضعة عشر. لكن الله عز وجل لم يذكرهم جميعًا، وإنما ذكر منهم مجموعة قرابة خمسة وعشرين نبيًا من أنبياء الله جل وعلا ذكرهم الله في القرآن، والبقية لم يذكرهم الله ولم يقص علينا. وجاء في بعض الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذكر بعض هؤلاء الأنبياء. وإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا ونكمل في درس قادم.