الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 77

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 77

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 77، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مؤامرة كفار قريش لقتل النبي في دار الندوة

اجتمع كفار قريش في دار الندوة لبحث كيفية إيقاف دعوة النبي، وتدخل إبليس لدعم فكرة قتله. القصة لها أصل ثابت لكن بعض التفاصيل تحتاج تثبتاً لضعف أحاديثها.

تفاصيل هجرة الرسول وموقف سراقة بن مالك

بقي علي بن أبي طالب على فراش النبي ليخدع الكفار، وخرج سراقة بن مالك للقبض عليهما للحصول على الجائزة، لكنه واجه معجزة إلهية فأعلن الأمان للنبي وأبي بكر.

حماية الله للنبي خلال هجرته

أظهر النبي ثقته بالله وتوكله عليه أثناء مطاردة الكفار، وصرفهم عنه كان بتدخل إلهي، كما أسلم سراقة بن مالك بعد إدراكه للمعجزة الإلهية.

ختام الحديث عن هجرة النبي والتمهيد لوصوله المدينة

تم استعراض بعض الحوادث المتعلقة بهجرة النبي، وسيتم التطرق في الدروس القادمة إلى وصوله للمدينة المنورة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلنتحدث إخواني في الله عن ذكر ما يتعلق بمباحث الهجرة النبوية وما كان من هجرته عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة. وفي هذا المقام من باب التكملة والمتابعة، سنذكر أهم الأحداث والوقائع والحوادث التي وقعت في هجرته عليه الصلاة والسلام، مع النظر إلى صحتها في ميزانها العلمي. فإن مما يذكر في قصة هجرته عليه الصلاة والسلام ما كان من أمر كفار قريش عندما علموا بهجرة الصحابة، وكيف أنهم تسللوا مهاجرين إلى المدينة تاركين مكة. تفطن الكفار إلى هجرة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأرادوا أن يبادروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمرهم قبل أن يبادرهم بهجرته. فمن هنا كان اجتماعهم في دار الندوة، وهي الدار التي أعدت للنقاش والحوار ولقطع القرارات المهمة التي تمت بالبلد. فكان من اجتماع سادات قريش وكبرائهم وأشرافهم في دار الندوة، وذلك في كيفية صد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الهجرة. وذكر أن في هذا الاجتماع كان باستئذان رجل دخل عليهم، وهو ليس منهم، إذ برجل على هيئة شيخ جليل من نجد، وهو في الحقيقة إبليس تشكل بهذه الهيئة حتى يدخل في أوساط الكفار بهيئة شيخ نجدي. قال المفسرون والعلماء: لماذا اختار هذه الهيئة؟ قالوا: لأن أهل نجد قد عرفوا بالفهم والحصافة والخبرة والحنكة، وهم في هذا المكان بأمس الحاجة إلى خبرات الناس. فأدخلوه بعدما استأذن في الدخول، فحينها تشاوروا في عدة أمور، ثم استقر أمرهم إلى أمر واحد، وهو أنهم يأخذون من كل قبيلة رجلًا، ثم يدفعون له بالسيف، وذاك بمثله، ثم يجتمعون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقتلونه قتلة رجل واحد. فإذا فعلوا ذلك، حينها يكون دمه عليه الصلاة والسلام على عاتق جميع القبائل، ليست قبيلة ولا ثنتين ولا ثلاث ولا أربع ولا خمس، مجموعة قبائل اشتركت في دم رسول الله عليه الصلاة والسلام. وكانت هذه الفكرة الشيطانية في حساب أولًا قطع دعوة رسول الله بموته عليه الصلاة والسلام، كذلك بمآلات الأمور أن بني هاشم إذا أرادوا أن يثأروا لرسول الله، كيف سيأخذون الثأر من القبائل على أسرها؟ لا يمكنهم، فحينها سيصطلحون على الدية. هذه القصة إخواني في الله، وهي من القصص المشهورة المتداولة في كتب التواريخ والسير. نعم، رواها جماعة من أهل السنن، فقد جاءت عند أبي نعيم والبيهقي في الدلائل، وهكذا جاءت ذكرها الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره وغير واحد. إلا أن أحاديث هذه القصة معلة، ما من طريق إلا وفيه إعلال وفيه ضعف. ولهذا فالتفاصيل المذكورة في هذه القصة لا يمكن أننا نؤكدها، فالله أعلم بحقيقة التفاصيل. لكن من حيث أصل القصة، فالأقرب أنه ثابت. ولماذا نقول أن أصل القصة ثابت؟ لأن الله سبحانه وتعالى في القرآن أشار إلى هذه المؤامرة، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثَبِّتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. فذكر ربنا عز وجل مكر الكفار، ولهذا لا تكاد تجد أحدًا من المفسرين سواء كان من المختصرات أو من الأمهات من كتب التفاصيل عند هذه الآية إلا وأشار إلى حادثة دار الندوة، لأن ما وقع في دار الندوة في المخططات الثلاث هي التي جار عليها ذكر الآية. فَتَجِد أن هذه الآية تتحدث عن حقيقة ما وقع في دار الندوة، ولهذا نقول: أصل القصة قد حصل، لكن هذه التفاصيل الله أعلم بتفاصيلها؛ لأن الأحاديث لا تنهض بالحجية. ومما يذكر من الأحاديث والحوادث في هجرة رسول الله عليه الصلاة والسلام أن النبي لما أراد أن يهاجر، وقد مر معنا أن هجرته كانت بغتة، خرج في وقت لا يعلم به أحد، جعل على فراشه علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. إذ أن الكفار كانوا يراقبون رسول الله، فما أراد نبينا أن يختفي عن بيته فيتنبه الكفار لسفره. ولهذا طالب نبينا من علي رضي الله تعالى عنه أن يبقى على فراشه وأن يتدثر بفراشه وغطائه ولحافه حتى يوهم الكفار أن محمدًا لا زال في بيته. وهذه القصة إخواني في الله قد جاءت كذلك عند الحاكم في مستدركه، وذكرها كذلك أبو داود الطيالسي، وصححها الحاكم ووافقه الذهبي على التصحيح، وهكذا أخرجها أحمد في مسنده، وقد صححها الإمام العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى. ومما يؤذى ذكره كذلك من فوائد وجود علي وتخلفه أن النبي أمّنه للأمانات والودائع التي كانت عنده، إذ أن النبي كان محل ثقة عند الناس، ليس عند أهل الإسلام بل حتى عند أهل الكفر، فكان الكفار يؤمنون رسول الله على الأموال والودائع. فما أراد نبينا أن يذهب وتضيع ودائع الناس، فكان قيل أن من أسرار إبقاء علي أن تبقى الأمانات عنده ثم يعيدها إلى أهلها وأصحابها. كذلك مما يذكر من أحاديث الهجرة وقصة الهجرة النبوية ما كان من أمر الكفار حين أعدوا مكافآت مغرية مجزية في حق من يأتي برسول الله صلى الله عليه وسلم وبصاحبه حيًا أو ميتًا. فجعلوا على رأس رسول الله عليه الصلاة والسلام مئتين من الإبل، وعلى رأس أبي بكر مئة من الإبل، فما ظنك يا عبد الله بهذه الجوائز المغرية؟ فقد تأتي به، فحين تحرك تحرك الناس. وقد جاء في أحد الأحاديث وهو في البخاري أن سراقة بن مالك رضي الله لما كان كافرًا كان في مجلسه، فسمع رجلًا يحدثه بأنه رأى ظلًا ناس، فتيقن سراقة أنه رسول الله ومعه الصديق من خلال وصف هذا الرجل. إلى أن سراقة أراد أن يستأثر بالجائزة بنفسه، فقال لهذا المبلغ لا ليسوا بهم، إنه فلان وفلان أبعد. فذهب مباشرة إلى فرسه ورمحه وانطلق إلى المكان الذي أخبره الرجل أنه رأى ظلًا ناس. فمشى سراقة على هذا الأثر حتى وافى رسول الله وأبا بكر أمامه، وهو قد إنما خرج إليهم قاصدًا عمدًا في إلقاء القبض عليهم إما أحياء وإما أموات لكي ينال الجائزة. فلما دنا منهم، إذ بفرسه تسقط على الأرض من غير علّة، وهو هوي وخر على وجهه على الأرض بسقوط فرسه. فحينها ماذا فعل؟ أهوى إلى كنانته بيده، ما الذي فعل؟ أخرج الأسهم، لكن للرمي لا، أراد أن يستقسم بالأزلام، يشير على الآلهة واللات والعزة بماذا تشير عليه؟ فخرج السهم على ما يكرهه، وهو أنك لا تضرهم، فماذا فعل؟ فركب فرسه ولحقه بهم وعصى الأزلام، ما أكترف بهذا؛ لأن في نفسه الهوى قد عبئ على ملاحقة هؤلاء ولابد. قال: فبينما هو يمشي حتى دنا من رسول الله، سمع قراءة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وجاء في بعض الروايات أن النبي كان يقرأ: «اللهم اكفناه بما شئت» أو «اللهم أكفنيه بما شئت»، أي أنك يا رب اكفنينا هذا الرجل. فلما دنا سراقة من رسول الله، إذ بفرسه بركبتي الفرس تخور في الأرض تغوص في الأرض غوصًا إلى ركبتيها، وهذا كذلك أمر لا يعقل أن الفرس تمشي ثم تخور الأرجل إلى الركب. فسقط للمرة الثانية، حينها تنبه فأخرج الأسهم يستشير الآلهة، أضرهم أم لا؟ فخرج أن لا، لا تضرهم. فحينها وقف ونادى بالأمان، قفوا ولكم الأمان. والرجل إذا أمن أحدًا يكون في أمانه ولو كان كافرًا، فعند العرب عندهم الوفاء بالعقود والعهود والمواثيق، هذا أمر خط أحمر ما يتعدى أحد، ليس من عهدهم الغدر والخيانة، هذه وصمة عار تبقى معهم للأبد. فأشار إليهم بالأمان أن قفوا ولكم الأمان، فوقف نبينا صلى الله عليه وسلم، فركب سراقة خيله بعدما خرجت من الأرض، ثم وصل إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وأخبره بخبر. قال: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، ثم قام سراقة وأخبره وأخبر رسول الله وأخبر ربه بأخبار ما يريده الناس، ما يخططون له، ما يمكن أن يتوقع أن يحصل منهم، وكل ذلك من باب النصح. وهذا لما رأى سراقة من بركة رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل إنه في آخر أمره عرض عليهم الزاد والطعام، فقال له نبينا صلى الله عليه وسلم: لا، ما طالب شيئًا، قال إلا أمرًا واحدًا، قال: أخف عنا، أخف عنا، أي أمرنا أخفِه، لا تخبر أحدًا أبدًا بأمرنا أننا سلكنا هذا المسلك أو أنك رأيتنا. فكان هذا مما وقع في قصة سراقة، وبعد ذلك أسلم وحسن إسلامه. كذلك مما يذكر من حوادث الهجرة إخواني في الله ما وقع في وصول نبينا إلى الغار، فقد جاء في البخاري من حديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، قال: فرأيت رأسي فإذا أنا بأقدام القوم من الكفار، جمع من الكفار طائفة من أهل الكفر ممن يتتبعون آثار الرسول وصلوا إلى الغار. والغار كان بالأسفل، عبارة عن صخور تنزل فيها نزولًا، يدخل الصاحب إلى الأسفل، فكفار قريش وصلوا إلى فم الغار حتى أنهم كانوا قيام، ماذا قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه؟ قال: يا رسول الله، لو أن بعضهم تأطأ ببصره لرآنا. فقال له نبينا عليه الصلاة والسلام: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟» الثقة وعظيم التكلان على الله جل وعلا، ومن يتوكل على الله فهو حسبه الله كافيك، لكن بصدق الاعتماد على الله جل وعلا. وفيه إخواني في الله ما كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء ذلك في القرآن: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، والمعية هنا معية خاصة، معية النصر والتأييد. فإن الله جل وعلا نصر نبيه بل هذه الهجرة آية من آيات الله، وهنا تأتي مسألة إخواني في الله الحديث يجر إليها، فالله جل وعلا نصر نبيه في هذا المقام بنصر من عنده، إذ أن الله صرف الكفار مع أنهم لم يبق بينهم وبين رسول الله سوى أشبار. فالله عز وجل صرفهم وصرف كيدهم من عنده، وبهذا تعلم أن هذا الصرف أمر معنوي. وما يذكره بعض الناس من وجود نسيج العنكبوت على فم الغار وهذه قصة شهيرة جدًا اشتهرت عند الصغار والكبار أنهم يتداولون فيما بينهم في قصة أن الكفار عندما جاءوا إلى الغار وجدوا أن العنكبوت قد نسج الشبكة فيها. فذكر الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى أن القصة ضعيفة، وأن من أسباب ضعفها أن هذه الأشياء جعلت على أن الأسباب حسية هي التي صرفت الكفار عن رسول الله، قال: والصحيح لا، ليست أسبابًا حسية بل هي أسباب معنوية أن الله من عنده صرف الكفار، صرف قلوبهم، صرف أبصارهم عن رؤية رسول الله عليه الصلاة والسلام. ولهذا قصة إخواني في الله نسيج العنكبوت حول الغار، نعم هي مختلف فيها، جماعة من الحفاظ كالحافظ ابن كثير، كالحافظ ابن حجر على تحسينها، لكن جماعة من أهل العلم على تضعيفها، وعلى رأسهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى لا يراها تثبت. فهذا إخواني في الله بعض الحوادث والقصص التي وقعت في هجرته صلى الله عليه وسلم، وإن شاء الله في دروس قادمة نتحدث عن وصول رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى المدينة. إلى هنا والله الله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.