كتاب الصلاة 44

كتاب الصلاة 44

الدرس في كتاب الصلاة 44، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة المغرب

النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة المغرب بسورة المرسلات ومرة أخرى بسورة الطور، مما يدل على جواز قراءة بطوال المفصل في المغرب أحيانا. الغالب هو القراءة بقصار المفصل في المغرب.

استحباب قراءة قصار المفصل في صلاة العشاء

يستحب قراءة قصار المفصل في صلاة العشاء أحيانا، كما قرأ النبي عليه الصلاة والسلام سورة التين والزيتون في صلاة العشاء. النبي كان يقرأ بأوساط المفصل في العشاء غالبا.

جواز الاهتمام خلف المتنفل وتوجيهات النبي لمعاذ

يجوز أن يكون الإمام متنفلاً والمأمومون يصلون فريضة، كما حدث مع معاذ بن جبل خلف النبي عليه الصلاة والسلام. النبي وجه معاذ بقراءة سور معينة لتخفيف الصلاة على المأمومين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم الحجاج أبو الحسين بن يسار القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: إن أم الفضل بنت الحارث سمعته وهو يقرأ «والمرسلات عرفا»، فقالت: يا بني، لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب. وهذا الحديث في أن النبي عليه الصلاة والسلام قرأ في المغرب بسورة المرسلات، وسورة المرسلات تعد من طوال المفصل، فيدل هذا على جواز القراءة بنحو ذلك في المغرب، القراءة بطوال المفصل. كما سيأتي بقراءته عليه الصلاة والسلام سورة الطور، فهذا مما يستحب أحيانا. لماذا أحيانا؟ لأن الغالب في صلاة النبي عليه الصلاة والسلام في المغرب التقصير والقراءة بقصار المفصل، هذا هو الأكثر الذي كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمر الناقد، قالا: حدثنا سفيان... قال: وحدثني حرملة بن يحيى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس... قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد، قالا: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر... قال: وحدثنا عمر الناقد، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا أبي، عن صالح، كلهم عن الزهري بهذا الإسناد، وزاد في حديث صالح: «ثم ما صلى بعد حتى قبضه الله عز وجل»، يعني هذه آخر صلاة صلاها النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة المغرب، وقرأ فيها بسورة المرسلات، ثم استمر في مرضه عليه الصلاة والسلام حتى توفاه الله. قال: وحدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بالطور في المغرب. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، قالا: حدثنا سفيان... قال: وحدثني حرملة بن يحيى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس... قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد، قالا: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، كلهم عن الزهري بهذا الإسناد مثله. وفي هذا الحديث حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه أنه سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ بالطور في المغرب، يعني بسورة الطور في صلاة المغرب. وهذا كما ذكرنا أنه يشرع ويستحب القراءة بطوال المفصل في المغرب أحيانا. قال: وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا شعبة، عن عدي، قال: سمعت البراء يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان في سفر، فصل العشاء الآخرة، فقرأ في إحدى الركعتين ﴿والتين والزيتون﴾. وحديث البراء هذا يدل على استحباب القراءة في صلاة العشاء بقصار المفصل أحيانا. لماذا نقول أحيانا؟ لأنه الغالب الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة العشاء القراءة بأوساط المفصل، كما سيأتي في ذكر بعض الأحاديث الدالة على ذلك. وهنا قرأ بقصار المفصل «التين والزيتون» من قصار المفصل. قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، أنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء، فقرأ «بالتين والزيتون». قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا مسعر، عن عدي بن ثابت، قال: سمعت البراء بن عازب، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في العشاء «بالتين والزيتون»، فما سمعت أحدا أحسن صوتا منه، أي من النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا في أن النبي عليه الصلاة والسلام كان ذا صوت حسن عليه الصلاة والسلام في قراءة القرآن. قال: حدثني محمد بن عباد، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن جابر، قال: كان معاذ يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يأتي فيؤم قومه، فصل ليلة مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء، ثم أتى قومه فأمهم، فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجل، فسلم، ثم صلى وحده، وانصرف. فقالوا له: أنت منافق يا فلان. قال: لا والله، ولأتين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلأخبرنه. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إن أصحاب نواضح نعمل بالنهار -النواضح: الإبل التي يستقى بها الماء- قال: إن أصحاب نواضح نعمل بالنهار، وإن معاذا صلى معك العشاء، ثم أتى فافتتح بسورة البقرة. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على معاذ، فقال: يا معاذ، فتان أنت؟ اقرأ بكذا، واقرأ بكذا. قال سفيان: فقلت لعمرو: إن أبا الزبير حدثنا عن جابر، أنه قال: «اقرأ بالشمس وضحاها، والضحى، والليل إذا يغشى، وسبح اسم ربك الأعلى». قال: فقال عمرو: نحو هذا. هذا الحديث حديث جابر رضي الله عنه أن معاذ رضي الله عنه كان يصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام العشاء، ثم يأتي إلى قومه فيصلي بهم. هذا فيه جواز اهتمام المفترض خلف المتنفل. اهتمام المفترض خلف المتنفل أن يكون الإمام متنفلا والمأمومون يصلون فريضة. قال: وحدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا الليث... قال: وحدثنا ابن رمح، قال: أخبرنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: صلى معاذ بن جبل الأنصاري لأصحابه العشاء، فطول عليهم، فانصرف رجل منا، فصل، فأخبر معاذ عنه، فقال: إنه منافق. فلما بلغ ذلك الرجل، أي كلام معاذ، دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: فأخبره ما قال معاذ، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: أتريد أن تكون فتانا يا معاذ؟ إذا أممت الناس، فاقرأ «بالشمس وضحاها»، و«سبح اسم ربك الأعلى»، واقرأ «باسم ربك» و«الليل إذا يغشى». قال: وحدثنا يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا هشيم، عن منصور، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله، أن معاذا كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة. وهذا فيه جواز تسمية العشاء بالعشاء الآخرة، خلافا لمن أنكر ذلك. قال: وحدثنا قتيبة بن سعيد أبو الربيع الزهراني، قال: أبو الربيع، حدثنا حماد، قال: حدثنا أيوب، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله، قال: كان معاذ يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء، ثم يأتي مسجد قومه فيصلي بهم. قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا هشيم، عن إسماعيل، عن أبي خالد، عن قيس، أو عن أبي حازم، قال: عن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني لا أتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا. فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ، فقال: «يا أيها الناس، إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس، فليوجز، فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة». هذا الحديث فيما يتعلق بالأمر بالتخفيف في الصلاة، وما جاء في ذلك من الأحاديث، نجعله إن شاء الله في الدرس القادم بإذن الله. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.