الماعون في فهم الطاعون

الماعون في فهم الطاعون

الخطبة بعنوان الماعون في فهم الطاعون، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة بتاريخ 15 شوال 1447هـ الموافق 3 أبريل 2026م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مشورة عمر بن الخطاب وقرار العودة من الشام

استشار عمر بن الخطاب الصحابة عند ورود خبر الطاعون في الشام، فاختلف المهاجرون والأنصار بينما أجمع مسلمة الفتح على الرجوع، فقرر عمر العودة إلى المدينة. عندما سأله أبو عبيدة عن الفرار من قدر الله، أجاب: "نفر من قدر الله إلى قدر الله"، وضرب مثلاً بالإبل ترعى في الجانب الخصب، وأكد عبد الرحمن بن عوف الحديث النبوي في عدم الخروج من أرض الطاعون ولا الدخول إليها.

تعريف الطاعون وأنواعه وأصله التاريخي

يشرح المقطع مفهوم الطاعون لغةً وشرعاً مبيناً أنه مرض مهلك خاص وليس كل وباء عام، ويستعرض أول وقوعه في بني إسرائيل وزمن طاعون عمواس، ويذكر تقسيم الأطباء المعاصرين له إلى ثلاثة أنواع: الدملي، والدموي، والرئوي، ويختتم بحديث نبوي يبين أن الطاعون وخز من الجن.

الطاعون في السنة النبوية وحكمه وعلاقته بالجن

يشرح المقطع مفهوم الطاعون في السنة النبوية بوصفه رجزاً أُنزل على بني إسرائيل ورحمة وشهادة للمسلمين، مبيناً أن انتشاره يتم بوخز الجن بإذن الله، ومفرق بينه وبين الأوبئة العادية، ومستعرضاً خلاف العلماء في مسألة العدوى استناداً للأحاديث النبوية.

العدوى بإذن الله وفرار عمر من قدر إلى قدر

يؤكد المقطع أن العدوى لا تنتشر إلا بإرادة الله تعالى، مستشهداً بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "نفر بقدر الله، أو نفر من قدر الله إلى قدر الله"، ويختتم بالدعاء بالفقه في الدين والقيام بحمايته.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، أحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، فقد أخرج الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: طال سفر عمر، سار عمر إلى الشام، فلما بلغ سرغ، جاءه رؤساء الأجناد، أبو عبيدة وأصحابه، لأن عمر، بل أبو بكر رضي الله تعالى عنه، جعل أجنادًا في الشام: جند بالأردن، وجند بفلسطين، وجعل لهم كل واحد قائدًا، وكان قائدهم جميعًا خالدًا، ثم كان في عهد عمر أبو عبيدة رضي الله عنهم أجمعين، فجاءه رؤساء الأجناد فأخبروه أن الطاعون قد وقع بالشام، وكان ذلك في سنة ثمان عشرة في ربيع الآخر، وقد وقع الطاعون قبل ذلك في شهر محرم، ثم رفع، ثم وقع بعد ذلك. فلما سمع أبو عبيدة ومن كان معه أن عمر قادم إلى الشام، خرجوا له حتى تلقوه بسرغ، وسرغ هي منطقة من الحجاز في آخر الحجاز أو في أول الحجاز من الداخل من الشام، فتلقوه في ذلك المكان، وقالوا: إن الطاعون قد وقع بالشام. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: اجمعوا لي من كان من المهاجرين، فجلس معهم، فمنهم من يقول: نرجع، ومنهم من يقول: ندخل، واختلفوا، فقال: فارفعوا عني، ثم قال: ادخلوا علي، أو هلموا لي الأنصار، فجاء الأنصار فاختلفوا كما اختلف المهاجرون. ثم قال رضي الله عنه: احضروا لي من كان من مسلمة الفتح، فجاءوا إليه فلم يختلف منهم رجل، فقالوا: ترجع، ترجع بالناس، فيهم خيارهم، ترجع بالناس إلى المدينة. فقال: فنادى عمر في الناس: أني مصبح على ظهر، فامضوا إليه، أي: أنا سأركب وأمضي، وأنتم أمضوا إليه. فلما أصبح، ركب في ذلك الظهر، أي في ناقته، ثم توجه أو أراد يتوجه إلى المدينة، فقال له أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، أفرارًا من قدر الله؟ أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر رضي الله عنه: لو قال هذا غيرك يا أبا عبيدة، أي: لو أن غيرك قال مثل هذا الكلام، أنت رجل عالم، ورجل ممن زكاهم النبي عليه الصلاة والسلام، وقيل أنه قال: لولا غيرك، أي: لا نكلت به وعاقبته. فقال: لولا غيرك يا أبا عبيدة، قال: نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله، نفر من قدر الله إلى قدر الله. ثم إن عمر رضي الله عنه أراد أن يبين هذا ويوضحه: نفر من قدر الله إلى قدر الله، نحن الآن ما دام أننا لأمر شرعي فإننا نفر منه لأجل أننا نجعل الأمور لله سبحانه وتعالى. فقال عمر: أرأيت لو أن معك رواحل، ثم أتيت إلى واد، أو ثم أتيت إلى عدوتين، أو أتيت إلى واد فيه عدوتان، والعدوة هو المكان المرتفع من الوادي، وغالبًا يكون فيه الرعي. فقال عمر رضي الله عنه: لو رأيت أن معك إبلًا، ثم أتيت إلى واد له عدوتان، إحداهما خصبة والأخرى جدبة، فإن رعت في الخصبة كان بقدر الله، وإن رعت في الجدبة كان بقدر الله، معنا: إن رعت في الخصبة، والناس لا شك أنهم يرعون في الخصبة، لو أن إنسانًا رعى في الجدبة لأنكر عليه، مع أن ذلك كله بقدر الله جل وعلا، لكن هذه أرض خصبة وفيها رعي، لا شك أنها أفضل وأسلم، وكذلك أيضًا طعامًا. لهذا أراد عمر رضي الله عنه أن يبين أننا وإن فررنا، أو وإن خرجنا، وإن لم ندخل إلى الشام، وخرجنا إلى المدينة، ورجعنا إلى المدينة، فإننا نرجع إلى المكان الخصب، إلى المكان الآمن، فهذا أيضًا من قدر الله جل وعلا، نفر من قدر الله إلى قدر الله. ثم إن عبد الرحمن بن عوف جاء، وكان مغيبًا في حاجة له، فقال: إن عندي علمًا من ذلك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «إذا كنتم بأرض وقع فيها الطاعون فلا تخرجوا منها، وإن كنتم خارجها فلا تدخلوا فيها». فهذا أيها الإخوة الكرام، هذا الحديث في الطاعون، وما هو الطاعون، وكيف يفهم الطاعون، ففي هذه الأيام تنتشر الأمراض، وأيضًا كذلك ينتشر الوباء في الناس في صغارهم وفي كبارهم، وخاصة عند طول الأمطار أو غيرها، فيتغير الجو ويتغير الهواء، فتحصل الأمراض الكثيرة، فذاك يمرض بالحمة، وذاك يمرض بكذا، وذاك يمرض بكذا، فتنتشر الأوبئة، فهل هذا من الطاعون الذي قد وقع في الشام، الذي قيل له: طاعون عمواس، أو عمواس؟ قيل أنها أرض بالشام يقال لها هذا، أول ما وقع فيها، وقيل إنما تسمية عمواس أنه وباء عم وواس بعضهم بعضًا، أي: واسى الناس بعضهم بعضًا، فقيل: عمواس، وهذا أول ما حدث في الإسلام. وقيل، أو قال بعض أهل العلم: أن هذا الطاعون الذي عناه النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عقبة بن عامر الذي أخرجه الإمام مسلم: «أعد ستًا قبل القيامة»، ثم ذكر: «موتان يأخذ في الناس، أو يأخذ في الناس كعقص الغنم»، معنا: كما يأخذ عقص الغنم، وهو مرض يصيب الأغنام فيموت منها كثير، وهكذا هذا الموتان، والمراد بالموتان: أي مرض مهلك، وليس موتان معنى تثنية موت، وإنما موتان هنا المراد به مرض مهلك أو يميت الناس. فهذا الطاعون، أو هذا الوباء، قيل أنه هو وباء عمواس، لأنه قد مات منه سبعون ألفًا أو أكثر من ذلك، وقد جاء في الأحاديث أن هذا الطاعون أول ما حدث، حدث في بني إسرائيل، هذا الطاعون أو هذا الموت الذي حدث، حدث أول ما حدث في بني إسرائيل. فقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنهم أن نبيًا من أنبياء الله جل وعلا خرج للغزو، فعصاه قومه، فأوحى الله عز وجل إليه: أن اختر إحدى ثلاث، إما الجوع، وإما القتل، وإما الموت، فاختار الموت، اختار الموت لأن الجوع عذاب، والقتل عذاب، أي أنه يسلط عليهم أعداءهم، فاختار الموت، أي أن يموت الناس من غير أن يعذبوا، فقال: فمات منهم في يوم واحد، وفي ثلاث ليال، سبعون ألفًا. وجاء في حديث في الطبراني: أنهم ماتوا بالطاعون، أي: أرسل الله عز وجل عليهم الطاعون. وقد ذكر كثير من السلف أن أول ما حصل الطاعون في بني إسرائيل في زمن موسى، لما أراد أن يدخل بيت المقدس، وكان في بيت المقدس رجل يقال له: بالعام، وقيل: باعون، لكن المشهور: بالعام، فهذا الرجل كان من أهل العلم، وممن يعرف اسم الله الأعظم، وكان إذا دعا أجيب له، فلما رأى الناس، أي أهل هذه القرية، موسى وأصحابه أرادوا أن يدخلوا، قالوا له: ادعُ عليهم، فقال: سآمر ربي، أي: سأستأذن ربي، فلم يأته شيء من الله، فأعطوه هدية، فقال: سآمر ربي، فلم يأته شيء من الله، ثم جاءوا بهدايا، وقالوا له: إنه لم يأتك شيء، ما ذلك إلا لأن الله قد أذن لك، فدعا على موسى وعلى قومه، فكلما دعا بشيء وقع في قومه، كلما دعا بشيء وقع في قومه، فأرسل الله عز وجل عليهم الطاعون، فمات في يوم أكثر من مئة ألف رجل منهم. وهذا كما قلنا ذكره كثير من التابعين، وإن كان من قصص الإسرائيليات، لكن هناك أحاديث كما ذكرنا بعضها تؤيد هذا، وهذا أول ما حصل الطاعون. فالطاعون أيها الإخوة الكرام، هو مرض عام يعم الناس ويهلكهم غالبًا، فهو مرض مهلك. وقد ذكر بعض الأطباء من المعاصرين أن الطاعون ثلاثة أقسام: طاعون دملي، أو دملي، يكون فيه شيء من الدمامل تظهر في الأماكن الرخوة، أو ما يسمونها في الطب الحديث الغدد اللمفاوية، عن الأماكن الرخوة كالإبط وبطن اليدين وغير ذلك، تظهر فيه احمرارًا وخروجًا، أي: تظهر فيه دمامل، ثم تحمر أو تسود، وأفسدها ما كانت فيها سوادًا، يعني يكون أكثر خطرًا. وأيضًا كذلك قسم آخر يسمى بطاعون الدم، لأنه ينتشر في الدم، وأخطرها وأعظمها وأكثرها: الطاعون الرئوي، الطاعون الرئوي الذي يمسك الرئة، فلا يجد الشخص يستطيع أن يتنفس إلا بصعوبة، ويقبض على صدره، ويحدث غالبًا له سعال كثير. فهذه أقسام الطاعون، لهذا فالطاعون ليس كل وباء كما ذكر بعض العلم، بل قد غلط في ذلك كثير من المحققين، وأن الأدلة تدل على أنه ليس كل وباء، وإلا الأوبئة تحصل في كل وقت لتغير الهواء وتغير المزاج، فيحصل وباء عام، لكن الطاعون هو مرض خاص يحصل في الدم غالبًا، وفي الرئة كما قلنا، وغالبًا هو يهلك ويموت الناس منه، لأنه وباء عظيم. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه ينتشر في الناس، وأنه ينشره الجن، كما جاء عند أحمد، وعند ابن خزيمة، وابن حبان، وغيرهم بإسناد صحيح، عن أسامة بن شريك رضي الله تعالى عنه، وجاء كذلك عن أبي سعيد، وعن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، أن النبي عليه الصلاة والسلام سُئل عن الطاعون، فقال عليه الصلاة والسلام: «هو وخز أعدائكم من الجن»، هو وخز أعدائكم من الجن، والوخز: معنى الطعن. وقد جاء في حديث، أو في لفظ آخر، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أكثر من يموت من أمتي بالطعن والطاعون»، فقالوا: يا رسول الله، فهذا الطعن قد عرفناه، الطعن المراد به طعن الأعداء والقتال مع الأعداء، فقال: «أكثر ما يموت من أمتي بالطعن والطاعون»، قالوا: فهذا الطعن يا رسول الله قد عرفناه، فما الطاعون؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «هو وخز أعدائكم من الجن»، هو وخز، أي: طعن أعدائكم من الجن، وإنما سمي وخزًا لأنه يكون من الداخل إلى الخارج، معناه: يكون من الجسد نفسه، يطعن الجن في جسد الإنسان، ثم يدخلون ما أرادوا. وهذا قد يكون موافقًا لما ذكروه في الطب الحديث، أن هذا الطاعون ينتشر، أو ينشره بعض البراغيث، وبعض الدواب التي تكون في الحيوانات، وفي القوارض الخاصة كالفئران وغيرها، ثم ينتشر في الناس بسبب الارتداد، أو بسبب استعمال شيء من ملابس غيرهم، ولكنه يحدث بإذن الله جل وعلا، فقد يكون إنسان يكون عند آخر وهو فيه هذا المرض ولا يؤثر عليه، وآخر يكون عنده ويؤثر عليه، فكل ذلك بإذن الله جل وعلا، لكنه ينتشر غالبًا في الناس، فينشره كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: هؤلاء الأعداء من الجن ينشرون هذا الوباء وهذا الطاعون، لكنه كله بقدر الله وبإذنه سبحانه وتعالى. فنسأل الله عز وجل أن يسلمنا من الأمراض، ومن الطاعون، ومن الوباء، نسأل سبحانه وتعالى أن يعافينا في الدين وفي الدنيا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعل لنا الخير في الدنيا والآخرة، والحمد لله رب العالمين. *** الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قائد الغر الميامين، عليه الصلاة والسلام. أما بعد، أيها الإخوة الكرام، فالطاعون هو مرض رجز أرسله الله عز وجل على بني إسرائيل، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث أسامة بن زيد، يقول إبراهيم بن سعد: سمعت أسامة بن زيد يحدث أبي، يقول: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ها إن هذا الطاعون رجز أرسله الله عز وجل على أمة من بني إسرائيل، وهو رحمة لهذه الأمة، فأيما رجل أصيب به وهو جالس في بيته صابر محتسب، إلا كان له شهيدًا يوم القيامة». وجاء كذلك بلفظ في الصحيحين أيضًا من حديث أسامة، وجاء من حديث أبي هريرة، ومن حديث عائشة، وأنس عند مسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الطاعون شهادة لكل مسلم، الطاعون شهادة لكل مسلم». وجاء في حديث أبي هريرة في مسلم: «أن من الشهداء من يموت بالطاعون، من يموت بالطاعون»، فقال عليه الصلاة والسلام: «المبطون شهيد، ومن يموت بالطاعون شهيد». فهذا أيها الإخوة الكرام، فهذا المرض الذي سلطه الله عز وجل على بني إسرائيل، وجاء في رواية: سلطه على من كان قبلكم، وقال في لفظ: «رجز سلطه الله عز وجل على بني إسرائيل»، وفي رواية: «رجز سلطه الله عز وجل على بني إسرائيل، وهو رحمة لهذه الأمة»، وهو رحمة لهذه الأمة، رحمة لأنه يكون شهيدًا لهم، ويكونون شهداء، ويكونون شهداء. ولهذا جاء عند أحمد وابن حبان أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن رجلًا مات بالطاعون، فقيل: هل هذا شهيد؟ فانظروا»، أي: قيل للملائكة: فانظروا، «إن كان رائحته رائحة المسك، أي: رائحة دمه دم المسك، مثل الشهداء، فعلم أنه شهيد من الشهداء». وقد بين النبي عليه الصلاة والسلام كما سمعتم آنفًا أن من يموت بالطاعون فهو شهيد. فأيها الإخوة الكرام، فالطاعون هو مرض يصيب الناس، وغالبًا يقتلهم، وأما الأوبئة التي تنتشر في الناس كالحمة والحصبة وغيرها من هذه الأشياء، فهي أوبئة ليست بالطواعين، لأن كثيرًا من الناس يقول: أن هذه طواعين، وليس كذلك، وإنما هي أوبئة تحصل لتغير الهواء والمزاج غالبًا، وهي بإذن الله جل وعلا تحصل، وإن كانت تنتشر في الناس، لكن ليست من الأوبئة التي أخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام، أي: بالطاعون، وإنما هي أوبئة بسبب المزاج، وبسبب الأهواء، وغالبًا لا يكون فيها عدوى، وإنما تكون بإذن الله جل وعلا، تكون بإذن الله سبحانه وتعالى، وكذلك يصاب الإنسان ليس بعدوى، وإنما يصاب الإنسان بهذا المرض، بخلاف الأمراض، بخلاف الطاعون، فغالبًا يحصل بنشره من الجن، والذين نفوا العدوى من العلماء بحديث «لا عدوى»، فهم يقولون: أن هذا ليس بعدوى، وإنما ينشره الجن بوخزهم وبعدائهم للإنس، فينشرون ذلك بين الناس، وليس هناك اسم لعدوى. ومن قال أن العدوى موجودة، وإنما نفى النبي عليه الصلاة والسلام تأثيرها، فقال: أن العدوى، أو أن هذا المرض يعدي، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قد قال: «فر من المجذوم فرارك من الأسد»، كما في البخاري، وقال: «لا يورد ممرض على مصح»، فهذه أدلة أيضًا استدل بها كثير من العلم على أن العدوى موجودة. وفي كل الأقوال، المراد: إن كانت هناك عدوى فهي لا تنتشر إلا بإذن الله جل وعلا، وإن لم تكن هناك عدوى فأيضًا أن نشر بإذن الله جل وعلا، وهذا معنى قول عمر رضي الله عنه: نفر بقدر الله، أو نفر من قدر الله إلى قدر الله. فنسأل الله عز وجل أن يفقهنا في الدين، ويجعلنا حماة لهذا الدين، والحمد لله رب العالمين، وجزاكم الله خيرًا.