كتاب التفسير من صحيح البخاري 240

كتاب التفسير من صحيح البخاري 240

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 240، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

النهي عن التعصب للأنصار والمهاجرين وبيان أخوة الإسلام

يروي جابر بن عبد الله أن مهاجراً كسع أنصارياً فتعصبت كل فئة، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وقال: «دعوها فإنها منتنة». وبين أن العصبية الجاهلية مرفوضة وأن المؤمنين إخوة لا فرق بين أنصاري ومهاجري.

توكل أهل الصفة والمهاجرين على الله مع الأخذ بالأسباب

يصف المقطع حال أهل الصفة والمهاجرين في التوكل على الله مع السعي في طلب الرزق بالعمل إن وجد، والجلوس في المسجد انتظاراً للرزق إن لم يجدوا. ويذكر حث النبي على الصدقة عليهم وموقف عبدالله بن أبي المعارض لكثرة المهاجرين.

حادث عبدالله بن أبي مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة المريسيع

مر النبي صلى الله عليه وسلم على مجلس فسلّم، فأساء عبدالله بن أبي القول وتطاول، فرد عليه عبدالله بن رواحة وكاد أن يقع قتال، فأصلح النبي بينهما. كان بن أبي يضمر الحقد لأن قومه أرادوا تتويجه ملكاً قبل الإسلام، فهاج نفاقه وهدد بإخراج النبي من المدينة.

خاتمة الحديث عن القصة وفوائدها في زاد المعاد

يُشير المقطع إلى أن الإمام ابن القيم قد فصّل القصة وذكر فوائدها في كتابه زاد المعاد، لذا يكتفي الكاتب بما ذُكر ويترك الأمر لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنحمد الله عز وجل على أن وفقنا لأداء العمرة، وأوصلنا لإخواننا حفظهم الله تعالى. نسأل الله عز وجل القبول. وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا الحميدي، وهو أبو بكر بن عبد الله بن الزبير الحميدي، أبو بكر، حافظ، حفاظ أهل مكة، كان مكيًا قرشيًا. قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حفظناه من عمرو بن دينار، قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول: كنا في غزاة، فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين. قال: فسمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكما قلنا: إما أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كان قريبًا، أو أنه كان بعيدًا لكن سمعها الله إياه، أو نُقلت له. فقال عليه الصلاة والسلام: «ما هذا؟» فقالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار. والكسع، كما قلنا: ضربه برجله في خلفه. فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «دعوها فإنها منتنة». دعوها فإنها منتنة؛ لأنهم هذه الصفة ليست عند أهل الإسلام، وإنما عند أهل الكفر. أهل الإسلام إخوة، لا فرق بين أنصاري ومهاجري. لهذا لا يتعصب الأنصاري للأنصاري، ولا المهاجري للمهاجري؛ لأنهم كلهم إخوة في الله عز وجل. وأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يزيل مثل هذا الشيء، وهو الفوارق التي تحصل بين المؤمنين، وأن هذا من هؤلاء وهذا من هؤلاء. فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يزيل تلك الفوارق، وأن هذه الفوارق مثل الفوارق التي كانت في الجاهلية. فقال: «دعوها فإنها منتنة». ولا شك أن اسم الأنصار والمهاجرين هي أسماء من الله عز وجل؛ سماهم الله عز وجل: سما أهل المدينة الذين كانوا من المدينة أنصارًا، وسما من جاء إليهم مهاجرين. فقال: «دعوها فإنها منتنة». قال جابر: وكانت الأنصار حين قدم النبي عليه الصلاة والسلام أكثر؛ لأنها بلدهم. قال: ثم كثر المهاجرون بعد ذلك، كثر المهاجرون بعد ذلك، فجاءوا من كل مكان، خاصة بعد صلح الحديبة، وأخص في السنة التاسعة التي سُميت بعام الوفود؛ جاءت الوفود من كل مكان إلى النبي عليه الصلاة والسلام لأجل الإسلام. فمنهم من جلس في المدينة، ومنهم من رجع إلى بلده. وكانوا يتوكلون على الله عز وجل؛ لأنهم يجلسون ويتركون أموالهم، ويأتون إلى المدينة، فيسر الله عز وجل لهم ما يسر. يجدون شيئًا من التعب والمشقة وعدم الطعام، لكن الله عز وجل يؤيدهم بغناه، بما يضع في قلوبهم من الغنى والقناعة. والقناعة مما يصرفهم عن هذه الأشياء، ويجعل الله عز وجل همهم هم الآخرة، وهم نصر دين الله جل وعلا. فلذا ما كان أحدهم يبالي أن يكون في المسجد، يأكل مما جاءه؛ فإن وجد عملًا عمل، وإلا جلس في المسجد، وجاءه ما كتب الله عز وجل له. وهكذا المؤمن يتسبب في العمل الذي يكون من كسبه. قد كان أنبياء الله عز وجل يعملون، يتكسبون: كان زكريا نجارًا، كان داود حدادًا، وغير ذلك مما ذكر من الأنبياء. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من نبي إلا وقد رعى الغنم». قيل: وأنت يا رسول الله؟ قال: «نعم، وأنا قد رعيتها لأهل مكة بقريظ». فلذا المؤمن إن وجد ما يتسبب به فعل، وإلا وكل أمره إلى الله. فالتوكل لا يكون بترك الأسباب، وإنما يكون مع أخذ الأسباب؛ يكون توكلًا مع الأخذ بالأسباب. فهؤلاء أهل الصفة وغيرهم من المهاجرين أخذوا بالأسباب، وعملوا: بعضهم في المزارع، وبعضهم في أشياء كثيرة. ومنهم من لم يجد شيئًا من العمل، فجلس في المسجد، فجاءه رزقه إلى المسجد. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث الناس على التصدق على هؤلاء، وإطعامهم الطعام، كما كان عليه الصلاة والسلام يقول: «من كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، ومن كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له». فكان أحدهم يأخذ، أي من الصحابة، من يأخذ من اثنين ثلاثة، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم عشرة. والقصة مشهورة في الصحيحين في حديث أبي بكر، أو عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق. فلذا كثر المهاجرون بعده. فقال عبد الله بن أبي بن سلول: «أو قد فعلوا»؛ يعني: حتى قالوا: يا للمهاجرين، تأمروا، أو أنهم صاروا جهة ضدنا. «أو قد فعلوا»؛ يعني: كأنه يمُن، كأنه يمُن، وكأنه هو الذي سمح لهم بالجلوس. وقد كان يكره أن يجلس النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في المدينة. ولهذا لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة، فدخل ديار بني الخزرج، في عمارة بن عوف، في قباء، مر النبي عليه الصلاة والسلام عند أناس من أهل المدينة، فيهم أهل الإسلام، وفيهم بعض الكفار، وفيهم أيضًا بعض المنافقين، كعبد الله بن أبي. فلما مر النبي عليه الصلاة والسلام، سلم عليهم. فقال عبد الله بن أبي: «والله لا تتعكر علينا مجالسنا، وتغشانا فيها». وقد جاءه شيء من الغبار، غبار الحمار. فقام بعض المسلمين، كعبد الله بن رواحة، ورد على هذا المنافق، فقال: «والله يا رسول الله، اغشنا في مجالسنا». فحصل بينهما لغط، وهمّ أن يقتتل أهل الإسلام مع من كان كافرًا في ذلك الزمن، أو في ذلك الوقت. فأصلح النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، ومضى إلى سعد بن عبادة. ثم قال: «يا سعد، أتدري ما فعل أبو حباب؟» هو عبد الله بن أبي. فقال: «اعفُ عنه يا رسول الله، فقد أعزك الله عز وجل بهذا الدين». وقد كان الناس قد تشاوروا عليه، أي: أنهم يضعونه ملكًا، يضعونه ملكًا عليهم. فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام، لم يلتفت إليه أحد. فلذا أخذ هذا الحنق، وهذا النفاق، بسبب هذا. فكان يبغض النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يريده يأتيهم في مجالسهم، بل ما كان يريده أن يسكن المدينة. لكن هذا أمر الله جل وعلا، فلم يستطع عبد الله بن أبي أن يفعل شيئًا. وقال: «لقد فعلوها، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل». فقال عمر رضي الله عنه: «دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه». وجاء في بعض الروايات، كما ذكرنا، وهي خارج الصحيح، في سنن الترمذي: أن عبد الله بن عبد الله بن أبي جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: «يا رسول الله، والله لا ينقلب أبي إلى المدينة». ثم واجه أباه، وقال: «والله لا تنقلب إلى المدينة حتى تقول: إنك أنت الذليل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز». وجاء في سيرة ابن إسحاق: أن عبد الله بن أبي قال لابنه: «ماذا جاءك يا بني؟» فقال: «والله لا تنقلب إلى المدينة، ولا تدخل المدينة، حتى تقول: إنك أنت الذليل، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز». قال: ففعل، أي: قالها، فأدخله بعد ذلك. وذكر القصة أيضًا بأكثر من هذا، الطبراني مرسلًا من طريق عكرمة بن أبي جهل، في ذكر هذه، أو ذكر قول عبد الله بن أبي لأبيه. فهذا خلاصة ما ذكر في هذه الآية. وقد ذكر الإمام البخاري عدة أبواب في هذه الآية، وفصلها، وذكر هذا الحديث فيها. وكما قلنا: أن هذه القصة، منهم من قال: إنها في تبوك، ومنهم من قال: إنها في المريسيع. وهي صح، وأنها في المريسيع. قد فصل ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد، وذكر فوائد هذه القصة. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.