الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 61، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الحديث النبوي يبين أن الله ينظر إلى قلوب العباد وأعمالهم وليس إلى مظاهرهم الخارجية. هذا يؤكد على أهمية صلاح القلب والعمل الصالح.
يؤكد الإسلام على أهمية إقامة الدين في القلوب والأقوال والأفعال، مع العناية بتطهير القلب من التعلق بغير الله وتقوى القلوب.
الإيمان يشمل القول والعمل، ويجب التلازم بين القلب والعمل، مع شرطي الإخلاص في القلب والاتباع في العمل لقبول الأعمال عند الله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال مؤلف -رحمه الله تعالى-، عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». أورد المؤلف -رحمه الله تعالى- هذا الحديث بهذا الباب، والذي يتحدث فيه عن فضل الإسلام، وهذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه. ومعنى هذا الحديث بجملته، أخبر فيه نبينا -صلى الله عليه وسلم- بأن الله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى أجسام العباد وأجسادهم لكي يجازيهم عليها، فليس المعيار في الحساب والعقاب أو في الإثابة أن يكون متعلقاً بطول العبد أو عرضه، أو ما يتعلق بخفته أو ثقله، أو ما يكون من جمال ومن قبح، أو ما يتعلق بلون بشرته، إن كان أبيض أو كان أسود، هذا ليس معيار عند الله جل وعلا في محاسبة العباد. وليس المعيار كذلك في محاسبة الرب للعباد أن الله سبحانه وتعالى ينظر إلى أموالهم، لا، ما كان هذا معياراً، بمعنى أن من كان كثير الأموال من الأثرياء من الأغنياء فهذا القريب، وهذا المقرب من ربه سبحانه وتعالى، بخلاف الفقير فهو من أبعد الناس عن الله، لا، ليس هذا المقياس، فالله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى أموال الخلق وإلى ما هم فيه من ثراء ومن غناء لكي يحاسبهم على ذلك، فهذا ليس معياراً في قرب العبد أو بعده عن ربه. فإذا كان الله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى الأجساد ولا إلى الأجسام ولا إلى الأموال، فعلى ماذا المعول وعلى ماذا ينظر الرب سبحانه وتعالى؟ قال عليه الصلاة والسلام: «ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»، ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. وهذا الحديث -إخواني في الله- بهذا اللفظ يفيدنا عدة أمور، الأمر الأول: بأن الإنسان لا يتكأ ولا يعول على هذه الأشياء المذكورة، وهي من المقاييس البشرية، فلا يظن العبد أن فلاحه عند ربه جل وعلا يعود إلى كثرة الأموال أو يعود إلى صحة الأبدان والأجساد، أو يعود إلى حسن الصورة، هذا ليس معيار ولا مقياس، فلا تعول عليه. وكذلك بعض من يتعلق بالنسب، فيرى أن نسبه وقبيلته وعشيرته وجماعته الذي ينتمي إليها هي التي تقربه إلى الله زلفى، لا، لا تعول على هذه الأمور، كان الكفار كذلك، كان الواحد منهم يرى أنه إذا بلغ في العشيرة من العزة والمنع والقوة والسلطة والهيمنة إذا بلغ مبلغاً عظيماً عند أصحابه فهو المقرب عند ربه، فكان هذا، فجاءت الآيات الكثيرة التي تهدم هذا الأصل: «لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً وأولئك هم وقود النار»، ولأن العبرة بقصة صاحب الجنتين كما في سورة الكهف، الذي أعطاه الله جل وعلا تلكم الجنان التي أثمرت وأينعت حتى جاء منها هذا الخير، فاتكأ عليها، وليس هذا فحسب، بل جعلها المعيار عند ربه: «ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً»، على قول جماعة من المفسرين: على أن هذا من جهله، ظن أن الله لما حباه بهذه الجنة معناها أن الله قد خبأ له جنة أعظم من هذه الجنة لأن المعيار عنده دنيوي، لكن كان الرد واضحاً جلياً إذ خسف الله جل وعلا بجنته، لأن هذا ليس معياراً. فلا تتكأ -يا عبد الله- ولا تفتخر على غيرك بما أعطاك الله به من حسن أو من جمال أو من مال أو من حسن حال. الفائدة الثانية كذلك في هذا الحديث أن نعلم أن العبرة بإقامة الدين، العبرة بإقامة الدين، هذه العبرة عند الله جل وعلا، إقامة الدين في القلوب وفي الأقوال وفي الأفعال والأعمال والأحوال، هذه العبرة، فمن أراد أن يكون فالحاً صالحاً وأن يكتسب السعادة والنجاح عند ربه جل وعلا فليقم الدين، وليعول على ما ذكر: أقم الدين -يا عبد الله- تأتيك السعادة، وهذا المعيار عند الله سبحانه وتعالى. فرب رجل قد يكون فقيراً معدما ما يملك مالاً ولا يملك ثياباً، بل ربما ما يملك مأوى ولا سكنة، وهو عند الله جل وعلا معظم معظم، كما قال سبحانه: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، فهذه القاعدة: المكرم عند ربه جل وعلا هو التقي، بغض النظر عن حسبه عن نسبه، لربما كان عبداً ليس له نسب، ليس له أصل ولا فصل، ولا يعرف بنسب ولا حسب، لكن ربه يعرفه بصلاته، بقيامه، بصيامه، بذكره، بورده، فهذا العبر -إخواني في الله- «ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»، ولو كان كما سمعت ممن لا يؤبه له ولا يرفع له ذكر. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى»، إلا بالتقوى، قد يكون عربي أصيل، أصيل، بل ربما كان من سلالة الرسول -صلواته ربي وسلامه عليه- من سلالته ومن نسبه ومن أصله ومن ذريته، ويأتي آخر رجل أعجمي، أعجمي، ومع ذلك فربما كان هذا الأعجمي خيراً من هذا الرجل المتصل للسند لرسول الله، ولهذا قال نبينا: «يا فاطمة، أنتِ من محمد، اعملي ما شئتِ، فإني لن أغني عنكِ من الله شيئاً»، العبر بما تعمل -يا عبد الله-. فهذا من فوائد هذا الحديث، كذلك من فوائد هذا الحديث -إخواني في الله- الاهتمام بالقلب خاصة، العناية بالقلوب، القلوب، ويؤيد هذا المعنى أن في أحد روايات مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم»، وأشار بأصابعه إلى صدره، وأشار بأصابعه إلى صدره -عليه الصلاة والسلام-، فحص القلب من دون سائر الأعمال، من دون سائر الأعضاء، إشارة إلى ضرورة العناية بالقلب. فإن الإنسان لا يدخل على ربه يوم القيامة إلا بقلبه: «يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم»، بقلبك -فحصي- عبد الله على عناية القلب والاهتمام به، فإن الحساب والعقاب يكون بما في القلوب، قال سبحانه: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، قال علماء: السرائر بمعنى الضمائر، فالعبرة بالضمائر لا بالظواهر، وقال سبحانه: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾، ما في القلوب. بهذا -عبد الله- عليك أن تصف قلبك وأن تطهره، لأنه محل نظر الرب سبحانه وتعالى، أعظم ما يصف منه القلب أن يصف من التعلق بغير الله، فلا تلتفت إلى غير الله، هذه أعظم شائبة وأخطرها، أن الله سبحانه وتعالى ينظر في قلبك فيجد أن قلبك قد التفت إلى غيره، تعلق بغير الله، تتعلق بالأموات، تتعلق بالأحياء، تتعلق ببعض الأغراض تعظيماً وتعلقاً وحباً ورجاءً واستغاثة ونداءً وخوفاً وتوكلاً، يسخط ربنا جل وعلا مثل هذه القلوب. فينبغي -يا عبد الله- أنك تعتني بقلبك، وأعظم ما يعتنى به القلب أنك تعتني به بماذا؟ بتوحيد القصد إلى الرب جل وعلا. كذلك من فوائد هذا الحديث، ومع القول بضرورة العناية بالقلب، لا سمعنا أنك تهمل العمل، حتى سمعنا من بعض الناس ولا زلنا نسمع أن البعض يتلفظ يقول: العبر بما في القلوب، أو أن قلبي سليم، أو أن ربك رب القلوب، دعنا مع قلبي، أنت بتدارشني في حالي، وهذا متى يؤتى بها؟ يؤتى بها عند فعل المخالفات، عند فعل المعاصي، عند فعل الذنوب والسيئات، يتعذر أصحابها بما في القلب، هذا ليس بصحيح، ليس أنك تدعي سلامة القلوب بحجة أنه يسوغ لك أن تفعل ما شئت من المعاصي والذنوب، هذا لا يجوز. فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل، قول القلب وعمل الجوارح، ويصرحون بأن الإيمان هو اعتقاد بالجنان -أي بالقلوب- وعمل بالجوارح والأركان، لابد أنك تعمل، لابد أنك تعمل، وقد أخبر عليه الصلاة والسلام بأن العمل إنما هو يتفرع من القلب، فإن كنت صادقاً بأن قلبك على خير وعلى طاعة لكان هذا يظهر في عملك. قال عليه الصلاة والسلام: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله»، تظهر الخيرية، لكن لما رأينا أن هناك خللا في عملك علمنا أن هناك خبيئة في قلبك، فالأعمال تعكس ما في القلوب، تعكس عن ما في القلوب، ولا بد. كذلك الفائدة تذكر من فوائد هذا الحديث: «إن الله ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»، الربط بين القلب والعمل، القلب والعمل، ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فإن الربط بينهما يكون معنا في أبواب كثيرة من دين الله جل وعلا، فهناهما محل نظر الرب، ينظر الرب جل وعلا إلى قلوبنا وأعمالنا، فجمع بينهما ليدل على أنهما ركيزة أساسية في دين الله جل وعلا. فمن ذلكم حتى تعلم مدى علاقة القلب مع العمل والعمل مع القلب، ولا بد من التلازم، ما يتعلق بقضية قبول الأعمال عند الله، فأهل السنة، وهذا بإجماع الأمة، بما صحت عليه الأدل: على أن الأعمال لا تقبل عند الله إلا بشرطين اثنين: الإخلاص والاتباع، الإخلاص أين محله؟ في القلب، والاتباع أين محله؟ في العمل، في العمل، فلابد أنك عندما تسير إلى الله جل وعلا أن تجعل هذين المصدرين هما الركيزة في كل عبادة تتعبد الله بها، أن تكون مخلصاً في قلبك راجياً لثواب عند الله جل وعلا، وأن تكون كذلك في عملك متبعاً للسنة، فإذا اختل أحد الوصفين، فإن كان سقط القلب فكنت متبعاً لكن بلا إخلاص رد العمل، أو كنت مخلصاً لكن العمل على غير السنة على بدعة لم يقبل العمل، فوجب أن تجمع بين القول والعمل، بين الإخلاص والمتابعة. صورة أخرى من صور الجمع بين القول والعمل ما يكون في الدين، دين الله جل وعلا يقوم على عقيدة وشريعة، عقيدة وشريعة، فالعقيدة محلها القلب، العقيدة محلها القلب، والشريعة محلها العمل، إذ أن العقيدة عند العلماء هو ما يعتقده العبد في قلبه من الاعتقادات إيماناً وتصديقاً، كالإيمان بأركان الدين بأركان الإيمان، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقضاء خيره وشره، وما يتبع ذلك من أخبار الدين ومن مسائل المعاد ومن أشراط الساعة، كل ذلك عقيدة تعتقدها في القلب، ولا بد، وهكذا يقوم على الشريعة، والشريعة هي الأعمال الظاهرة من عبادات ومن أخلاق ومن معاملات ومن سلوكيات وأحوال، هذه شريعة. فالإسلام لا يقوم إلا على عقيدة وهي في القلب، ولا يقوم إلا على شريعة وهي العمل، ولهذا تجد أن القرآن كثيراً ما يأتي بهذين الوصفين: «إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات»، إيمان بالقلب وهي العقيدة، والعمل الصالح هي الشريعة، وهي العبادة التي أنت تسير عليها، يدلك على ضرورة العناية بالقلب والعمل. كذلك من الروابط قال علماء: أن يعلم أن الإنسان له ظاهر وله باطن، لك ظاهر ولك باطن، وأنت ينبغي أن تهتم بالأمرين كليهما، لابد أنك تعتني بظاهرك، واعتني بباطنك، لا أنك تخل بأحدهما، وهذا حال كثير من الناس، من الناس -إخواني في الله- من لربما يعتني بظاهره بالنظافة والسداد والتنزه من القاذورات والأوصاب، لكنه في باطنه قد ملئ حقداً وحسداً وبغض وضغينة وكره وعداوة لإخوانه، هذا اعتنى نعم بالظاهر، لكن ما اعتنى بباطنه، هذا إخلال، وهذا ينقص قدره عند الله جل وعلا. أو بالعكس، أو من الناس بل ربما يعتني بقلبه بالرقائق والمواعظ، لكنه في الظاهر من يعتني بظاهره، كثير الخصومات، شديد المعاملة مع خلق الله جل وعلا، أو لا يتنزه من القاذورات، هذا أخلى بالعناية بالظاهر، فالإسلام والمرء المسلم يقوم على هذين الأمرين: العناية بالظاهر والباطن، كما قال نبينا: «ولكن ينظر إلى قلوبكم» وهو الباطن «وإلى أعمالكم» وهو الظاهر. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.