الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 128، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الظلم ظلمات يوم القيامة، ويكون عاقبته ذهاب نور صاحبه يوم القيامة. الظلم ينشأ من ظلمة القلب، وإذا صلح القلب صلح الجسد كله.
يتقاص المؤمنون مظالمهم يوم القيامة قبل دخول الجنة، حيث يؤخذ الحق بالحسنات والسيئات. القصاص يكون حتى بين البهائم، وبعدها يدخل المؤمنون الجنة.
لا بأس بالحلف بالله عند الحاجة لتأكيد شيء ما، وقد فعل النبي عليه الصلاة والسلام ذلك. يُشير إلى جواز الحلف بالله في سياقات معينة.
بسم الله الرحمن الرحيم قال إمام البخاري رحمه الله في كتاب الأذب المفرد: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا عبد العزيز بن ماجشون، قال: أخبرني عبد الله بن دينار عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الظلم ظلمات يوم القيامة». الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وفيه إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بأن الظلم ظلمات، أي الظلم في الدنيا يكون عاقبته يوم القيامة بأن يكون ظلمات على صاحبه. الظلم ظلمات يوم القيامة، سواء كان الظلم لنفسه بارتكاب المعاصي والذنوب، ومن أعظمها الشرك بالله سبحانه وتعالى، أو كان الظلم مع غيره بالاعتداء في دم أو عرض أو مال، فإنه يكون ظلمات يوم القيامة. قال بعض أهل العلم: بسبب ظلم العبد في الدنيا يكون ظلامه في الآخرة وذهاب نوره. والله سبحانه وتعالى أخبر أن أهل الإيمان يظهر نورهم يوم القيامة ويستبشرون به، وأهل النفاق والكفر يذهب نورهم بسبب ظلمهم، كما قال عز وجل: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. فأخبر الله سبحانه وتعالى أن نور المنافقين والكافرين يذهب وينطفئ على قدر ظلمهم في هذه الدنيا. فالظلم ظلمات يوم القيامة. وهذا الظلم ينشأ بظلمة القلب، كما قال النووي رحمه الله: ينشأ الظلم عن ظلمة القلب. فإن القلب إذا أظلم أظلمت الجوارح، وإذا أظلمت الجوارح وقعت في المعاصي والذنوب. وهكذا يكون نور الإيمان الذي ينتفع به المؤمن بقدر ظهوره وانتفاع به في قلبه. فإذا كان القلب حيا صارت الجوارح حيا، وإذا مات القلب ماتت الجوارح. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». وقال عليه الصلاة والسلام: «إذا أذنب العبد ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا تاب ورجع سقل قلبه -يعني رجع كما كان وصار صافيا- قال: فإذا عاد ازدادت -يعني إذا عاد ارتكاب الذنب والمعصية ازدادت هذه النكت السوداء- قال: فإذا عاد ازدادت حتى تعلو قلبه -يعني تغطي على قلبه- قال: فذلك الران الذي قال الله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ يعني ختم وطبع على قلوبهم بسبب أعمالهم وما كانوا يكسبون ويفعلون في الدنيا. فإذا علم العبد بخطورة الظلم فإنه ينبغي عليه أن يحذر من الظلم. قال: حدثنا مسدد وإسحاق، قال: حدثنا معاذ، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، فيتقاصون مظالم بينهم في الدنيا، حتى إذا نقوا وهذبوا أذن لهم بدخول الجنة. فوالذي نفس محمد بيده؛ لأحدهم بمنزله أدل منه في الدنيا». والحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام البخاري. وفي هذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه بعد أن ينجو أهل الإيمان من النار، وذلك في قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾. فإذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار. والقنطرة -كما قال الحافظ- هي طرف الصراط مما يلي الجنة. قال: فيتقاصون مظالم بينهم في الدنيا، يعني يكون هناك يوم القيامة قصاص بين أهل المظالم. الذي ظلم أخاه مثلا في عرضه ولم يقتص منه في الدنيا، فإنه يأخذ حقه منه يوم القيامة. يتكلم في عرضه بغير حق، أو أخذ منه مال بغير حق، فإنه يتقاص ذلك منه يوم القيامة، أو سفك دمه بغير حق، فإنه يتقاص منه يوم القيامة. قال: فيتقاصون مظالم بينهم في الدنيا. والقصاص في الآخرة ليس كقصاص الدنيا، قصاص الآخرة في الحسنات والسيئات. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من كان له أو عنده لأخيه مظلمة فليتحل لها منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، وإنما هي الحسنات والسيئات». ما فيه يوم القيامة دينار ولا درهم. أخذت من إنسان أموال، يوم القيامة يأخذ بدلها حسنات. يأخذ بدلها حسنات. والقصاص يكون بالحسنات والسيئات. يأخذ من حسناتك، فإذا فنيت حسناتك أخذت من سيئاتهم وتحملتها في ظهرك. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: ولكن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد ضرب هذا، وسفك دم هذا، وأخذ مال هذا. فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار». يأخذون حسنات هذا الظالم حتى تفنى حسناته، لا يبقى معه شيء من الحسنات، ثم بعد ذلك يأخذ من سيئاتهم. يأخذ من سيئاتهم. فهذا يدل على عظم أمر الظلم. فلا يغتر هذا الظالم كونه في الدنيا لا يستطيع أحد أن يصل إليه، إما لمنصب أو لوجاه أو قوة أو نحو ذلك. فأين سيذهب يوم القيامة؟ فهذا المظلوم سيقتص منه ويأخذ حقه منه. لا تنفعه معسكراته، ولا تنفعه جيوشه، ولا ينفعه سلطانه، ولا ينفعه منصبه، ولا ينفعه كذلك أيضا جاه ومنزلته. كل هؤلاء لا ينفعونه يوم القيامة. حتى بين العبد وسيده، السيد إذا اعتدى على عبده بغير حق فإنه يقتص منه يوم القيامة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك: «إذا قام على عبده حدا لم يأته، فإنه يقام هذا الحد على السيد». بل حتى بين البهائم يكون القصاص. بين البهائم الشاء القرناء تنطح الشاء الجلحاء، فيقتص لها يوم القيامة. إذا كان هذا في البهائم التي لم تكلف ولم تؤمر ولم تنهى، فكيف ببني آدم؟ قال: فيتقاصون مظالم بينهم في الدنيا، حتى إذا نقوا وهذبوا -نقوا يعني أكملوا القصاص وأخذ كل واحد حقه، وهذبوا أي خلصوا من الآثام- بما يحصل بينهم من قصاص. قال: أذن لهم بدخول الجنة، يعني بعد القصاص وأخذ كل واحد حقه، بعد ذلك يدخلون الجنة. قال: فوالذي نفس محمد بيده -وهذا قسم من النبي عليه الصلاة والسلام بالله سبحانه وتعالى- والذي نفس محمد بيده والله عز وجل، وهذا من الحلف بالله سبحانه وتعالى. فتقول: فوالذي نفسه بيده. ونفسك بيد الله عز وجل. قال: لأحدهم بمنزله أدل منه في الدنيا، يعني إذا دخل أهل الجنة الجنة، فكل واحد يعرف منزله في الجنة، وهو أعرف بمنزله في الجنة بمعرفته بمنزله في الدنيا. لأحدهم بمنزله أدل منه في الدنيا، كما أنه يعرف منزله في الدنيا ولا يضيعه، فإنه في يوم القيامة إذا دخل الجنة يعرف منزله في الجنة أشد من معرفته بمنزله في الدنيا، توفيق وهداية من الله سبحانه وتعالى وإكرام وإنعام لأهل الجنة. وفي هذا الحديث بيان أن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما موجودتان، كما دلت بذلك أدلة الكتاب والسنة، وأجمع عليه العلماء خلافا لأهل البدع من المعتزلة أو غيرهم ممن أنكر ذلك. وفيه أيضا وقوع القصاص يوم القيامة، وأن القصاص لا يختص بالدنيا، لكن قصاص يوم القيامة بالحسنات والسيئات. وفيه أيضا جواز الحلف من غير استحلاف، يعني من غير أن يطلب منك أن تحلف. فوالذي نفسه محمد بيده، حلف النبي عليه الصلاة والسلام من غير أن يستحلف، وهذا جائز إذا كان المقصود منه تأكيد الكلام. أما أن يجعل الحلف ديدنا له، ما يتكلم إلا وهو يحلف والله دائما، فهذا خلاف الأحسن. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾. لكن عند الحاجة لا بأس إذا ذكرت شيئا وأردت أن تؤكده فلا بأس أن تحلف بالله سبحانه وتعالى كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام.