المحاضرة بعنوان أخلاق حملة القران للإمام الآجري 4، مجلس علمي والذي كان بجامع التوحيد بمدينة تريم بحضرموت يوم الاثنين من بعد صلاة العصر إلى بعد صلاة العشاء 12 محرم 1447هـ الموافق 7 يوليو 2025م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستعرض المقطع الآداب الواجبة على مقرئ القرآن عند تعليمه، مؤكداً على التواضع، واستقبال القبلة، والرفق بالطلبة، والعدل بين الغني والفقير دون تمييز. ويستدل بآيات وأحاديث وآثار سلفية تحث على الإنصاف وتنهي عن تصعير الخد وطرد الفقراء إرضاءً للأغنياء.
يروي قصة طلب الأقرع وعيينة من النبي ﷺ إبعاد الفقراء، ونزول الوحي بالأمر بالصبر معهم وعدم طردهم، مع ثبوت الأصل في صحيح مسلم. يستخلص منها وجوب عدم تفضيل الأغنياء، واختبار الطالب في الفاتحة أولاً، ثم تعليم ما تيسر، وإنصات المعلم لتلاوة الطالب اقتداءً بالنبي ﷺ مع ابن مسعود.
يبرز حرص النبي ﷺ على سماع القرآن من غيره للتدبر، ويبين آداب التعليم بقراءة طالب واحد للإتقان مع جواز التلقين الجماعي للمبتدئين. يؤكد على الرفق بالمتعلم وتجنب التعنيف، مستدلاً بأحاديث التيسير وأثر عمر بن الخطاب، وينهى عن استغلال المعلم لطلابه في قضاء حوائجه.
يوضح ورع السلف في تنزيه تعليم القرآن عن مطامع الدنيا، فمنعوا المعلم من سؤال تلاميذه حوائجهم أو الانتفاع بهم، وأوجبوا شكر الله ثم شكر من سخره الله. يستدل بحديث «اقرؤوا القرآن ولا تأكلوا به» محذراً من الغلو والجفاء واتخاذ القرآن وسيلة للكسب.
يبيّن الدرس المنهج الوسط في التعاطي مع القرآن الكريم محذرًا من الغلو والجفاء، ويؤكد أن طلب العلم الشرعي لابد أن يكون خالصًا لوجه الله تعالى لا للدنيا. كما يشدد على صيانة العلم بوضعه في أهله وعدم إهانته ببذله لمن لا يقدر قدره.
يتناول المقطع آداب حملة القرآن وتوقيرهم، ويناقش ضعف إسناد حديث "من جعل الهم همًا واحدًا" مع وجود شواهد له. ثم يستعرض أقسام القراء الثلاثة: المتجر بالقرآن، والمحسن تلاوةً المقصر عملاً، والمتعبد به آناء الليل والنهار.
يؤكد المقطع وجوب تحلي طالب العلم بالصبر وحسن الخلق مع شيخه، وعدم الملل أو الضجر، بل شكره وتعظيم قدره حتى مع الجفاء. ويستدل بأحاديث وآثار تبين أن إجلال الكبير ورحمة الصغير ومعرفة حق العالم من خصال الإيمان، وأن سوء الأدب سبب للحرمان.
يشدد النص على وجوب لزوم تلميذ القرآن لشيخ واحد وعدم التنقل بين المشايخ أو خلط القراءات حتى الإتقان، مع تفصيل آداب التلميذ في عدم قطع القراءة إلا بإذن. كما يفسر آية أولي الأمر بأنهم العلماء والأمراء مستدلاً بأحاديث تحذر من الاختلاف في القرآن.
يستحب للقارئ إذا فرغ من القراءة على شيخه في المسجد أن ينصرف بوقار وسكينة، وأن يشغل طريقه بمراجعة ما تلقاه ليحفظه ويتقنه ويثبت في صدره.
يستعرض المقطع آداب القارئ مع القرآن من التطهر والسواك وتعظيم المصحف، ويبين حكم قراءة الجنب والحائض وسجود التلاوة. كما يوضح آداب الجلوس في المسجد من استغلال الوقت بالطاعة، وحفظ اللسان عن الغيبة، وتنزيه بيوت الله عن اللهو والنظر في الجوالات.
يبيّن المقطع مشروعية سجود التلاوة وكيفية أدائه، واستحباب الخشوع والبكاء والتدبر، وآداب التفاعل مع آيات الوعد والوعيد. كما يتناول حكم القراءة عند النعاس أو الحدث، وفضل السواك، وآداب الانقطاع عن القراءة للعوارض كالتثاؤب والريح.
يناقش المقطع ضعف أحاديث منع الجنب والحائض من القراءة مع ترجيح جوازها عن ظهر قلب، ويؤكد على محاسبة النفس بعد التلاوة والانتفاع بالقرآن، ويختتم بمشروعية تحسين الصوت بالقرآن دون تكلف أو خروج عن أحكام التجويد.
يفصل المقطع في تزيين القرآن بالصوت المشروع وهو الصوت الطبيعي مع مراعاة التجويد دون تكلف، مقابل القراءة بالألحان والمقامات الموسيقية بتصنع وتكلف وهي مكروهة عند الجمهور لتشبهها بالغناء وصرف القلب عن التدبر.
يؤكد المقطع على وجوب قراءة القرآن بحزن وخشوع وتدبر للوعد والوعيد، مستدلاً بأحاديث وآيات تأمر بالترتيل والتبيين، ويذم من يسمع القرآن فلا يخشع قلبه، مبيناً أن الترتيل يعين على الفهم والانتفاع بالقرآن.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فتتمة لمجالسنا في قراءة كتاب "أخلاق حملة القرآن" للإمام الآجري رحمه الله. قال: "باب أخلاق المقرئ إذا جلس يقرئ ويلقن لله عز وجل، ماذا ينبغي له أن يتخلق". فهذا الباب عقده رحمه الله في بيان الأخلاق التي ينبغي أن يتخلق بها المقرئ مع من يقرئهم من الطلبة. قال محمد بن الحسين: ينبغي لمن علمه الله تعالى كتابه، فأحب أن يجلس في المسجد يقرئ القرآن لله تعالى، أن يغتنم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، فينبغي له أن يستعمل من الأخلاق الشريفة ما يدل على فضله وصدقه. وهذا فيه تنبيه لمن جلس للإقراء أن يستحضر مثل هذا الحديث: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، فيكون عنده الرغبة والقصد إلى نيل هذه الخيرية، وممن يشمله هذا الحديث من الفضل، وهذا مما يعينه على صدق النية وكذلك إخلاص العمل. قال: وهو أن يتواضع في نفسه إذا جلس في مجلسه، ولا يتعاظم في نفسه، أن يكون متواضعاً، ما يكون عنده شيء من التعاظم والعجب والغرور. قال: وأحب له أن يستقبل القبلة في مجلسه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل المجالس ما استقبل به القبلة». وهذا الحديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، وضعفه العلامة الألباني رحمه الله في "الضعيفة". وجهة القبلة لا شك أنها أشرف الجهات وأفضلها لمن أراد أن يذكر الله أو يقرأ القرآن أو يدعو الله سبحانه وتعالى، لكن ليس بلازم لمن أراد أن يقرأ أن يستقبل القبلة، أو من أراد أن يقرأ أن يستقبل القبلة ليس بشرط، لكن هو الأفضل إن تيسر، وإلا جلس في أي موضع من المسجد يقرأ القرآن. قال: ويتواضع لمن يلقنه القرآن، يعني يكون متواضعاً مع من يلقنهم القرآن، ما يتكبر عليهم لكونه المعلم وهم الطلبة، وسواء كانوا كباراً أو صغاراً، فيتواضع للجميع، ويقبل عليه إقبالاً جميلاً، يقبل عليه يعني على الطالب إقبالاً جميلاً مما يدخل عليه الفرح والسرور والأنس، ومحبة هذا المجلس، وكذلك محبة ما يطلب من تعلم كتاب الله جل وعلا. قال: وينبغي له أن يستعمل مع كل إنسان يلقنه ما يصلح لمثله، إذا كان يتلقن عليه الصغير والكبير، والحدث والغني والفقير، فينبغي له أن يوفي كل ذي حق حقه، ويعتقد الإنصاف، إن كان يريد الله بتلقينه القرآن، يعني يكون منصفاً عادلاً مع الجميع، لا يفرق بين غني وفقير، فيقرب هذا ويبعد ذاك، ويحسن إلى هذا الغني ويسيه، ويشد على الفقير، لا، ليس هذا من العدل، العدل أن يعامل الجميع معاملة واحدة. قال: فلا ينبغي له أن يرفق بالغني ويخرق على الفقير، يخرق على الفقير يعني يعامله بالجهل والقسوة، فالخرق ضد الرفق. وقد جاء في الآثار بعض حديث الرفق، عند الإمام البخاري في "الأدب المفرد"، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما كان الرفق في شيء قط إلا زانه، وما نزع من شيء قط إلا شانه، وإن الله رفيق يحب الرفق». قال: قال: فإن فعل هذا فقد جار في فعله، فحكمه أن يعدل بينهما. ثم ينبغي له أن يحذر على نفسه التواضع للغني والتكبر على الفقير، بل يكون متواضعاً للفقير، مقرباً لمجلسه، متعطفاً عليه، يتحبب إلى الله بذلك. نعم، يحسن إلى الجميع، ويعامل الجميع معاملة واحدة، والفقير أولى، الفقير أولى بالعطف والإحسان، لكونه يعني في منزل أدنى من الغني، فلهذا يحتاج إلى زيادة عناية، ومع هذا فهو يعامل الجميع معاملة واحدة، ولا يفرق بينهما بما يدخل الشحناء والبغضاء في قلوبهم. قال: حدثنا أبو بكر بن أبي داود، قال: حدثنا إسحاق بن الجراح الأذني، ومحمد بن عبد الملك الدقيقي، قال: حدثنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، في قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: 18]، قال: يكون الغني والفقير عندك في العلم سواء. أي فسر هذه الآية: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾، والمراد بتصعير الخد إمالة الرأس والعنق عند ملاقات الإنسان، لأن هذا فيه شيء من الكبر والغرور، وهو أصل التصعير من الصعر، وهو داء يصيب الإبل، داء يصيب الإبل فيجعلها تلوي أعناقها، فنهى الله عز وجل عن ذلك. قال الربيع بن أنس: يكون الغني والفقير عندك في العلم سواء، يعني لا تقبل على الغني وتعرض عن الفقير، لا، عاملهما معاملة واحدة. قال: حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا بشر بن خالد العسكري، قال: حدثنا شبابة، يعني ابن سوار، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾، قال: يكون الغني والفقير عندك في العلم سواء. قال محمد بن الحسين: ويتأول فيه ما أدب الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وسلم، حيث أمره أن يقرب الفقراء ولا تعد عيناه عنهم، إذ كان قوم أرادوا الدنيا، فأحبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدني منهم مجلسهم، وأن يرفعهم على من سواهم من الفقراء، فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما سألوا، لا لأنه أراد الدنيا، ولكنه يتألفهم على الإسلام، فأرشد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على أشرف الأخلاق عنده، فأمره أن يقرب الفقراء وينبسط إليهم، ويصبر عليهم، وأن يباعد الأغنياء، يباعد الأغنياء الذين يميلون إلى الدنيا، ففعل صلى الله عليه وسلم، وكانت هذه الحادثة في أول الإسلام، حين كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى دين الله سبحانه وتعالى، فكان حول النبي عليه الصلاة والسلام عدد من فقراء الصحابة، كصهيب وسلمان وبلال، وجاء بعض أشراف أهل مكة، فأرادوا الجلوس مع النبي عليه الصلاة والسلام، فطلبوا أن يعزل هؤلاء الفقراء، وأن يخص لهم مجلساً خاصاً بهم، وأن لا يجلسوا معهم، وهمّ النبي عليه الصلاة والسلام أن يفعل ذلك، فنزل قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 52]. قال: «فأنا أذكر ما فيه ليكون الناظر في كتابنا فقيهاً بما يتقرب به إلى الله عز وجل، يقرئ لله عز وجل، ويغتضي ثوابه من الله جلّة عظمته، لا من المخلوقين». قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا عمر بن محمد العنقزي، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، عن أبي سعيد الأزدي، وكان قارئ الأزد، عن أبي الكنود، عن خباب بن الأرت، في قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صهيب وبلال وعمار وخباب، في أناس من الضعفاء من المؤمنين، فقالا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا به العرب، نأتيك فنستحي أن ترى العرب مع هذه العبيد، فإذا نحن جئناك فنحِّهم عنا، أو كما قالا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، فقال: نعم، فقالا: فاكتب لنا عليك كتاباً، قالا: فدعا بالصحيفة، ودعا علياً رضي الله عنه ليكتب، ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريل عليه السلام، فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، ثم ذكر الأقرع وعيينة، فقال عز وجل: ﴿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: 53]، ثم قال عز وجل: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54]، قال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس معنا، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 28]، يقول: لا تعد عيناك عنهم وتجالس الأشراف، ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]، يعني عيينة والأقرع، ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ﴾ [الكهف: 32]، ومثل الحياة الدنيا. قال: فكنا نقعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا بلغنا الساعة التي يقوم، قمنا وتركنا حتى يقوم. هذا الحديث في هذه القصة أخرجه النسائي رحمه الله في سننه، وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: هذا حديث غريب، إن هذه الآية مكية، إن هذه الآية مكية، والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر. وقول الحافظ: هذا حديث غريب، معناه ضعيف، معناه ضعيف، هذا الاصطلاح عند الإمام البخاري، وعند الإمام الترمذي، وعند الإمام المزي، إذا قالوا: هذا حديث غريب، بمعنى ضعيف. لكن أصل القصة ثابتة، أصل القصة ثابتة بصحيح مسلم، من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي عليه الصلاة والسلام: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، وكنت أنا وابن مسعود، ورجل منهذيل، وبلال، ورجلان لست أسميهما، ووقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء أن يقع، وحدث نفسه يعني بهذا الأمر، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. فالمقصود أن الله عز وجل نهى نبيه عليه الصلاة والسلام عن طرد هؤلاء الفقراء من أجل تقريب أولئك الأغنياء، فلا يفعل المقرئ مثل ذلك، يقرب الأغنياء ويبعد الفقراء. قال محمد بن الحسين رحمه الله: أحق الناس باستعمال هذا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل القرآن، إذا جلسوا لتعليم القرآن يريدون به الله عز وجل، أي هم أولى أن يعاملوا من يدرسونهم بهذه المعاملة، ويتخلقوا بهذه الأخلاق الفاضلة. قالوا: حدثنا الفريابي، قال: حدثنا يزيد بن خالد بن موهب الرملي، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن هارون بن أبي وكيع، قال: سمعت زابان أبا عمر، يقول: دخلت على ابن مسعود، فوجدت أصحاب الخز واليمنية قد سبقوا إلى المجلس، أصحاب الخز واليمنية يعني ثياب تصنع، ويريد أنهم ممن يلبس الثياب الحسنة والثياب الجميلة، قال: قد سبقوا إلى المجلس، فناديته: يا عبد الله، من أجل أني رجل أعمى، أدنيت هؤلاء وأقصيتني، فقال: أدنه، فدنوت حتى ما كان بيني وبينه جليس، يعني لما قال هذا، قربه ابن مسعود حتى جعله بجانبه، ليس بينه وبينه طالب. قال: وأحب له إذا جاء من يريد أن يقرأ عليه، من صغير أو حدث أو كبير، أن يعتبر كل واحد منهم قبل أن يلقنه، من سورة البقرة، يعتبره بأن يعرف ما معه من الحمد، يعني من سورة الفاتحة، يقول: إذا جاءك الطالب يريد أن يتعلم عندك القرآن، قبل أن تقرئه من سورة البقرة، أولاً أنظر كيف حفظه وتلاوته لسورة الفاتحة، فابدأ معه من سورة الفاتحة، تصحح له قراءتها، لأن قراءة الفاتحة كما تعلمون ركن من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بها، فالعناية بها أولى، العناية بها أولى من غيرها من السور. قال: إلى مقدار ربع سبع، أو أكثر مما يؤدي به صلاته، ويصلح أن يؤم به في الصلوات إذا احتيج إليه، يعني تبدأ معه بالفاتحة وما يتيسر من السور، ربع جزء، ربع سبع، يعني نحو جزء، نحو جزء تقريباً، كجزء عمّا مثلاً، فتلقنه الفاتحة وجزء عمّا، حتى يستعين بها على صلاته، إذا صلى وقرأ، أو احتيج له في الإمامة، فعنده من القرآن ما يقرأه في الصلاة مما يجيد قراءته. قال: فإن كان يحسنه، يعني قد يحسن الفاتحة وما يتيسر من القرآن، قال: وكان تعلمه في الكتاب أصلح من لسانه وطومه، حتى يصلح أن يؤدي فرائضه، ثم يبتدئ فيلقنه من سورة البقرة، يعني إذا كان يحفظ الفاتحة وجزء عمّا مثلاً، فإنك تعينه على استقامة لسانه في قراءة هذه السور، حتى يقرأها قراءة صحيحة وقراءة متقنة، ثم مع ذلك تلقنه من سورة البقرة فما بعدها. قال: وأحب لمن يلقن إذا قرأ عليه أن يحسن الاستماع إلى من يقرأ عليه، ولا يشتغل عنه بحديث ولا غيره، فبالحري أن ينتفع به من يقرأ عليه، وكذا ينتفع هو أيضاً، بمعنى أن المقرئ إذا جاء الطالب ليقرأ عليه القرآن، ينبغي أن يستمع لقراءته، لا ينشغل بكلام وحديث مع غيره، بل يستمع، حتى ينتفع هو أيضاً من هذا السماع، فيحصل له النفع، فليس المقصود مجرد يعني إتقان القراءة، كما أن المقصود أن تنتفع أيضاً أنت بما تسمع من القرآن، وتنالك بذلك رحمة الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل يقول: ﴿فَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204]، حتى تنالك رحمة الله سبحانه وتعالى، فلابد من حسن الاستماع. قال: ويتدبر ما يسمع من غيره، وربما كان سماعه للقرآن من غيره له فيه زيادة منفعة وأجر عظيم، ويتأول قول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، يتأول قول الله أن يعمل بما في هذه الآية، حتى يكون من أهلها. قال: فإذا لم يتحدث مع غيره وأنصت إليه، أدركته الرحمة من الله سبحانه، وكان أنفع للقارئ عليه. قال: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود: «اقرأ علي»، قلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري». النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يستمع القرآن من غيره، مع أنه كان يحفظه عليه الصلاة والسلام حفظاً متقناً، لكن مع هذا يحب أن يسمع القرآن من غيره، لأن هذا مما يعين السامع على تدبر القرآن، وعلى الانتفاع به. قال: وحدثنا الفريابي، قال: حدثنا محمد بن الحسن البلخي، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا سفيان، عن سليمان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن ابن مسعود، قال: قال رسول، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ علي»، فقلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «أحب أن أسمعه من غيري»، قال: فافتتحت سورة النساء، فلما بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]، قال: فرأيت عينيه تذرفان، قال لي: «حسبك». والحديث أخرجه البخاري ومسلم. إذا النبي صلى الله عليه وسلم كان ينصت لسماع القرآن، ويحب أن يسمعه من غيره عليه الصلاة والسلام، وقد استمع أيضاً لقراءة أبي موسى الأشعري، ولما أخبره النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، أنه كان يستمع لقراءته، قال: لو كنت أعلم لحبرته لك تحبيراً، وكان أبي موسى الأشعري حسن الصوت، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام فيه: «لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود». قال محمد بن الحسين: أحب لمن كان يقرئ ألا يدرس عليه وقت الدرس إلا واحد، ولا يكون ثانٍ معه، فهو أنفع للجميع، وأما التلقين فلا بأس أن يلقن الجماعة. نعم، يعني في وقت القراءة والعرض أو التلقين، لا يقرأ عليه أكثر من واحد، وإنما يقرأ طالب واحد فقط، فيحصل بذلك الانتفاع وإتقان ما يقرأه هذا الطالب، لأن بعض المقريين ربما يجعل ثلاثة أو أربعة يقرؤون في وقت واحد، ويصحح لهذا ويصحح لهذا، ويجعل هذا من المهارة، يجعل هذا من المهارة، وهذا لا شك فيه ما فيه، يعني من العجب والغرور والفخر، فالذي ينبغي أنك تقرأ واحداً فقط، وأما التلقين فلا بأس أن تلقن الجماعة، أن طالب صغار يحتاجون إلى تصحيح القراءة، فتلقنهم جميعاً، تقرأ وهم يقرؤون بعدك، فالتلقين لا بأس أن يكون للجماعة، أما العرض والتصحيح فيكون لواحد. قال: وينبغي لمن قرأ عليه القرآن فأخطأ فيه القارئ أو غلط، ألا يعنفه، وأن يرفق به، ولا يجفو عليه، ويصبر عليه، فإني لا آمن أن يجفو عليه فينفر عنه. نعم، إذا أخطأ الطالب، ينبغي للمقرئ أن لا يعنفه، يعني ما يشد عليه ويقسو عليه، ويأتي بعبارات قاسية تجعله ينجرح أمام إخوانه، وربما يعني يكون سبباً في نفرته، أن ينفر، أن ينفر ويترك الحلقة، ولا يأتي بعد ذلك، والسبب هي الشدة والقسوة التي يجدها من مدرسه. قال: وبالحري ألا يعود إلى المسجد، يعني يخرج خلاص، يترك المسجد ويترك الحلقة، وما تدري إلا وذهب إلى، يعني إلى اللعب وله المباريات، أو إذا بيجلس في مجالس النت ومقاهي الشبكات، والسبب سوء المعاملة والقسوة والغلظة التي وجدها. قال: وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «علموا ولا تُعنِّفوا، فإن المعلم خير من المعنِّف». وهذا المعنى صحيح، أن المعلم ينبغي له أن لا يعنف الطالب في تعليمه، لكن هذا الحديث بهذا اللفظ ضعيف، لهذا صدره المصنف بصيغة التمريض، وقد روي، فهو ضعيف، فيه حميد بن أبي سويد مجهول الحديث. قال: وقال صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثتم ميسِّرين، ولم تُبعثوا معسِّرين»، والحديث في البخاري. «إنما بعثتم ميسِّرين»، ينبغي التيسير هو الأغلب في المعاملة، لا التعسير والشدة. قال: حدثنا حامد بن شعيب البلخي، قال: حدثنا بشر بن الوليد، حاء، إيش، حي، هذه تحويل السند، وقد تستعمل أيضاً اختصار الحديث، أيه، أيضاً أمر ثالث، أمر ثالث، اختصار حدثنا، تحويل السند، وتستعمل أيضاً اختصار الحديث، وتستعمل أيضاً اختصار حدثنا. قال: وحدثنا عمر بن أيوب السقطي، قال: حدثنا الحسن بن عرفة، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن حميد بن أبي سويد، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «علموا ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف»، والحديث أخرجه الطيالسي في مسنده، وضعفه العلامة الألباني في "الضعيفة"، وقال: منكر. قال: وحدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا علي بن الجعد، قال: أخبرنا شعبة، عن أبي التياح، قال: سمعت أنس بن مالك يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا»، والحديث في الصحيحين. قال: أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، قال: حدثنا محمد بن بكار، قال: حدثنا عن بسر بن عبد الواحد، عن عمر بن عامر البجلي، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والحلم، وتواضعوا لمن تعلمون، وليتواضع لكم من تعلمون، ولا تكونوا جبابرة العلم، فلا يقوم علمكم بجهلكم». نعم، فهذا الأثر فيه حث على التواضع والسكينة والتيسير في باب التعليم، وأن يكون المعلماً حليماً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يوقى الشر يوقه» أو «يتقي الشر يوقه». تواضعوا لمن تعلمون، يكون متواضعاً لمن يتعلم عندك، ومن يتعلم عندك يتواضع لمعلمه، فكما أن المعلم يحتاج للتواضع للتلميذ، كذلك التلميذ يحتاج أن يتواضع لمعلمه، وبهذا يحصل الخير. قال محمد بن الحسين رحمه الله: فمن كانت هذه أخلاقه انتفع به من يقرأ عليه. ثم أقول: إنه ينبغي لمن كان يقرأ القرآن لله جلّة عظمته، أن يصون نفسه عن استقضاء الحوائج ممن يقرأ عليه القرآن، وأن لا يستخدمه، ولا يكلفه حاجة يقوم بها، بمعنى أن من الآداب لحملة القرآن، ومن يقرأ الناس القرآن، أن يتجنب تكليف من يقرئهم من التلاميذ والطلاب في قضاء حوائجه ومصالحه، وهذا ليس من الأخلاق الحسنة التي يكون عليها المقرئ، أنه يستخدم طلابه في قضاء حوائجه، هذا يأمره أن يذهب إلى السوق يأتي له بحاجته، وهذا يقول له: افعل كذا، وهذا افعل كذا، فيجعلهم عنده كالخدم، لا، هذا ما ينبغي، ما ينبغي أن يكون المقرئ كذلك. قال: واختار له إذا عرضت له حاجة أن يكلفها لمن لا يقرأ عليه، إذا له حاجة يريد حاجة أن يقضيها، يختار شخصاً لا يقرأ عنده، شخصاً لا يقرأ عنده. قال: ويحب له أن يصون القرآن من أن تقضى له به الحوائج، وذلك أن القرآن مقامه أعظم وأجل من ذلك. قال: فإن عرضت له حاجة سأل مولاه الكريم قضاءها، فإذا ابتدأه أحد من إخوانه من غير مسألة منه فقضاها له، شكر الله تعالى إذ صانه عن المسألة، وذل لأهل الدنيا، وإذ سهّل الله له قضاءها، ثم يشكر لمن أجري ذلك على يديه، فإن هذا واجب عليه. يعني يقول: إذا جاء من يسأله أن يقضي حاجته من غير أن يطلب ذلك، علم أن شيخه له حاجة، فقال: أنا أقضيها لك، من غير أن يطلب منه، فلا بأس، فلا بأس بذلك، أما هو أن يسأل الطلاب ويأمرهم في قضاء حوائجه، فلا. فإذا قضي حاجته، شكر الله أن سخر له من يقضي حاجته، ثم يشكر هذا الذي قضى حاجته، لأنه لا يكمل شكر الله إلا بشكر الناس، لا يشكر الله من لا يشكر الناس. قال: وقد رويت فيما ذكرت أخبار تدل على ما قلت، وأنا أذكرها ليزداد الناظر في كتابنا بصيرة، إن شاء الله تعالى. قال: حدثنا أبو الفضل العباس بن يوسف الشكلي، قال: حدثنا إسحاق بن الجراح الأذني، قال: حدثنا الحسن بن الربيع البوراني، قال: كنت عند عبد الله بن إدريس، فلما قمت قال لي: سل عن سعر الأشنان، الأشنان مادة تستعمل في التنظيف كالصابون، قال: فلما مشيت ردني، فقال لي: لا تسل، فإنك تكتب عني الحديث، وأنا أكره أن أسأل من يسمع مني الحديث حاجة. انظروا إلى كمال الورع، مع أنه ما طلب منه شيء، قيل عليه مجرد أن يسأل عن سعر هذه البضاعة، لكن رأى أن الذي ينبغي ترك ذلك، لأنه ممن يقرأ عليه، فيكون ذلك من استخدامه من أجل القراءة، فنهى أن يسأل عن هذه الحاجة. قال: وحدثنا أبو الفضل، قال: حدثنا إسحاق بن الجراح، قال: خلف بن تميم، مات أبي وعليه دين، فأتيت حمزة الزيات، حمزة الزيات أحد القراء السبعة المشهورين، قال: فسألته أن يكلم صاحب الدين أن يضع عن أبي من دينه شيئاً، فقال لي حمزة رحمه الله: ويحك، إنه يقرأ علي القرآن، وأنا أكره أن أشرب من بيت من يقرأ علي القرآن الماء. انظر الورع، لما جاء إلى حمزة الزيات يطلب منه أن يكلم هذا الرجل الذي عنده دين لأبيه، أبى ذلك، قال: هذا الرجل يقرأ عندي القرآن، كيف أكلمه وأطلب منه ذلك، وأنا أكره أن أشرب الماء ممن يقرأ عندي القرآن، فضلاً أن أسأله مثل هذه الحاجة. قال: وهذا كما سمعتم من، يعني ورع السلف رحمهم الله، في تنزيه القرآن أن يستخدم في قضاء الحوائج ومطالب الدنيا. وقد ذكر الإمام الخطيب رحمه الله كذلك عن جرير بن عبد الحميد، قال: مر بنا حمزة الزيات، فاستسقى الماء، وقعد، طلب الماء ليشرب، قال: ودخلت البيت، فلما أردت أن أناوله، نظر إلي، فقال: أنت هو؟ أي أنت من طلبت منه أن يحضر الماء، قلت: نعم، قال: أليس تحضرنا في القراءة؟ قلت: نعم، قال: رده، وأبى أن يشرب، وقام ومضى، أبى أن يشرب الماء، لأن هذا الذي سأله أن يأتي له بالماء من طلابه الذين يقرأون عنده. قال: حدثنا جعفر بن محمد الصندلي، قال: حدثنا الفضل بن زياد، قال: حدثنا عبد الصمد بن يزيد، قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ينبغي لحامل القرآن ألا تكون له حاجة إلى أحد من الناس، إلى الخليفة فمن دونه، وينبغي أن تكون حوائج الخلق إليه. وسبق ذكر هذا الأثر فيما مضى. قالوا: حدثنا حامد بن شعيب البلخي، قال: حدثنا سريج بن يونس، قال: حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي، وأبو النظر، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، قال: مكتوب في التوراة: «علم مجاناً، كما علمت مجاناً»، أي كما أخذت هذا العلم مجاناً، الذين أقرأوك وحفظوك القرآن، ما أخذوا عليك شيء مقابل ذلك، فأنت كذلك ابذل هذا العلم الذي تعلمته من غير مقابل، ومن غيره أخذ شيء من أمور الدنيا. قال: وأخبرنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، قال: حدثنا شجاع بن مخلد، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي راشد الحبراني، قال: قال عبد الرحمن بن شبل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرؤوا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به»، والحديث أخرجه الإمام أحمد، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. فهذا الحديث يأمر النبي عليه الصلاة والسلام بتعلم القرآن، لكن ينهى عن طريقتين يخطئ فيهما من تعلم القرآن: الطريقة الأولى، من يكون عنده الغلو، «ولا تغلوا فيه»، والغلو مجاوزة الحد، مجاوزة الحد المشروع، والطريقة الثانية: الجفاء، ولا تجفو عنه، والجفاء: التقصير والتضييع وعدم المبالاة. وكلا الطريقتين خطأ. والطريقة الصواب، وهي الطريقة الثالثة: أن تكون وسطًا بين الإفراط والتفريط. وهكذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التأكل بالقرآن: «ولا تأكلوا به»، أي: لا تجعلوا القرآن مصدرًا من مصادر التأكل به في الدنيا والتكسب وأخذ أموال الناس. فهذا كذلك مما يذم ذمًا عظيمًا. «ولا تستكثر به»، أي: كذلك لا تستكثر بالقرآن. والله جل وعلا يقول: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾. والتكاثر يشمل التكاثر بالمال، والتكاثر بالأولاد، والتكاثر كذلك بالعلم إذا كان القصد من ذلك هو الإكثار منه لا لقصد الانتفاع، وإنما لقصد الفخر والخيلاء والرياء والسمعة. فهذا مما يذم، كما نبه العلماء على ذلك: أن التكثير الكثير قد يكون في الأمور الدنيوية، وقد يكون في الأمور الدينية. مثلًا: من يكثر في أخذ القراءات وقصده بذلك الافتخار على غيره، هذا مذموم، هذا مذموم. أو كذلك أيضًا يكثر من رواية الحديث والعلم عن كثير من الشيوخ من أجل الافتخار بذلك، هذا أيضًا مذموم. أو يكثر من جمع الكتب واقتنائها ليقال: إنه صاحب مكتبة عظيمة وكبيرة. وكل هذه المعاني مذمومة لأنها لم يرد بها الآخرة، وإنما أريد بها الدنيا. كل ذلك يذم. قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن السهل الأشناني، قال: حدثنا بشر بن الوليد، قال: حدثنا فليح، عن سليمان، عن عبد الله، عن عبد الرحمن، عن معمر، عن سعيد، عن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة». والحديث أخرجه أبو داود، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. وهذا الحديث فيه إشارة وإخبار من النبي عليه الصلاة والسلام أن من تعلم العلم، فهذا العلم على قسمين: منه ما يبتغى به وجه الله من علوم الشريعة، ومنه ما يبتغى به وجه الله، وقد يكون العلم مما لا يبتغى به وجه الله من العلوم الدنيوية كعلم الطب والهندسة وغيرها. فإذا كان العلم مما يبتغى به وجه الله، لا ينبغي أن يطلب به الدنيا. فإذا فعل ذلك دخل في هذا الوعيد الشديد، دخل في هذا الوعيد الشديد. «لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا»، يعني: متاعًا من متاع الدنيا، يكون هذا قصده وهذه نيته وهذا مراده، فإنه يدخل في هذا الوعيد: «لم يجد عرف الجنة». وعرف الجنة يعني: ريحها، يعني: ريحها. والمعنى: أنه معرض للعذاب والعقوبة. وهذا لا شك أنه يدل على أن هذا الفعل كبير من كبائر الذنوب، أنه كبير من كبائر الذنوب: الذي يطلب العلوم الشرعية من أجل الدنيا. وأما العلوم الدنيوية فكما سمعتم: إذا طلب بها الدنيا، يدرس الطب مثلًا أو الهندسة أو غيرها من العلوم الدنيوية لأجل الدنيا حتى يتوظف ويتكسب من هذا العلم، هذا ما عليه شيء؛ لأنه طلب الدنيا بالدنيا، طلب الدنيا بالدنيا. لكن أن يطلب الدنيا بعمل الآخرة، هذا هو المذموم، هذا هو المذموم. طيب، فإن كان يطلب العلم ويتفقه ويتعلم من أجل أن يكون إمامًا في مسجد أو مدرسًا فيجد راتبًا أو شيئًا مما يعينه في أمور دنياه، فهل هذا يذم أو لا يذم؟ هنا ينظر في نيته وقصده: فإن كانت نيته من طلب العلم والتفقه في الدين وقراءة القرآن وحفظه الدنيا، ما يريد إلا أن يتكسب من وراء ذلك، فهذا يدخل في الحديث، هذا يدخل في الحديث. وأما إذا قصد بذلك الآخرة والأجر والثواب من الله، ثم التوظف من وراء ذلك أو التكسب، ويستعين بذلك أن يكون إمامًا أو مدرسًا وينال شيئًا يستعين به على التفرغ للتعليم، ويكون ذلك تبعًا، فهذا لا بأس به، هذا لا بأس به. إذن ينبغي أن نخلص النيات في طلبنا للعلم وحفظنا للقرآن، أن يكون ذلك لله سبحانه وتعالى، أن ننفع بذلك أنفسنا ثم ننفع مجتمعاتنا. وأما ما يتحصل عليه بعد ذلك من رزق وكسب يعطى في التدريس مقابل التفرغ، فهذا يجعله تبعًا، لا يجعله أصلًا ومقصدًا. قال: وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن مخلد، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الحسان، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن واقد مولى زيد بن خليدة، عن زاذان قال: «من قرأ القرآن يتأكل به الناس، جاء يوم القيامة ووجه عظم ليس عليه لحم». وزاذان هو أبو عمر الكندي الضرير الذي مرت معنا قصته لما دخل على عبد الله بن مسعود وقد تقدمه أهل الثياب الحسنة، فنادى ابن مسعود حتى أجلسه بجانبه. يقول: «من قرأ القرآن يتأكل به الناس، جاء يوم القيامة وجه عظم ليس عليه لحم». وهذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من سأل الناس تكثرًا، جاء يوم القيامة وليس على وجه مزعة لحم». نعم: «لا يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس على وجه مزعة لحم»، يعني: قطعة لحم، فيبعث هيكلًا عظميًا حقيرًا له على هذه المذلة في سؤاله للناس والتكثر بأخذ أموال الناس. إذا كان هذا على جهة العموم، فكيف إذا كان هذا السؤال بالقرآن؟ من باب أولى أن يدخل في هذا الوعيد. قال: قال: حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد، قال: حدثنا شعيب بن أيوب، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، قال: حدثنا معاوية النصري، عن الضحاك، عن الأسود بن يزيد. وقال غير شعيب: علقمة، ولم أر شعيبًا ذكر علقمة. قال: قال عبد الله، يعني: ابن مسعود رضي الله عنه: «لو أن أهل العلم صانوا العلم، وضعوه عند أهله»، يعني: الذين يستحقون أن يبذل لهم العلم، فلا يوضع العلم عند من لا يقدر العلم، الذي ما يعرف العلم قيمة وقدر ما ينبغي أن يعلم؛ لأن هذا فيه هانة للعلم، فيه هانة للعلم. وفي أثر عن أيوب أو غيره أنه مر على رجل يحدث، فقال له: «ما لأراك تضع اللؤلؤ في أعناق الخنازير؟ ما لأراك تضع اللؤلؤ في أعناق الخنازير؟» يعني: تضع العلم عند من لا يستحقه. «سادوا به أهل زمانهم، ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا به من دنياهم، فهانوا على أهلها». لما وضعوا العلم عند غير أهله من أهل الدنيا من أجل مطامع الدنيا، هانوا على أهلها، يعني: ما كانت لهم قيمة ولا منزلة ولا شرف. سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: «من جعل الهم همًا واحدًا، هم آخرته، كفاه الله عز وجل هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا، لم يبال الله في أي أوديتها هلك». إذا صيانة العلم أمر مطلوب، أمر مطلوب. ومن ذلك أن يصان العلم في إعطائه لأهل الدنيا الذين لا يعلمون العلم قيمة ولا يرفعون بالعلم رأسًا، فإن هذا من إهانة العلم. ولهذا يقول الجرجاني في أبياته المشهورة: ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظم ولكن أهانوه فهان ودنس محياه بالأطماع حتى تجهما نعم، لما أهان أهل العلم علمهم، دنس هذا العلم ودنس أهله. فلا بد من صيانة العلم. هذا الأثر من حيث المعنى صحيح، إلا أن إسناده غير ثابت. فهذا الحديث من رواية نهشل بن سعيد عن الضحاك، هنا عندنا في السند سقط نهشل بن سعيد، وهو مذكور في جميع المصادر التي أخرجت الحديث أنه من رواية نهشل عن الضحاك، كما نبه على ذلك الشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله. وهو ضعيف الحديث: نهشل بن سعيد ضعيف الحديث، ويزداد ضعفًا في روايته عن الضحاك، في روايته عن الضحاك، فروايته منكرة جدًا، روايته منكرة جدًا. قال البخاري: «روى عنه معاوية النصري أحاديث مناكير». وقال الحاكم: «روى عن الضحاك المعضلات». نعم، في الحديث بهذا السند فيه ضعف. لكن آخر هذا الحديث: «من جعل الهم همًا واحدًا» إلى آخره، هذا له شواهد، له شواهد يشهد له حديث زيد بن ثابت في قوله عليه الصلاة والسلام: «من كانت الدنيا همه، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأتِ من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة». رواه ابن ماجه، وهو صحيح. فهو شاهد لهذه اللفظة أو لهذه الجمل المذكورة في هذا الحديث. قالوا: حدثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد، قال: حدثنا إبراهيم بن مهدي، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن خيرون، قال: حدثنا العباس بن بكار الضبي، قال: حدثنا عيسى بن عمر النحوي، قال: أقبلت حتى أقمت عند الحسن، أي: البصري، فسمعته يقول: «قراء هذا القرآن ثلاثة رجال: فرجل قرأه فاتخذه بضاعة، ونقله من بلد إلى بلد»، يعني: نقل هذا القرآن من بلد إلى بلد كالتاجر الذي ينقل البضاعة من أجل يتكثر به من الأموال. «ورجل قرأه فأقام على حروفه وضيع حدوده»، يعني: أحسن تلاوته وقراءته، ولكنه لا يعمل بما فيه، فأقام الحروف وضيع الحدود. يقول: «إني والله ما أسقط من القرآن حرفًا»، يعني: أتقن قراءته إتقانًا عظيمًا. «كثر الله بهم القبور وأخلى منهم الدور، فوالله لهم أشد كبرًا من صاحب السرير على سريره، ومن صاحب المنبر على منبره». قال: «ورجل قرأه فأسهر ليله وأظمأ نهاره، ومنع به شهوته، فجثوا في برانسهم وركدوا في محاريبهم»، يعني: تعبدوا لله بهذا القرآن واستعانوا به على طاعة الله سبحانه وتعالى بإحياء الليل وقوى الصيام والتقرب إلى الله بأنواع الطاعات. «بهم ينفي الله عز وجل العذاب، وبهم يسقون» - أو «يسقين» - «تعالى الغيث». وهذا الضرب من أهل القرآن أعز من الكبريت الأحمر، يعني: شيء عزيز الوجود، والكبريت الأحمر جوهر ثمين نادر، يضرب به المثل في الأشياء النادرة، يضرب به المثل في الأشياء النادرة عند العرب. والمقصود: أن من كان على هذا الوصف فهم قلة، فهم قلة، إلا من رحم الله. قال محمد بن الحسين: «الأخبار في هذا المعنى كثيرة، ومراد من هذا نصيحة لأهل القرآن لألا يبطل سعيهم، إنهم طلبوا به شرف الدنيا، حرموا شرف الآخرة، إذ بذلوه لأهل الدنيا طمعًا في دنياهم، أعاذ الله حملة القرآن من ذلك». فهو يريد النصيحة رحمه الله لحملة القرآن أن يصححوا نياتهم ويحسنوا في مقاصدهم. قال: «فينبغي لمن جلس يقرئ المسلمين أن يتأدب بأدب القرآن، يقتضي ثوابه من الله تعالى، يستغني بالقرآن عن كل أحد من الخلق، متواضعًا في نفسه ليكون رفيعًا عند الله جلت عظمته». قال: حدثنا علي بن إسحاق بن زاطيا، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: سمعت أيوب يقول: «ينبغي للعالم أن يضع الرماد على رأسه تواضعًا لله جلت عظمته». وليس المراد بذلك حقيقة أن يأخذ الرماد ويضعه على رأسه، لأن مثل هذا يحتاج لدليل أنه يتعبد الله بمثل ذلك، وإنما المراد التواضع: أن يتواضع ويذل نفسه لله سبحانه وتعالى، ولا يتكبر فيما أتاه الله عز وجل من العلم. باب ذكر أخلاق من يقرأ على المقرئ. سيذكر في هذه الترجمة أخلاق الطالب الذي يقرأ على شيخه، ومن ينبغي أن يتحلى به من الأخلاق الفاضلة. قال: «من كان يقرأ القرآن على غيره ويتلقى، فينبغي له أن يحسن الأدب في جلوسه بين يديه، ويتواضع في جلوسه، ويكون مقبلًا عليه»، يعني: مقبلًا على شيخه، منتبهًا له، مستمعًا لما يقول. وكذلك تكون جلسته جلسة أدب واحترام وتوقير، كما جاء في قصة جبريل عليه السلام لما جاء للنبي عليه الصلاة والسلام، كيف جلس عنده متأدبًا: أسند ركبتيه إلى ركبتيه، وضع كفيه على فخذيه. فما يجلس عند شيخه ممدًا رجليه، أو متكئًا، أو كذلك يعني: مائلًا. لا يجلس جلسة أدب واحترام وتوقير إلا للضرورة، إذا كان عنده مرض مثلًا ما يستطيع أن يجلس متربعًا، لا بد أن يمد رجليه، فالضرورات لا أحكام لها. وأما من غير ضرورة، فلا بد من الأدب في الجلوس. قال: «فإن ضجر عليه احتمله، وإن زجره احتمله، ورفق به، واعتقد له الهيبة والاستحياء منه». يعني: إذا زجر الشيخ التلميذ، ينبغي للتلميذ أن يتحمل، أن يتحمل ويصبر ويرفق، ويرفق بشيخه حتى ينال العلم الذي عنده، وتكون عنده الهيبة. يقول: هو شيخ معلم، ولو فعل ذلك أتحمله. قال: «ويحب أن يتلقن ما يعلم أنه يضبطه، وهو أعلم بنفسه. إن كان يعلم أنه لا يحتمل في التلقين أكثر من خمس، خمس يعني: خمس آيات، فلا ينبغي أن يسأل الزيادة، فيعطيه ويتلقينه من القرآن بقدر ما يستطيع إتقانه؛ لأن مدارك وفهم الطلاب تختلف: منهم من يكون عنده يعني استطاعة إلى أن يحفظ ويتقن صفحة كاملة، وآخر ما يستطيع إلا نصف صفحة، وآخر ما يستطيع إلا ربع صفحة أو ثلث صفحة، فيعطي كل واحد بقدر استطاعته، ولا يزيده على القدر الذي يحتاج له، لا يزيده على القدر الذي يحتاج له. ولا ينبغي للطالب كذلك أن يزيد من نفسه ما يعطيه له شيخه من الدرس. قال: «وإن كان يعلم أنه لا يحتمل أن يتلقن إلا ثلاث آيات، لم يسأل أن يلقنه خمسًا». يعني: الطالب إذا كان يعرف من نفسه أنه ما يستطيع أن يتقن إلا ثلاث آيات، فلا يقول له: لقني خمس آيات، يبقى على ثلاث. قال: «فإن لقنه الأستاذ ثلاثًا لم يزِد عليها، وعلم من نفسه أن يحتمل خمسًا، سأله أن يزيده على أرفق ما يكون». يعني: يسأله الزيادة برفق ولين وأدب، ما يقول بقسوة أو غرة أو شيء من الشدة: «زدني آيات، لماذا تعطيني قليلًا؟ أنا أحفظ أكثر من ذلك». لا، يقول: «جزاك الله خير شيخنا، أحسنت، لو زدتني آيتين فوق الثلاث فأنا أستطيع حفظها وإتقانها». فيكون الطلب بأدب. قال: «فإن أبى لم يؤذه بالطلب». يعني: إذا أبى الشيخ أن يزيده، فلا يكرر عليه، لا يكرر عليه الطلب. قال: «وصبر على مراد الأستاذ منه، فإنه إذا فعل ذلك كان هذا الفعل منه داعية للزيادة له ممن يلقنه إن شاء الله». يعني: إذا ترك ذلك، والشيخ رأى أنه يتقن هذه الثلاث إتقانًا جيدًا، سيزيده من نفسه، سيزيده فوق الثلاث من نفسه، فلا يكرر عليه ويعني يمله بكثرة الطلب. قال: «ولا ينبغي له أن يضجر من يلقنه فيزهد فيه». أن يضجر من يلقنه فيزهد فيه. «وإذا لقنه شكر له ذلك، ودعا له، وعظم قدره». نعم، لا يضجر من يلقنه بكثرة الطلب والسؤال فيزهد فيه، يعني: لا يرغب في تلقينه وفي تعليمه. وإذا لقنه شكر له ذلك: «جزاك الله خير، أحسن، تبارك الله فيك»، ونحو ذلك من الكلمات الطيبة، وعظم قدره؛ لأن له فضل عليه، له فضل عليه، ومنه أن علمه ما لم يعلم، وعانه على حفظ كتاب الله. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس». «ولا يجفو عليه، إن جفى عليه». إذا جفى عليك الشيخ، أنت لا تجفو على شيخ، وتعامل بالجفاء. إنك إذا فعلت ذلك حرمت نفسك هذا العلم، حرمت نفسك هذا العلم، وأعرض عنك. قال: «ويكرم من يلقنه إذا كان هو ولم يكرمه». قال: «وتستحي منه إذا كان هو لم يستحي منك». يعني: إذا عاملك بشيء من الشدة وعدم الحياء، فأنت عامله بالحياء، كن محسنًا في معاملته. قال: «تلزم أنت نفسك واجب حقه عليك، فبالحري أن يعرف حقك لما يرىك متأدبًا صابرًا محسنًا في معاملته، هنا ترتفع منزلتك عنده ويعرف لك قدرك». قال: «لأن أهل القرآن أهل خير وتيقظ وأدب، يعرفون الحق على أنفسهم. فإن غفل عن واجب حقك، فلا تغفل عن واجب حقه». وهذا من باب: «ليس الواصل بالمكافئ»، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلة الرحم ليس الواصل بالمكافئ»، أي: الذي يكافئ من وصله، إن وصله وصله، وإن قطعه قطعه. لا، حقيقة الصلة أنك تصل من قطعك، وإن لم يصلك، أنت تحسن إليه وإن أساء إليك. وهكذا أيضًا في معاملتك لشيخك: لا تقول: أنا سأحسن إن أحسن إلي، وإن أساء إليه سأسيء إليه. لا، كن محسنًا على جهة العموم والإطلاق، سواء أحسن إليك أو أساء إليك، فأنت أنت الطالب، وأنت الراغب، وأنت المستفيد والمنتفع، لا بد أن تصبر وأن تحسن في معاملتك لشيخك حتى تنتفع منه. قال: «فإن الله عز وجل قد أمرك أن تعرف حق العالم، وأمرك بطاعة العلماء، وكذا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم». نعم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويحترم كبيرنا، ويعرف لعالمنا حقه». فاحترام الكبير أمر مطلوب، أمر مطلوب. وهكذا معرفة للعالم حقه من الاحترام والتوقير، كذلك مما أمرت به الشريعة. قال: حدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني، قال: حدثنا أحمد بن عيسى المصري، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، عن مالك، عن الخير الزبادي، من أهل اليمن، عن أبي قبيل المعافري، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا». قال أحمد: يعني: يعرف حقه. فانظروا: النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس من أمتي». وهذا النفي ليس معناه أنه كافر، وإنما المقصود: ليس من هذه الأمة التي تنال الأجر والثواب، ويكون لها الفضل والمنزلة، وكذلك السلامة من العقوبة والمؤاخذة. لكن قد يعرض من ضيع مثل هذه الحقوق ذلك، فيكون معرضًا للعقوبة والمؤاخذة، وحصول شيء من التوبيخ والتقريع. ومثله: «ليس منا» كما قال: «من غشنا فليس منا». ليس معناه أنه ليس من أهل الإسلام، لكن «ليس منا» أي: ليس منا معاشر المسلمين الذين تربوا على هذه الأخلاق والآداب في المعاملة، فيكون ناقص الإيمان والإسلام. من لم يجل كبيرنا، فإجلال أهل الكبر مطلوب: احترامه وتوقيره. نعم، فإن من إجلال الله كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إكرام ذي الشيبة المسلم». إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم. من إجلال الله إذا أن تكون مجلا لله، فإنك تجل كبير السن. الذي يقل أدبه مع كبار السن، هذا في الحقيقة لم يجل ربه سبحانه وتعالى، بل أقل أدبه مع الخالق سبحانه وتعالى. «ويرحم صغيرنا»: كذلك رحمة الصغير مطلوبة، الصغير يحتاج للعطف والرحمة والشفقة والتودد والمحبة. «ويعرف لعالمنا حقه»: لما له من الفضل فيما يحمل من العلم ويبثه ويعلمه من الناس، فينبغي كذلك معرفة هذا الحق العظيم الذي له. قالوا: حدثنا الفريابي، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن جميل الأسلمي، عن سهل بن سعد الساعدي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا يدركني زمان ولا أدركه، لا يتبع فيه العالم، ولا يستحيا فيه من الحليم، قلوبهم قلوب العجم، وألسنتهم ألسنة العرب». والحديث أخرجه أحمد، وضعفه الألباني في الضعيفة، وفيه ابن لهيعة وهو سيء الحفظ. ومعنى الحديث أيضًا يعني صحيح: أن إذا جاء الزمن الذي لا يتبع فيه العالم، أي: لا يطاع العالم في طاعة الله، هذا من أسباب حصول الشر وضياع الدين؛ لأن العلماء هم حملة هذا الدين، فعدم طاعتهم واتباعهم سبب ضياع هذا الدين واختلال الأمور الدين بين الناس. وهكذا أيضًا إذا لا يستحيا فيه من الحليم، الذي عنده حلم وتحمل وحسن أخلاق، لا شك أن هذا سبب لكثرة الشر وقلة الخير. «قلوبهم قلوب العجم، وألسنتهم ألسنة العرب»: قلوب العجم يعني: الكفار، لليهود والنصارى، وألسنتهم ألسنة العرب، يعني: يتكلمون لغة العربية، هم عرب، لكن في قلوبهم كقلوب العجم. معنى أنهم متبعون للكفار، مقتدون بهم، يلهثون خلف أفكارهم وخلف عاداتهم، وهذا لا شك أنه من أسباب ضعف الدين وخوره. قال: أخبرنا إبراهيم بن الهيثم الناقد، قال: حدثنا أبو معمر القطيع، قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلامة، قال: «لو رفقته بابن عباس لأصبت منه علمًا». أبو سلامة بن عبد الرحمن بن عوف، أحد الفقهاء السبعة على قول، وهو من كبار الفقهاء والعلماء، أخذ العلم عن عدد من الصحابة. يقول: «لو رفقته بابن عباس»، هو من تلاميذ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، «لأصبت منه علمًا». والمعنى: أن أبا سلمة كان عنده همة في العلم وقوة في التفقه، فكان يناظر ابن عباس، كان يناظر ابن عباس في المسائل، وكثير المقاطعة له، فحرم من علم ابن عباس، حرم من علم ابن عباس. لأن الشيخ إذا ضجر من الطالب، من معاملته له، وكثرت سؤالاته وعدم احترامه، فإنه يتركه ولا يبالي به، فحينئذ يحرم من علم هذا الشيخ، يحرم نفسه علم هذا الشيخ. ما حصل لأبي سلمة رحمه الله، فندم على ذلك ندم، يقول: «ليتني رفقت بابن عباس، وما شددت عليه، حتى نال من علمه». قال: حدثنا أحمد بن سهل الأشناني، قال: حدثنا الحسين بن علي بن الأسود، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾، قال: «الفقهاء والعلماء». قالوا: حدثنا يحيى بن آدم، عن مفضل بن مهلهل، عن مغيرة، عن إبراهيم، مثله. ففسر مجاهد هذه الآية: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾، أن أولي الأمر: الفقهاء والعلماء، الفقهاء والعلماء. وقد ورد ذلك عن غيره من السلف في تفسير أولي الأمر بأنهم العلماء، وبأنهم الأمراء. فإن العلماء لهم الطاعة في طاعة الله سبحانه وتعالى، وكذلك الأمراء لهم الطاعة في طاعة الله. العلماء يطاعون في الدين، والأمراء يطاعون في الدنيا. فلا تستقيم - يستقيم - دين الناس إلا بطاعة العلماء، ولا تستقيم دنيا الناس إلا بطاعة الأمراء. فإذا ترك الناس طاعة العلماء ضاع الدين، وإذا تركوا طاعة الأمراء ضاعت الدنيا. فلا تستقيم لهم الدين والدنيا إلا بطاعة العلماء والأمراء. قال: «وينبغي لمن لقنه الأستاذ ألا يجاوز ما لقنه، إذا كان ممن قد أحب أن يتلقن عليه. وإذا جلس بين يدي غيره لم يتلقن منه إلا ما لقنه الأستاذ، أعني: بحرف غير الحرف الذي تلقنه من الأستاذ، فإنه أعود عليه وأصح لقراءته». نعم، إذا لقن الأستاذ التلميذ شيئًا من القرآن، فلا يزيد على ذلك، لا يزيد على ذلك، ولا يذهب عند غيره فيترك شيخه ويتلقن عند الآخر، وربما ينتقل من شيخ إلى آخر إلى ثالث حتى يعني يمل ويترك ولا يستمر، فلا يحصل له النفع. بل يلازم شيخه، يلازم شيخه. أو يتعجل، يقول: أقرأ على شيخي مثلًا بقراءة عاصم، وأقرأ على الشيخ الفلاني بقراءة نافع، وتختلط عليه الأمور، ولا ينتفع بشيء، لا يخرج لا بقراءة عاصم ولا بقراءة نافع. فيلزم قراءة واحدة حتى يكملها ويتقنها، ثم إذا أراد قراءة أخرى يأخذها بعدها، وهكذا حتى يحصل له الانتفاع. قال: «وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: اقرؤوا كما علمتم». أي: كل يقرأ القراءة التي تعلمها. ولا شك أن الأفضل لطالب القرآن أن يقرأ بالقراءة التي في بلده، القراءة التي في بلده، يعني: مثلًا نحن عندنا قراءة عاصم حفصًا عن عاصم، فيبدأ بها، يبدأ بها. إذا انتهى منها وأتقنها، أخذ الرواية الأخرى عن عاصم: ورش، شعبة عن عاصم. فإذا انتهى منها، يأخذ بعد ذلك القراءة التي بعدها إذا أراد، فيبدأ بالقراءة الموجودة، ثم يزيد بعد ذلك ما شاء. قال: وحدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد، قال: حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: حدثنا عاصم، عن زر، عن عبد الله، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: «قلت لرجل: أقرئني من الأحقاف ثلاثين آية، فأقرأني خلاف ما أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت لآخر: أقرئني من الأحقاف ثلاثين آية، قال: فأقرأني خلاف ما أقرأني الأول. فأتيت بهم النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب، أي: النبي صلى الله عليه وسلم، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه جالس. فقال علي رضي الله عنه: قال لكم: اقرؤوا كما علمتم». والحديث أخرجه أحمد، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله. ومعنى هذا: أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فالنبي صلى الله عليه وسلم أقرأ الصحابة بقراءات مختلفة، وكلها صحيحة. كل يقرأ بالقراءة التي تلقاها، كل يقرأ بالقراءة التي تلقاها. قالوا: حدثنا ابن صاعد أيضًا، قال: حدثنا أحمد بن سنان، قال: القطان، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أنبأ - أخبرنا - شريك، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله رضي الله عنه، قال: «أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة، فدخلت المسجد، فقلت: أفيكم من يقرأ؟ فقال رجل من القوم: أنا. فقرأ السورة التي أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يقرأها خلاف ما أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانطلقنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: يا رسول الله، اختلفنا في قراءتنا. فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال علي رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما هلك من كان قبلكم بالاختلاف، فليقرأ كل امرئ منكم ما أقرأ». والحديث أخرجه أحمد كذلك، وسنده جيد. فيه التحذير من الاختلاف في القرآن، فلا يختلف فيه، ينبغي لكل واحد أن يقرأ على حسب ما أقرأ وتعلم. وهذا الاختلاف من اختلاف التنوع، والاختلاف القراءات هو من اختلاف التنوع، فكلها جائزة، وكل يقرأ بما تعلم. وإنما الاختلاف المذموم هو اختلاف التضاد، الاختلاف الذي فيه مضاد لنصوص الشريعة ومخالف لها، فهذا ينكر على المخالف، ويبين له خطؤه ومخالفته. قال: «من قنع بتلقين الأستاذ ولم يجاوزه، فبالحري أن يواضب عليه، وأحب ذلك منه. فإذا رآه قد تلقن ما لم يلقنه، زهد في تلقينه، وثقل عليه، ولم تحمد عواقبه». يعني: إذا رأى الشيخ أن تلميذه قرأ عند غيره، وجاءه بشيء ما لقنه إياه، سيقول: إذن ما له رغبة عندي، ولا يريدني أن نعلمه، ويريد غيري، إذن يذهب عند غيري، فيذهب فيه الشيخ، وحينئذ يحرم نفسه الاستفادة من هذا الشيخ. قال: «وأحب له إذا قرأ عليه أن لا يقطع حتى يكون الأستاذ هو الذي يقطع عليه القراءة، فيقول: حسبك». ما يقف من نفسه. قال: «وإن بدت له حاجة، وقد كان الأستاذ مراده أن يأخذ عليه مئة آية، فاختار أن يقطع القراءة في خمسين آية، فليخبره قبل ذلك بعذره، حتى يكون الأستاذ هو الذي يقطع عليه». يعني: مثلًا إذا كان يعتاد أن يقرأ على الشيخ مئة آية في هذا اليوم، عنده حاجة وعنده ظرف يريد أن يقرأ خمسين آية، ما يأتي يقرأ، وإذا وصل عند الخمسين يقطع القراءة ويقف، لا. يقول للشيخ: «جزاك الله خير، أحسنت، أنا أقرأ في كل يوم مئة آية، لكن عندي اليوم ظرف، فتأذن لي أن أقرأ خمسين آية». هكذا بأدب وترفق. فحينئذ يقرأ، إذا وصل إلى خمسين آية، قال له الشيخ: «حسبك»، هو الذي يوقفه. فهذا لا شك أنه أفضل وأكمل وأحسن في التأدب. قال: «وينبغي له أن يقبل على من يلقينه أو يأخذ عليه، ولا يقبل على غيره». يعني: ما يعرض عن التلميذ الذي يقرأ عليه وينظر في غيره. لا، يقبل على تلميذه، على طالبه. قال: «فإن شغل الأستاذ عنه بكلام لا بد له منه في الوقت، من كلامه قطع القراءة حتى يعود إلى الاستماع إليه». يعني: مثلًا جاءه من يريد يكلمه في أمر مهم، يكلم الشيخ والتلميذ يقرأ، يقول للتلميذ: «حسبك»، يوقفه، ويستمع لمن جاءه، ثم يقول: «تفضل، أكمل». قال: «وأحب له إذا انقضت قراءته على الأستاذ، وكان في المسجد، فإن أحب أن ينصرف فانصرف، وعليه الوقار، ودرس في طريقه ما قد تلقى». يعني: إذا قرأ على الشيخ المقرئ وهو في المسجد، وأحب أن ينصرف، يعني: أن ينصرف من مجلسه، يذهب، عليه الوقار، ينصرف بأدب، ينصرف بأدب واحترام، ودرس في طريقه ما قد تلقى، يعني: يكرر الحفظ الذي أخذه في طريقه حتى يتقنه. قال: وإن أحب أن يجلس ليأخذ على غيره، فعل نعم. إذا أحب أن يجلس على غيره بعد الانتهاء من مجلسه، فلا بأس. يجلس في حلقة أخرى، يكرر نفس الحفظ مثلاً، أو يجلس في مجلس علم هناك دروس مثلاً أخرى في علوم الشريعة، فيحفظ نفسه ويستغل وقته، فلا بأس بذلك، هذا خير له. قال: وإن جلس في المسجد وليس بالحضرة من يأخذ عليه، فإما أن يركع فيكتسب خيراً، وإما أن يكون ذاكراً لله تعالى شاكراً له على ما علمه من كتابه، وإما جالس يحبس نفسه في المسجد يكره الخروج منه خشية أن يقع بصره على ما لا يحل له، أو معاشرة من لم تحسن معاشرته، فجلس في المسجد. فحكمه أن يأخذ على نفسه في جلوسه في المسجد ألا يخوض فيما لا يعني، ويحذر الوقيعة في أعراض الناس. يعني: إذا احتاج أن يبقى في المسجد، فيستغل وقته في طاعة الله، وبذكر الله، بصلاة، قراءة قرآن، بحضور مجالس علم، يحفظ لسانه عن الخوض في أعراض الناس والكلام في غيبتهم، فإن الغيبة محرمة، فكيف إذا كانت في بيوت الله كانت أشد حرمة. قال: ويحذر أن يخوض في حديث الدنيا وفضول الكلام، فإنه ربما استراحت النفوس إلى ما ذكرت مما لا يعود نفعه، وله عاقبة لا تحمد. نعم، المساجد بنيت لذكر الله سبحانه وتعالى، ولطاعة الله جل وعلا، لا للخوض في أمور الدنيا والمزح واللعب واللهو في بيوت الله سبحانه وتعالى. هذا من الأمور التي ينبغي أن تنزه، أن تنزه عنها بيوت الله سبحانه وتعالى، فضلاً عن اللعب بالجوالات وتقليبها والنظر فيها، أو كذلك يعني اللعب فيها في بيوت الله. هذا من الأمور التي لا تنبغي في بيوت الله سبحانه وتعالى. قال: ويستعمل من الأخلاق الشريفة في حضوره وانصرافه ما يشبه أهل القرآن، والله موفق لذلك. قال رحمه الله: باب أدب القراء عند تلاوتهم من القرآن مما لا ينبغي لهم جهله. في هذا الباب سيذكر ما ينبغي أن يتحلى به تالي القرآن من الآداب والأخلاق. قال: وأحب لمن أراد قراءة القرآن من ليل أو نهار أن يتطهر، وأن يستاك، يتوضأ حتى يقرأ القرآن على طهارة، ويستاك، يستعمل السواك في تطيب الفم. قال: وذلك تعظيم، وذلك تعظيم للقرآن، أن يفعل ذلك تعظيماً لكلام الله سبحانه وتعالى. قال: لأنه يتلو كلام رب عز وجل، وذلك أن الملائكة تدنو منه عند تلاوته للقرآن، عند تلاوته للقرآن، ويدنو منه الملك. فإن كان متسوكاً، وضع فاه على فيه، كلما قرأ آية أخذها الملك بفيه. وإن لم يكن تسوك، تباعد الملك منه. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بن آدم». إذا كان المسلم يتأذى من الرائحة الكريهة التي قد تخرج من الإنسان، ولا يحب أن يقترب ممن منه رائحة كريهة، فكيف الملائكة؟ كذلك تتأذى من ذلك، بمعنى أنها ستبتعد ولا تقترب. وأما إذا كانت الرائحة طيبة والفم طيباً، فإنها تدنو منه، كما أن المسلم أو الإنسان يدنو من أخيه إذا كان كذلك. قال: فلا ينبغي لكم يا أهل القرآن أن تباعدوا منكم الملك، واستعملوا الأدب. فما منكم من أحد إلا وهو يكره إذا لم يتسوك أن يجالس إخوانه. فإذا كان هذا في معاملة الأخ لأخيه، فالملائكة من باب أولى أن يحسن في معاملتهم، وفي تطيب الفم لقربهم. قال: وَأُحِبُّهُ أَنْ يُكْثِرَ الْقِرَاءَةَ في المصحف، لفضل من قرأ في المصحف. نعم، القراءة من المصحف مما استحبه العلماء وفضلوه على قراءة القرآن عن ظهر غيب، لأنه يحصل له أجر القراءة وأجر كذلك النظر في المصحف، ولأن ذلك مما يعينه على التدبر والخشوع، واستحضار ما يقرأ. وهذا إذا كان أنفع له من قراءته غيباً. إذا كان أنفع له من قراءته غيباً. وأما إذا كان قراءته القرآن عن ظهر قلب يرى أن هذا أنفع له في التدبر والخشوع، فلا بأس أن يقرأه من غير نظر في المصحف. وإلا فالنظر في المصحف هو الأفضل. قال: ولا ينبغي أن، ولا ينبغي له أن يحمل المصحف إلا وهو طاهر. يعني: يكون متطهراً إذا أراد حمل المصحف والقراءة فيه. قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يمس القرآن إلا طاهر». قال: فإن حب أن يقرأ في المصحف على غير طهارة، فلا بأس، ولكن لا يمسه. يعني: من غير أن يمس المصحف، إذا كان غير طاهر. ولكن يصفح المصحف بشيء، يعني: يقلب الصفحات بعود أو قلم أو نحو ذلك، من غير أن يمسه. وإلا، وإلا قرأ في الجوال مثلاً، في الجوال ما يحتاج أن يكون متطهراً، ليس حكم حكم المصحف. قال: وَلَا يَمَسُّهُ إِلَّا طاهرا. وهذا من تعظيم القرآن. قال: وَيَنْبَغِي لِلْقَارِئِ إِذَا كَانَ يَقْرَأَ فَخَرَجَتْ مِنْهُ رِيح، أَمْسَكَ عَنِ الْقِرَاءَةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْرِّيح. وهذا من باب تعظيم القرآن وإجلاله في أثناء القراءة. إذا خرجت الريح، تتوقف عن القراءة، فإذا انتهت، لك أن تستمر. من حيث الجواز، يجوز أن تقرأ من غير طهارة، وكان الأفضل أن تكون على طهارة. قال: ثم إن حب أن يتوضأ ثم يقرأ طاهراً فهو أفضل. وإن قرأ على غير طاهر، فلا بأس به. وإذا تثاؤب وهو يقرأ، أمسك عن القراءة حتى ينقضي التثاؤب عنه. إذا حصل التثاؤب أثناء القراءة، تتوقف عن القراءة، لأنك إذا استمرت في القراءة، فهنا ما ستقرأ القرآن قراءة صحيحة، لا شك سيحصل خلل في أثناء القراءة. وكذلك أيضاً أنك مأمور بكتم التثاؤب، ووضع يدك أو خرقة على فيك لتسد فمك، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ولا يقرأ الجنب ولا الحائض القرآن، ولا آية ولا حرفاً واحداً. والصحيح أنه يجوز عن ظهر قلب أن يقرأ الجنب والحائض القرآن، لأن الحديث الوارد في النهي عن ذلك فيه ضعف. قالوا: إن سبح أو حمد أو كبر أو أذن، فلا بأس بذلك، لعدم ورود ما يشترط له الطهارة في ذلك، أي في ذكر الله والأذان، فيجوز أن يكون على غير طهارة. قال: وأحب للقارئ أن يأخذ نفسه، أن يأخذ نفسه بسجود، أن يأخذ نفسه بسجود القرآن، كلما مر بسجدة سجد فيها. وسجدات القرآن، سجود التلاوة، مستحب وليس بواجب، لكن مع ذلك لا بأس أن يحرص على السجود عند المرور بآية فيها سجدة، حتى ينال أجر السجود، وكذلك يرغم الشيطان الذي أبى أن يسجد لله سبحانه وتعالى. قالوا: في القرآن خمس عشرة سجدة، وقيل أربع عشرة، وقد قيل إحدى عشرة سجدة. اختلف العلماء في سجدات القرآن، اتفقوا على عشرة، اتفق العلماء على عشر سجدات، اختلفوا في خمس. والراجح كذلك أنها من سجدات القرآن، والتي حصل فيها الخلاف: الثلاث السجدات في المفصل، وكذلك سجدة سورة ص: ﴿ فَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ ﴾، والسجدة الثانية في آخر سورة الحج. وكلها مما يجوز السجود فيها. وقد نقل بعض العلماء الإجماع على مشروعية السجود في جميع سجدات القرآن. قال: والذي أختار أن يسجد كلما مرت به سجدة، فإنه يرضي ربه ويغيظ عدوه الشيطان. روى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «وإذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله، أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت، فلي النار». والحديث رواه مسلم. قال: ويحب لمن كان يدرس وهو ماشٍ في طريق، فمرت به سجدة، أن يستقبل القبلة ويومئ برأسه بالسجود. وهكذا إن كان راكباً، فدرس، فمرت به سجدة، سجد، يومئ نحو القبلة إذا أمكنه. يعني: يقول أنه يسجد ولو كان في أثناء مشيه، أو في أثناء ركوبه، إذا قرأ القرآن ومر بآية فيها سجدة، فإنه يسجد بالإيماء بالرأس، كما يفعل في أثناء السفر إذا كان راكباً في صلاة النافلة. قال: ويحب إن كان جالساً أن يستقبل بوجه القبلة إذا أمكنه ذلك، لأن استقبال القبلة أفضل الجهات عند ذكر الله سبحانه وتعالى. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خير المجالس ما استقبل به القبلة». وقد مر ذكر هذا الحديث، وأنه ضعيف، وإن كان معناه صحيح أن القبلة أفضل المجالس. ويؤيد ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن لكل شيء سيداً، إن لكل شيء سيداً، وإن سيد المجالس قبالة القبلة». إن لكل شيء سيداً، وإن سيد المجالس قبالة القبلة. والحديث أخرجه الطبراني في الأوسط، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله، فيدل على أفضلية استقبال القبلة عند ذكر الله. قال: ويحب لمن تلا القرآن أن يقرأ بحزن ويبكي إن قدر، فإن لم يقدر تباكى. يعني: يحاول أن يثير قلبه بالقرآن. إن جاءه البكاء فالحمد لله، وإن لم يأت، لا بأس أن يتباكى، وأن يكلف نفسه ذلك، حتى ينتفع بقراءته للقرآن. والبكاء قد يكون تارة خشية من الله وخوفاً ورهبة، وتارة يكون رغبة وشوقاً، تمر عليه آيات الجنة وما فيها من النعيم فيبكي شوقاً لرضا الله وللفوز بهذا النعيم العظيم، أو تمر عليه آيات الوعيد والعذاب فيبكي خوفاً من عذاب الله سبحانه وتعالى. قال: ويحب له أن يتفكر في قراءته، ويتدبر ما يتلوه، ويستعمل غض الطرف عما يلهي القلوب. يعني: غض الطرف عما يلهي قلبه في أثناء القراءة، حتى ينتفع بقراءته. قال: وأن يترك كل شغل حتى ينقضي درسه. يعني: مقرره الذي يريد أن يقرأه، كان أحب إليه، ليحضر فهمه، ولا يشتغل بغير كلام مولاه. فلا يعبث بشيء، أو يتكلم مع أحد، أو يعبث بالجوال في أثناء القراءة. لا يقبل على القراءة إقبالاً كلياً حتى ينتهي من مقرره. قال: ويحب إذا درس فمرت به آية رحمة، سأل مولاه الكريم. يعني: يسأل مولاه الرحمة، إذا مرت به آية رحمة، يسأل الله أن يرحمه. وإذا مرت به آية عذاب، استعاذ بالله من النار، فيقول: «أعوذ بالله من النار، اللهم قني من النار». وإذا مر بآية تنزيه لله عما قاله أهل الكفر، سبح الله، جلت عظمته. وهذا قد جاء معناه في حديث حذيفة، لما صلى مع النبي عليه الصلاة والسلام، وأطال النبي صلى الله عليه وسلم القراءة، قال: «إذا مر بآية تسبيح سبح، وإذا مر بآية فيها سؤال سأل، وإذا آية فيها تعوذ تعوذ»، حتى أكمل قراءته عليه الصلاة والسلام. قال: وإذا كان يقرأ فأذركه النعاس، فحكمه أن يقطع القراءة ويرقد، حتى يقرأه وهو يعقل ما يتلوه. نعم، إذا جاءه النعاس، فإنه يذهب ينام. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكم فنعس، فليذهب فليرقد، حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس، فإنه لا يدري ما يقول، فلعله يسب نفسه، يسب نفسه وما يدري، لأنه في وقت يعني غير كامل الشعور». فالذي ينبغي أن يذهب وينام. وهكذا أيضاً عند قراءة القرآن. قال محمد بن الحسين: جميع ما أمرت به التالي للقرآن موافق للسنة وأقاويل العلماء، وأنا أذكر منه ما حضرني إن شاء الله. قال: حدثنا الفريابي، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا الليث بن سعد، قال: حدثنا عقيل بن خالد، عن الزهري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تسوك أحدكم ثم قام يقرأ، طاف به الملك، يستمع القرآن، حتى يجعل فاه على فيه، فلا تخرج آية من فيه إلا في في الملك. وإذا قام يقرأ ولم يتسوك، طاف به الملك، ولم يجعل فاه على فيه». وهذا الأثر صحيح إلى الزهري، لكن الزهري لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، فهو مرسل. قال: حدثنا الفريابي، قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الحسن بن عبيد الله النخعي، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، أن علياً رضي الله عنه كان يحث عليه ويأمر به، يعني السواك. وقال: «إن الرجل إذا قام يصلي، دنا الملك منه، يستمع القرآن، فما يزال يدنو منه، حتى يضع فاه على فيه، فما يلفظ من آية إلا دخلت في جوفه». وهذا الأثر عن علي رضي الله عنه، بمعنى الحديث السابق، قد أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، وهكذا عبد الرزاق في مصنفه، وإسناده ثابت، لكنه موقوف على علي رضي الله عنه، وله حكم الرفع، لأن مثل هذا أمر غيبي لا يقوله علي رضي الله عنه من ذات نفسه، إلا أن يكون سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وحدثنا أبو محمد عبد الله بن العباس الطيالسي، قال: حدثنا إسحاق بن منصور الكوسج، قال: قلت لأحمد: القراءة على غير وضوء؟ قال: لا بأس بها، لا بأس أن تقرأ على غير وضوء. قال: ولكن لا يقرأ في المصحف إلا متوضئاً. قال إسحاق: يعني من رواهويه، هو كما قال: سنة النسنونة. يعني: قراءة من غير، من المصحف هو الأب، الذي ينبغي أن يكون على طهارة. القراءة في المصحف، السنة أن يكون متوضئاً. قال: حدثنا أبو نصر محمد بن كردي، قال: حدثنا أبو بكر المروزي، قال: كان أبو عبد الله، يعني الإمام أحمد رحمه الله، قال: ربما قرأ في المصحف وهو على غير طهارة، فلا يمسه، ولكن يأخذ بيده عوداً أو شيئاً، يصفح به الورق، يعني: تصفح الورق بشيء في يده. قال: حدثنا عبد الله بن العباس الطيالسي، قال: حدثنا المفضل بن أبان، قال: حدثنا بن عيينة، عن زر، قال: قلت لعطاء: أقرأ القرآن، فيخرج مني الريح؟ قال: تمسك عن القراءة حتى تنقضي الريح. قال: حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد، قال: حدثنا الحسين بن الحسن المروزي، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا عثمان بن الأسود، عن مجاهد، قال: إذا تثاءبت وأنت تقرأ، فأمسك حتى يذهب عنك، أي تثاءب. قال: وأخبرنا أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدثنا محمد بن الصباح الدولابي، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نعس أحدكم فليرقد، فإن أحدكم يريد أن يستغفر فيسب نفسه». والحديث أخرجه البخاري. فإذا كان هذا في الصلاة، وفي الصلاة مجتمعة على القراءة، الصلاة مجتمعة على القراءة، فدل هذا على أنه كذلك عند قراءة القرآن، نفس الحكم، إذا جاء النعاس، فإنه يقطع القراءة ويذهب ينام. قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا علي بن الجعد، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني عمر بن مرة، قال: سمعت عبد الله بن سلام يقول: دخلت على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحجبه، أو قال: لا يحجزه شيء عن قراءة القرآن، إلا الجنابة. والحديث أخرجه أبو داود، وضعفه الألباني رحمه الله. فالحديث ضعيف، وعبد الله بن سلام صدوق تغير حفظه. نعم، ولهذا الصحيح أن الجنب يجوز أن يقرأ القرآن عن ظهر قلب، أي من غير مس المصحف، إذ لا يعني حديث صحيح ثابت يمنع من ذلك. وإن قال بهذا جماعة من أهل العلم، اعتماداً على هذه الأحاديث، فهي ضعيفة لا تصح. قال: وأخبرنا أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن». وهذا الحديث كذلك أخرجه الترمذي، وضعفه الأعلام، الألباني رحمه الله. وهذا الحديث ضعيف الإسناد، بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث، حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث، رواه إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع بن عمر، وأحاديثه عن أهل الحجاز يغلط فيها كثيراً». وهي مسألة خلافية بين أهل العلم، في مسألة قراءة الجنب والحائض للقرآن. فمنهم، كما سمعتم، من يمنع ذلك، اعتماداً على هذه الأحاديث، ويمنع الجنب والحائض من قراءة القرآن مطلقاً، سواء كان من المصحف أو من غير المصحف. ومن أهل العلم من يجيز لهم القراءة مطلقاً، من المصحف وغير المصحف، وهم الظاهرية. ومن العلم التوسط، فقال: يمنع أن يقرأ من المصحف، ويجوز أن يقرأ من غير المصحف، وهذا هو الأصح. قال محمد بن الحسين: جميع ما ذكرته ينبغي لأهل القرآن أن يتأدبوا به، ولا يغفلوا عنه. قال: فإذا صرفوا عن تلاوة القرآن، اعتبروا نفوسهم بالمحاسبة. فإن تبينوا منها قبول ما ندبهم إليه مولاهم الكريم، مما هو واجب عليهم من أداء فرائضه واجتناب محارمه، حمدوه في ذلك، وشكروا الله على ما وفقهم له. وإن علموا أن النفوس معرضة عما ندبهم إليه مولاهم الكريم، قليلة الاكتراث به، استغفروا الله عز وجل من تقصيرهم، وسألوه النقلة من هذه الحال التي لا تحسن بأهل القرآن، ولا يرضاها لهم مولاهم، إلى حال يرضاها، فإنه لا يقطع من يلجأ إليه. والمعنى: أن حامل القرآن ينبغي أن يحاسب نفسه بعد تلاوة القرآن، إذا كان عنده تفريط وتضييع في شيء من الواجبات، أن يحملها على لزوم هذه الفرائض الواجبات، والتوبة إلى الله من ذلك. وإن كان عنده شيء من الوقوع في المحرمات، فيتوب إلى الله، ويقلع، ويلزم اجتناب ما نهى الله سبحانه وتعالى. قال: ومن كانت هذه حاله، وجد منفعة تلاوة القرآن في جميع أموره، وعاد عليه من بركة القرآن كل ما يحبه في الدنيا والآخرة، إن شاء الله. وكما مر معنا، أن أفضل الطرق في محاسبة الإنسان نفسه، أن يعرض نفسه على القرآن، ينظر كيف هو مع كتاب الله سبحانه وتعالى. قال: حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد، قال: حدثنا الحسين بن الحسن المروزي، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا همام، عن قتادة، قال: «لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان». ﴿ قَضَى اللَّهُ الَّذِي قَضَى شِفَاءً وَرَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً ﴾. نعم، ما جالس القرآن أحد إلا كان بين أمرين: إما زيادة، أو نقصان. إما زيادة في الإيمان وفي الخير، وإما نقصان، إذا كان عنده تفريط وتضييع. وحامل القرآن لا شك يحرص أن يكون عنده الزيادة والانتفاع بقراءة القرآن وتلاوته ومدرسته، مما ينتفع به انتفاعاً عظيماً. قال: أخبرنا إبراهيم بن موسى الجوزي، قال: حدثنا يوسف بن موسى القطان، قال: حدثنا عمر بن حمران، عن قتادة، في قول الله عز وجل: ﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾. قال: البلد الطيب: المؤمن، سمع كتاب الله فوعاه، وأخذ به، وانتفع به، كمثل هذه الأرض، أصابها الغيث، فأنبتت وأمرعت، يعني: أخرجت الثمار والزروع، وانتفعت بهذا الغيث انتفاعاً عظيماً. وهكذا حال القلوب مع القرآن، كيف ينتفع المؤمن بالقرآن انتفاعاً عظيماً، فيزداد إيماناً، ويزداد خشية لله وإحساناً في العمل، إلى آخره. قال: ﴿ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً ﴾، أي: إلا عسراً. فهذا مثل الكافر، قد سمع القرآن فلم يعقله، ولم يأخذ به، ولم ينتفع به، كمثل هذه الأرض الخبيثة، أصابها الغيث، فلم تنبت شيئاً، ولم تمرع شيئاً، ولم تمرع شيئاً. باب في حسن الصوت بالقرآن. اختتم رحمه الله هذه الرسالة وهذا الكتاب بهذا الباب، في مشروعية تحسين الصوت بالقرآن. والمراد بتحسين الصوت بالقرآن: تزيينه وتجميله وتنغيمه عند تلاوة القرآن، بالصوت الطبيعي الذي رزق الله عز وجل به القارئ. وليس المقصود من تحسين الصوت بالقرآن التكلف الذي يفعله كثير من القراء، حتى يخرج الحروف عن قراءتها الصحيحة، من أحكام التجويد وصفاتها، فيكثر في المد والتمطيط، مما لا يحسن أن يفعله في قراءة القرآن، أو ربما يقرأ القرآن بقواعد الموسيقى، بأمور المحرمة التي لا تجوز. قال: أخبرنا الفريابي، قال: حدثنا صفوان بن صالح، قال: حدثنا محمد بن شعيب، قال: أخبرنا الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله، أنه حدثه عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لله أشد أذنا، أذنا، يعني استماعاً، والأذن هو الاستماع، ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ﴾، يعني: استمعت لربها، حق لها ذلك أن تستمع». فالله عز وجل يحب أن يسمع القرآن ممن يقرأه، ويحسن قراءته، ويزين صوته في قراءة القرآن. قال: «لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن، من صاحب القينة إلى القينة». القينة: المغنية، المغنية التي تغني. والحديث أخرجه ابن ماجه، وضعفه الألباني رحمه الله في الضعيفة. قال الأوزاعي: «أذنا» يعني: استماعاً. وهذا المعنى صحيح، ثابت كما سيأتي في الأحاديث الأخرى: «ما أذن الله لشيء، ما أذن لرجل حسن الصوت يتغنى بالقرآن». نعم، في المعنى صحيح. قال: وأخبرنا الفريابي، قال: حدثنا أبو قدامة. وهذا الحديث الذي قرأناه الآن، من صاحب القينة إلى القينة، كان فيه ضعف، فيه إسماعيل بن عبيد الله، الراوي عن فضالة، بينهما وبين فضالة قطع، لم يلقه، وهم يسمعون منه. نعم، لكن يغني عنه ما جاء في البخاري، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أذن الله لشيء، ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن، يجهر به». فالمعنى صحيح ثابت. قال: وأخبرنا الفريابي، قال: حدثنا أبو قدامة، وعمر بن علي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: حدثني طلحة بن مصرف، عن عبد الرحمن بن عوسجة، قال: للبراء بن عازب رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «زينوا القرآن بأصواتكم». والحديث أخرجه أبو داود، وصححه الألباني رحمه الله. فهذا الحديث أمر من النبي صلى الله عليه وسلم، وحث وترغيب في تزيين القرآن بالصوت، لأن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً، كما قال عليه الصلاة والسلام. لكن يكون تزيين القرآن بالصوت بحسب، كما قلنا، ما أعطي الإنسان من الصوت، يكون بصوته الطبيعي، ليس فيه تكلف في التحسين، وتمطيط القراءة إلى آخره، حتى لا يخرج عن الاعتدال. ولهذا أهل العلم ذكروا أن تزيين القرآن بالصوت على قسمين: القسم الأول: ما كان في حدود الطبيعة، في حدود الطبيعة، يقرأ ويزين صوته بالقرآن، بما أتاه الله عز وجل من صوت حسن، يراعي في ذلك أحكام التلاوة والتجويد، وكذلك أحكام القراءة، من غير تكلف، ولا خروج عن الاعتدال. هذا محمود، هذا محمود. والنوع الثاني: ما كان فيه تصنع، ما فيه تصنع وتكلف، وخروج عن الطبيعة، فيحصل بذلك تكلف، ومراعاة للأوزان والمقامات. فهذا مذموم، هذا مذموم. قد حذر السلف رحمهم الله من ذلك. قال: وحدثنا جعفر الصندلي، قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، قال: قلت له: قوله صلى الله عليه وسلم: «زينوا القرآن بأصواتكم»، ما معناه؟ قال: التزيين: أن يحسنه، يعني: يحسن صوته بالقراءة. قال محمد بن الحسين: ينبغي لمن رزقه الله حسن الصوت بالقرآن، أن يعلم أن الله عز وجل قد خصه بخير عظيم. إذا رزق الله عز وجل الإنسان بصوت حسن، فهذه نعمة من الله، من الله عز وجل بها على صاحب هذا الصوت الحسن. قال: فليعرف قدر ما خصه الله به، أي: من هذه النعمة العظيمة. قال: وليقرأ لله، لا للمخلوقين. تكون قراءته لله، يريد الأجر والثواب من الله، لا المدح والثناء من الناس، أو أخذ الأموال من ذلك، والتأكل بالقرآن. قال: وليحذر من الميل إلى أن يستمع منه، ليحظى به عند السامعين، رغبة في الدنيا، والميل إلى حسن الثناء والجاه عند أبناء الدنيا، والصلاة عند الملوك، دون الصلاة بعوام الناس. فمن، فمن مالت نفسه إلى ما نهيته عنه، خفت أن يكون حسن صوته فتنة عليه. أحياناً تكون النعمة فتنة على صاحبها، إذا لم يحسن استعمالها، ولم يشكر الله عز وجل عليها، فقد تكون نقمة عليه. قال: وإنما ينفعه حسن صوته، إذا خشي الله عز وجل في السر والعلانية، وكان مراده أن يستمع منه القرآن، لينتبه أهل الغفلة من غفلتهم، فيرغبوا فيما رغبهم الله عز وجل، وينتهوا عما نهاهم. فمن كانت هذه صفته، انتفع بحسن صوته، وانتفع به الناس، لأنه يحيي قلوبهم بالقرآن، فينتفعون بذلك انتفاعاً عظيماً. أما إذا كان مقصوده أن يثنى عليه، ويشتهر، وكذلك ينال شيء من الدنيا، هنا يخشى عليه الوقوع في الرياء، فيذهب عليه عمله هباء منثوراً. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه». قال: حدثنا عمر بن أيوب السقطي، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري. وحياً كما ذكر رحمه الله، قد يكون حسن الصوت فتنة لصاحبه. وذكر لي أحد إخواننا من قراء، أن أخاً كان حسن الصوت بالقراءة، حسن الصوت بالقراءة، فكان يميل إلى من يعطيه أكثر، حتى آل به الأمر إلى أن أصبح الآن، يعني: يغني، عياذاً بالله، يغني وينشد الأغاني من أجل الدنيا، والسبب حسن صوته بالقرآن. نسأل الله السلامة والعافية. قال: حدثنا عمر بن أيوب السقطي، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا إبراهيم، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحسن الناس صوتاً بالقرآن، الذي إذا سمعته يقرأ، حسبته يخشى الله عز وجل». والحديث أخرجه ابن ماجه، وحسنه الألباني رحمه الله. قال: وحدثنا الفريابي، قال: حدثنا محمد بن الحسن، قال البلخي، قال: حدثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا يونس بن يزيد، عن الزهري، قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحسن الناس صوتاً بالقرآن، من إذا سمعته يقرأ، أريت أنه يخشى الله». نعم، «أريت» بمعنى: حسبت، كالرواية التي قبلها. فدل الحديث على أن أحسن الناس صوتاً، من كان يخشى الله عز وجل في تلاوته وقراءته، فيقرأ، وتكون هذه القراءة لها أثر في قلبه، فتحرك القلوب، فما تصل إلى الآذان، إذا، وتكون لها أثر في قلوب السامعين. هذا أحسن من يكون من القراء، من ذوي الصوت الحسن. قال: قال محمد بن الحسين: وأكره القراءة بالألحان والأصوات المعمولة، المطربة، المعمولة، يعني: الخارج عن الطبيعة، فيها تصنع وتكلف، المطربة، يعني: تعتمد على الألحان والأوزان، أوزان الموسيقى. قال: فإنها مكروهة عند كثير من العلماء، مثل يزيد بن هارون، والأصمعي، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيد القاسم، وسلام، وسفيان بن عيينة، وإنه غير، وإنه غير واحد من العلماء. ويأمرون القارئ إذا قرأ أن يتحزن، ويتباكى، ويخشع بقلبه، كما مر. أن القراءة بهذا النوع من القراءة، بالأوزان والمقامات، هذه من الأمور المحدثة، التي ينبغي لقارئ القرآن أن يتجنبها، وهي من الأمور المستحدثة، التي ما كان عليها الصحابة رضوان الله تعالى عنهم، ولا تابعون لهم بإحسان. كانوا يقرأون بصوت طبيعي، في تحسين القرآن، وفي تزيينه. لكن لما ظهرت فنون الموسيقى، وتوسع فيها الناس، وجعلوا لها مقامات وأوزان، أصبحوا يدخلون القرآن، ويقرؤونه بتلك الأوزان والمقامات. وهذا لا شك أنه أمر يعني منكر، وهو من الأمور المحدثة، والأمور المنكرة. يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «أما ما أحدث بعدهم من تكلف القراءة على ألحان الغناء، فهذا ينهى عنه عند جمهور العلماء، لأنه بدعة، ولأن ذلك فيه تشبيه للقرآن بالغناء، ولأن ذلك يورث أن يبقى قلب القارئ مصروفاً إلى وزن اللفظ بميزان الغناء، لا يتدبره ولا يعقله، وأن يبقى المستمعون يصغون إليه لأجل الصوت الملحن، كما يصغى إلى الغناء، لا لأجل استماع القرآن وفهمه وتدبره والانتفاع». نعم. قال: قال: وحدثنا الفريابي، قال: حدثنا الهيثم بن أيوب الطالقاني، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن أبي رافع، إسماعيل بن رافع، قال: حدثني أبو مليكة الأحول، عن عبد الرحمن بن السائب، قال: قدم علينا سعد بن مالك، بعدما كف بصره، فأتيته مسلماً، وانتسبني، فانتسبت له، قال: مرحبا بابن أخي، بلغني أنك حسن الصوت بالقرآن، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، وتغنوا به، فمن لم يتغن به فليس منا». والحديث أخرجه ابن ماجه، وضعفه الألباني رحمه الله في الضعيفة. لكن قوله: «فمن لم يتغن فليس منا»، ثابت في صحيح البخاري، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وقوله: «نزل بحزن»، يعني: أنه مصحوب بما يؤثر على القلوب بالخشوع والحزن. هذا صحيح، ويدل عليه قول الله عز وجل: ﴿ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾. قال: وأخبرنا الفريابي، قال: حدثنا إسماعيل بن السيف، من عطاء، قال: حدثنا عون بن عمر، أخو رياح القيسي، قال: حدثنا سعيد الجريري، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرؤوا القرآن بحزن، فإنه نزل بحزن». والحديث أخرجه العقيلي في الضعفاء، وفي إسناده عون بن عمر القيسي، متكلم فيه. قال محمد بن الحسين: فأحب لمن قرأ أن يتحزن أثناء قراءته، ويتباكى، ويخشع قلبه، فيتفكر في الوعد والوعيد، ليستجلب بذلك الحزن، يعني: يثير قلبه، واستحضار الآيات عند تلاوة آيات الوعد والوعيد، فيتأثر بذلك، ويحصل له الخشوع، وتدبر البكاء. قال: ألم تسمع إلى ما نعت الله عز وجل من هو بهذه الصفة، وأخبر بفضلهم، فقال عز وجل: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ الآية. قال: ثم ذم قوماً استمعوا القرآن فلم تخشع له قلوبهم، فقال عز وجل: ﴿ أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ ﴾. يعني: لاهين، سامدون بمعنى: لاهين، لاعبين، بمعنى: غافلين عن تدبر القرآن، وعن الانتفاع به. سامدون. قال: قال: ثم ينبغي لمن قرأ القرآن أن يرتل القرآن ترتيلاً، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ﴾. قيل في التفسير: بينه تبييناً. فالترتيل بمعنى التبيين، بمعنى: أن تخرج الكلمات واضحة بينة، وكذا مخارج الحروف، فتكون واضحة بينة. وهذا لا يحصل بقراءته بسرعة، وإنما يحصل بالترتيل والتأني في قراءته. قال: وعلم أنه إذا رتله وبينه، انتفع به من يسمعه منه، وانتفع هو بذلك، لأنه قرأه كما أمر. قال الله عز وجل: ﴿ وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ ﴾، يقال: على تؤدة، ﴿ وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ ﴾، أي: نزل مفرقاً، وقرآن نزل منجماً على النبي صلى الله عليه وسلم، خلال 23 سنة، ينزل عليه القرآن على حسب الوقائع، فيحصل بذلك الانتفاع. قال: حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد، قال: حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى، قال: حدثنا مالك بن سعير، قال: حدثنا ابن أبي ليلى، عن حكم، عن مقسم، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال في هذه الآية: ﴿ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ﴾، قال: بينه تبينا قال وحدثنا جعفر المحمد الصندري قال أخبرنا أبو بكر من زنجوي قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا سفيان عن عبيد المكتب عن مجاهد في قول الله عز وجل وقرآن فرقناه لتقرأه على الناس على مكث قال على تؤده يعني تمهل وروية وعدم استعجال ولا هذ كهذ الشعر فهذا مما يحصل به الانتفاع إذا كان كذلك قال والقليل من الدرس للقرآن مع الفكر فيه وتدبره أحب إلي من قراءة الكثير من القرآن بغير تدبر ولا تفكر فيه يعني قراءة القليل من القرآن مع التدبر والفهم أفضل من قراءة الكثير من غير التدبر قال فظاهر القرآن يدل على ذلك والسنة وقول أئمة المسلمين يعني أتدل على هذا أن هذا هو الأفضل أفلا تدبرون القرآن كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبر آياته قال حدثنا جعفر المحمد الصندري قال أخبرنا الحسن المحمد الزعفراني قال حدثنا إسماعيل من علية عن أيوب عن أبي جمرة الضبعي قال قلت لابن عباس إني سريع القراءة إني أقرأ القرآن في ثلاث يعني ثلاث ليالي قال لأن أقرأ البقرة في ليلة فأتدبرها وأوردت لها أحب إلي من أن أقرأ كما تقول يعني يقول لو قرأت قللت من القراءة بتدبر وحضور قلب وفهم لي الآيات هذا أفضل من أن تقرأ الكثير من غير يتدبر وتعقل لما تقرأ قال حدثنا جعفر أيضا قال حدثنا أبو بكر من الزنجوي قال حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا يوسف عن عبيد المكتب قال سئل مجاهد عن رجل قرأ البقرة وآل عمران ورجل قرأ البقرة قراءتهما واحدة وركوعما وسجودهما أيهما أفضل قال الذي قرأ البقرة ثم قرأ وقرآن فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ورتلناه ترتيلا يعني أنهما بدأ في الصلاة في وقت واحد هذا قرأ البقرة وآل عمران وهذا في نفس الوقت قرأ البقرة فقط وهما سواء في القيام والركوع والسجود فقال الذي قرأ البقرة فقط هو الأفضل لأنه قرأها بتوادة وتأني وترتيل أفضل من ذلك الذي تعجل وقرأ البقرة وآل عمران قال محمد من الحسين جميع ما قلته ينبغي لأهل القرآن أن يتخلقوا بجميع ما حثثتهم عليه من جميل الأخلاق وينزجروا عما كرهته لهم من دناءة الأخلاق وهذا الذي يحصل به الانتفاع إذا عمل الإنسان بمعلم وطبق ذلك فإنه ينتفع بذلك انتفاعا عظيما وقد مرت معنا الأداب الكثيرة والأخلاق المتنوعة التي ينبغي أن يتحل بها حامل القرآن قال والله نموفق لنا ولهم إلى سبيل الرشاد والحمد لله رب العالمين تم جميع الكتاب وبهذا نكون تهينا من قراءة هذه الرسالة النافع الماتعة غفر الله جل وعلا لمصنفها ولسائر مشايخنا وعلمائنا وسائر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات صلى الله وسلم على نبينا محمد آله وصحبه أجمعين