التعليق على مقدمة سنن الدارمي 89

الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 89، ألقاها

أهمية مذاكرة العلم والحديث

يؤكد إمام الدارمي على أهمية مذاكرة العلم والحديث مستشهدا بأقوال الصحابة والتابعين. المذاكرة تحيي العلم وتمنع نسيانه.

فضل المذاكرة في حفظ الحديث

يتناول المقطع أهمية المذاكرة في حفظ الحديث وتقوية الذاكرة، مستندا إلى آراء السلف وممارساتهم في مذاكرة العلم ليلا.

آثار السلف في المذاكرة وفضلها

يذكر المقطع أقوال العلماء والصحابة في أهمية المذاكرة، مثل ابن عباس وجابر بن عبد الله والزهري وابن مسعود، في حفظ العلم وعدم نسيانه.

تحذير من ترك المذاكرة ونسيان العلم

يشير المقطع إلى خطورة ترك المذاكرة ونسيان العلم، حيث تؤدي إلى ذهاب العلم وضياعه، مستندا إلى أقوال السلف في ذلك.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين، أما بعد. قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه: باب مذاكرة العلم. قال: أخبرنا أسد بن موسى قال: حدثنا شعبة عن الجرير وأبي مسلمة عن أبي نظرة عن أبي سعيد الخدري قال: تذاكروا الحديث، فإن الحديث يهيج الحديث. وهذا الأثر صحيح. قال رحمه الله: أخبرنا أبو نعيم قال: حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن أبي نظرة عن أبي سعيد الخدري قال: تذاكروا الحديث، فإن الحديث يهيج الحديث، وهو صحيح. قال: أخبرنا أبو معمر عن هشيم عن أبي بشر عن أبي نظرة عن أبي سعيد قال: تذاكروا الحديث، فإن الحديث يهيج الحديث. وهشيم مدلس وقد عنعن، لكن الأثر هذا السند في الشواهد. وهذا معنى هذا الأثر في الحث على مذاكرة العلم، مذاكرة الحديث، روي عن جمع من الصحابة كعلي بن أبي طالب وابن مسعود. كما أخرجه الحاكم عن علي رضي الله عنه قال: تذاكروا الحديث، فإنكم إن لم تفعلوا يندرس. وهكذا أيضا جعل ابن مسعود رضي الله عنه مذاكرة الحديث حياته. وجاء في جامع بيان العلم وفضله قال رحمه الله: أخبرنا أبو معمر عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي بشر عن أبي نظرة عن أبي سعيد قال: ... وابن عليا عن الجرير عن أبي نظرة عن أبي سعيد قال: ... أخبرنا أبو مسلمة يعني عن أبي نظرة عن أبي سعيد، وفيه كلام أكثر من هذا. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن أحمد قال: حدثنا سفيان عن عمرو قال: قال لي طاووس: اذهب بنا نجالس الناس. وهذا صحيح. قال: أخبرنا إسماعيل بن أبان قال: حدثنا يعقوب بن عبد الله القمي قال: حدثنا جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: تذاكروا هذا الحديث، لا ينفلت منكم، فإنه ليس مثل القرآن مجموع محفوظ، وإنكم إن لم تذاكروا هذا الحديث ينفلت منكم، ولا يقولن أحدكم: حدثت أمس فلا أحدث اليوم، بل حدث أمس ولتحدث اليوم ولتحدث غدا. ورجاله ثقات، فيه الحث على التحديث ومذاكرة العلم لعدم نسيانه. قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل قال: حدثنا مندل بن علي قال: حدثني جعفر بن أبي المغيرة قال: حدثني سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: ردوا الحديث واستذكروه، فإنه إن لم تذكروه ذهب، وليقولن رجل لحديث قد حدثه: قد حدثته مرة. فإنه من كان سميعه يزداد به علما، ويسمع من لم يسمع. والأثر بهذا السند الضعيف، مندل بن علي ضعيف. قال رحمه الله: أخبرنا الحكم بن المبارك قال: أخبرنا أبو عوانة عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: تذاكروا، فإن إحياء الحديث مذاكرته. ويزيد بن أبي زياد فيه ضعف. قال رحمه الله: أخبرنا قبيصة ومحمد بن يوسف قال: حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: تذاكر الحديث، فإن ذكره حياته. وقبيصة في رواية عن سفيان كلام، لكن هنا مقرون بمحمد بن يوسف، فالأثر صحيح. وقول رحمه الله: «فإن ذكره حياته» يعني ذكر الحديث ومذاكرته وتكراره حياته، بمعنى أنه يبقى في ذاكرة صاحبه فلا ينساه، وإذا أغفل عن ذكره قد يذهب وينساه. قال: أخبرنا محمد بن قدامة عن سفيان بن عيينة عن زياد بن سعد قال: كان من الزهري يحدث الأعراب. والأثر صحيح. ومعنى يحدث الأعراب يعني الذين ربما لا يفقهون ما يحدثهم به، من باب المذاكرة يذاكر الحديث معهم. قال: أخبرنا محمد بن سعيد قال: أنبأنا محمد بن فضيل عن الأعمش قال: كان إسماعيل بن رجاء يجمع صبيان الكتاب يحدثهم. يتحفظ بذلك. والأثر صحيح. يعني يفعل ذلك لأجل أن يذاكر ما معه من الحديث. وصبيان الكتاب الصغار لا شك أنهم لا يفقهون ما يقول، وليس مقصوده أن يفاهمهم ويعلمهم، وإنما مقصوده أن يذاكر ما معه من الحديث. قال: أخبرنا أبو النعمان قال: حدثنا حماد بن زيد عن أبي عبد الله الشقري عن إبراهيم قال: حدث حديثك من يشتهيه ومن لا يشتهيه، فإنه يصير عندك كأنه إمام تقرأه. والأثر صحيح. وهذا معنى مراد في الآثار عن من الزهري وإسماعيل بن رجاء في تحديثهم لمن لا يشتهي الحديث ولا يفقه ولا يفهمه، فإن المقصود من ذلك هو تقوية الذاكرة به وإحياء هذا الحديث. قال رحمه الله: أخبرنا أبو معمر ومحمد بن سعد عن عبد السلام عن حجاج -وهو ابن أرطأة- وهو ضعيف وكذلك مدلس، قال: عن عطاء عن ابن عباس قال: إذا سمعتم منا حديثا فتذاكروه بينكم. قال رحمه الله: أخبرنا أبو معمر عن هشيم قال: أخبرنا يونس قال: كنا نأتي الحسن فإذا خرجنا من عنده تذاكرنا بيننا. والأثر صحيح. قال رحمه الله: أخبرنا صدقة بن الفضل قال: حدثنا عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن حنين بن أبي حكيم عن نافع عن ابن عمر قال: إذا أراد أحدكم أن يروي حديثا فليردده ثلاثا. والأثر صحيح. يردده ثلاثا زيادة لتأكيد لتثبيت الحفظ وإحياء هذا الحديث في ذاكرته. قال: أخبرنا محمد بن سعيد قال: حدثنا محمد بن فضيل عن يزيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: إحياء الحديث مذاكرته. فقال له عبد الله بن شداد: يرحمك الله، كم من حديث أحييته في صدري كان قد مات. يعني لما ذاكره وسمع مقالة عبد الرحمن بن أبي ليلى فذاكر الحديث فأحيا هذا الحديث في ذاكرته. وهذا الأثر فيه يزيد بن أبي زياد، وفيه ضعف. قال: أخبرنا عبد الله بن سعيد قال: حدثنا محمد بن فضيل عن أبيه قال: كان الحارث بن يزيد العكلي وابن شبرمة والقعقاع بن يزيد ومغيرة إذا صلوا العشاء الآخرة جلسوا في الفقه، فلم يفرق بينهم إلا أذان الصبح. وهذا الأثر صحيح. وهذا يدل على محبة السلف للعلم وشغفهم به، حتى إنهم يجلسون في المساء في الليل بعد العشاء إلى الفجر، وهم ذاكرون العلم، وما يشعرون إلا وقد جاء المؤذن ليؤذن لصلاة الصبح. وهذا لا شك أنه لا يقع إلا لمن شغل بالعلم ومذاكرته وتحصيله عن أمور الدنيا. قال رحمه الله: أخبرنا مالك بن إسماعيل قال: سمعت شريكا يذكر عن ليث عن عطاء وطاووس ومجاهد قال: عن اثنين منهم: لا بأس بالسمر في الفقه. وليث بن أبي سليم وهو ضعيف، لكن معنى الأثر صحيح، أنه لا بأس بالسهر في الليل في الفقه وفي العلم. والنبي صلى الله عليه وسلم كره الحديث بعد العشاء، واستثنى أهل العلم، ما كان من مجالسة ضيف أو تعليم علم، فإنه لا بأس بذلك. وسدلوا بحديث ابن عمر لما حدث النبي عليه الصلاة والسلام بأنه لا يأتي بعد مئة عام أحد على وجه هذه الأرض ممن هو عليها اليوم. والحديث في البخاري. وسدل به الإمام البخاري رحمه الله على جواز الكلام والحديث في العلم بعد العشاء أو السمر بعد العشاء. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن سعيد قال: حدثنا عبد السلام عن ليث عن مجاهد قال: لا بأس بالسمر في الفقه. وليث ضعيف. قال: أخبرنا محمد بن سعيد قال: حدثنا حفص عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: تدارس العلم ساعة من الليل خير من إحيائها. وهذا الأثر منقطع، ابن جريج لم يدرك ابن عباس. قال: وأخبرنا أبو معمر ومحمد بن عيسى عن هشيم قال: أخبرنا حجاج عن عطاء قال: كنا نأتي جابر بن عبد الله فإذا خرجنا من عنده تذاكرنا، فكان أبو الزبير أحفظنا لحديثه. وهذا الأثر ضعيف، حجاج بن أبي أرطأة ضعيف. قال: أخبرنا مروان بن محمد قال: سمعت الليث بن سعد يقول: تذاكر ابن شهاب ليلة بعد العشاء حديثا، وهو جالس متوضئا، قال: فما زال ذلك مجلسه حتى أصبح. قال مروان: جعل يتذاكر الحديث. وهذا الأثر صحيح. قال رحمه الله: أخبرنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا ابن إدريس عن محمد بن إسحاق عن الزهري قال: كنت إذا لقيت عبيد الله بن عبد الله فكأنما أفجر به بحرا. والأثر صحيح. قال: أخبرنا محمد بن حميد قال: حدثنا جرير عن عثمان بن عبد الله قال: كان الحارث العكلي وأصحابه يتجالسون بالليل ويذكرون الفقه. ومحمد بن حميد والرازي ضعيف. قال: أخبرنا أبو نعيم قال: حدثنا أبو إسرائيل -إسماعيل بن خليفة- سيء الحفظ، قال: عن عطاء بن السائب عن أبيه أو عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: تذاكروا هذا الحديث، فإن حياته مذاكرته. قال: أخبرنا أبو نعيم قال: حدثنا المسعودي عن عون قال: قال عبد الله لأصحابه حين قدموا عليه قال: هل تجالسون؟ قال: ليس نترك ذاك. قال: فهل تتزاورون؟ قال: نعم يا أبا عبد الرحمن، إن الرجل منا لا يفقد أخاه فيمشي في طلبه إلى أقصى الكوفة حتى يلقاه. قال: فإنكم لن تزالوا بخير ما فعلتم ذلك. وعون وهو ابن أخت ابن مسعود لم يدركه، فهو منقطع. والمسعودي مختلط. قال: أخبرنا محمد بن المبارك قال: حدثنا الوليد عن الأوزاعي عن الزهري قال: آفة العلم النسيان وترك المذاكرة. وهذا الأثر بهذا السند فيه ضعف، الوليد بن مسلم مدلس وقد عنعن، لكن الأثر صحيح من طرق أخرى. فآفة العلم النسيان يعني ذهاب العلم بنسيان ترك المذاكرة، فينسى العلم ويذهب، وحياته بالمذاكرة. ولكن جاء في أثر آخر عن الزهري: آفة العلم النسيان وحياته مذاكرته. قال: أخبرنا جعفر بن عون قال: أنبأنا أبو عميس عن القاسم قال: قال عبد الله: آفة الحديث النسيان. والقاسم هو ابن عبد الرحمن المسعودي لم يسمع من عبد الله بن مسعود. قال: أخبرنا محمد بن يوسف عن سفيان عن طارق عن حكيم بن جابر قال: قال عبد الله: إن لكل شيء آفة، وآفة العلم النسيان. والأثر صحيح. قال: أخبرنا عبد الله بن سعيد قال: حدثنا أبو أسامة عن الأعمش قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آفة العلم النسيان وإضاعته أن تحدث به غير أهله. وهذا الأثر معظم فضل، لأن الأعمش لم يدرك النبي عليه الصلاة والسلام. قال: أخبرنا عفان قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: أنبأنا أبو حمزة الثمالي -قال فيه أبو حاتم: شيخ- وهذه الكلمة تعتبر من أواخر الجرح وأوائل التعديل، قال: عن الحسن قال: غائلة العلم النسيان. والأثر يعني معناه حسن أوصله بالشواهد. قال: أخبرنا عثمان بن عمر قال: أخبرنا كهمس عن ابن بريدة قال: قال علي: تذاكروا هذا الحديث وتزاوروا، فإنكم إن لم تفعلوا يدرس. وهذا الأثر صحيح. قال: أخبرنا بشر الحكم قال: سمعت سفيان يقول: قال الزهري: كنت أحسب بأني أصبت من العلم، فجالست عبيد الله فكأني كنت في شعب من الشعاب. وهذا الأثر صحيح. فهذه الآثار تدل على الحث على مذاكرة العلم، فإن ذلك إحياء له، وأن ترك المذاكرة سبب لنسيان العلم وذهابه. إلى هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على