الدرس في شرح كتاب التوحيد 239، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الشرح ببيان الآية الكريمة التي ذكر فيها قول الدهرية ومعتقد هؤلاء الذين ينكرون الصانع ويقولون بأن الحياة الدنيا فقط هي التي نعيشها. الآية تتحدث عن طائفة من الكفار وليس جميعهم.
يشرح إنكار جماعة من الكفار للبعث والنشور ونسبتهم الهلاك إلى الزمن، ويبين الشرك المتمثل في إنكارهم لله ولآخرة، ويؤكد على أهمية الإيمان بالبعث والجزاء.
يشرح علاقة الآية الكريمة بسب الدهر، ويبين أن من يسب الدهر يتشابه مع الكفار في اعتقادهم أن الدهر له دور في التحكم في الكون، ويذكر أمثلة على سب الدهر ونسبة الأحداث إلى الزمان.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية، وهي من أوائل استدلالاته على هذا الباب، والذي قد مضى معنى بالأمس ما يتعلق بإيضاحه، ألا وهو قوله: باب من سب الدهر فقد آذى الله، وأشرنا إلى معاني هذه الفقرات لهذا العنوان، وها هو رحمه الله تعالى يذكر لنا هذه الآية في بيان ما يتعلق بمسألة نسبة الأمر إلى الدهر. فأورد لنا قول ربنا عز وجل: ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا﴾، هذه الآية كما قال جماعة من المفسرين، كابن كثير رحمه الله تعالى وغيره: أن هذه الآية يذكر فيها ربنا جل وعلا قول قوم من الدهرية، وهم من الكفار، وهو كذلك قول يقول به طائفة من مشركي العرب ممن ينكر الصانع، ويقولون بأنه ما هناك إلا هذه الحياة التي نعيشها. وهذا ينبغي أن تفهم منه الآية، إذ أن الآية لا تتحدث عن عموم الكفار، وإنما تتحدث عن طائفة من الكفار؛ لأن الكفار الذين بعث إليهم نبينا صلى الله عليه وسلم هم على طوائف وعلى مذاهب شتى، فمنهم من يقر بربوبية الله بأن الله هو الخالق والرازق، ومنهم من يؤمن كذلك بالبعث، وطائفة منهم ملاحدة ينكرون البعث وينكرون النشور، من يحيي العظام وهي رميم. وهؤلاء شابه هؤلاء الدهرية ممن أنكروا الصانع، لا رب للكون، فكان الطائفة من العرب من كانوا على قول الدهرية. وربنا سبحانه وتعالى في هذه الآية يتحدث عن هؤلاء من الدهرية، ومن كان من مشركي العرب ممن ينكر الصانع، فذكر ربنا جل وعلا من أقوالهم هذا القول: ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا﴾، فهم يعتقدون أن ما هناك حياة إلا هذه الحياة فقط، ما بعدها ما هناك حياة، فلا يؤمنون بالآخرة، لا يؤمنون بالبعث والنشور والمعاد، ما يؤمنون بهذا. ومن هؤلاء كذلكم قوم من الفلاسفة يسمون بالفلاسفة الدورية، والفلاسفة الدورية يعتقدون بهذا الاعتقاد: أنه ما هناك إلا الحياة الدنيا فقط، لكن يرون أن هذا الكون تمر عليه ستة وثلاثون ألف سنة يدور بالخلائق والأكوان، وبعد هذه المدة يعيد نفسه، يرجع مرة ثانية يعيد نفسه، فتقوم هذه الخلائق مرة أخرى وتعيش في الأرض إلى أن تنقضي هذه المدة، ثم يعيد نفسه وهكذا. قول باطل، قول باطل، زندقة، كفر، إلحاد، ومن الذي يدريهم بمرور هذه السنة؟ من منهم الذي عاش ستة وثلاثين ألف سنة حتى يرى بعينه؟ لا أحد، ولن يعيش أحد، لكن فلسفة محضة، قول على الله بغير علم. فهؤلاء ملاحدة يرون أنه ما هناك إلا هذه الحياة الدنيا، ثم قالوا: ﴿وما يهلكنا إلا الدهر﴾، هنا أتوا بهذا السبب، إذا ما الذي يميتكم؟ إذا كان ما هناك خالق، ما هناك خالق الأكوان على حد زعمكم، إذا ما الذي يميتكم؟ من الذي سلب منكم الأرواح؟ قالوا: بمعنى الزمن، بمعنى الزمن. فقالوا: هذه هي فلسفة الدنيا، الواحد منا ينشأ صغيرًا ثم يكبر ثم يشب ثم يهرم ثم يموت وانتهى أجله، ثم يأتي الذي بعده وهكذا تنتهي الحياة على هذا الحال، فما هناك أحد يقبض الأرواح، وإنما نحن نهلك أنفسنا بأنفسنا مع مرور الأزمان والأيام والأعوام. كان قائلهم يقول: ما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع، ملخص الحياة عندهم بهاتين الكلمتين: ما هي إلا أرحام تدفع، أي تدفع الأجنة، وأرض تبلع، أي تبلع الجثث، فلا رب ولا خالق ولا بعث ولا نشور. فقال: ﴿وما يهلكنا إلا الدهر﴾، أي إلا الزمن، وفي هذا تعلم، عبد الله، أن هؤلاء وقعوا في الشرك من جهتين اثنتين: الشرك الأول أنهم أنكروا البعث والنشور والقيامة والآخرة، هذا بحد ذاته شرك، والأمر الثاني والذي به واقعوا في الشرك أنهم نسبوا الهلاك إلى غير الله جل وعلا، وما هناك رب هو الذي قدر الآجال أبدًا، فهذا شرك، وهذا شرك، فكان شركهم من الشرك المضعف، أنكروا الحياة الدنيا وأنكر وجود الرب سبحانه وتعالى، وما كان من تصرفه في عباده. وإن الناظر في الأدلة الشرعية يعلم بعلم اليقين بأن الله سبحانه وتعالى قرر مسألة البعث والنشور والمعاد، بل جعل إنكار ذلك من أعظم علامات وصفات الكفار: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن﴾، أقسم الله، ولا يقسم ربنا إلا بأمر عظيم، أقسم ربنا جل وعلا بحقيقة البعث، والأدلة كثيرة جدًا، ليس الأدلة الشرعية بل كذلكم حتى الأدلة العقلية، العقل يدل على البعث. دعك يا عبد الله عن عقيدة المسلم، بل حتى الكافر ينبغي أن يعتقد بوجود البعث أصلا، وإلا لكانت الحياة عبثًا، عبثًا، الواحد إذا علم أن ما بعد هذه الحياة سيكون هناك جزاء، من خلاله يكون الثواب للمحسن والعقوبة للمسيء، هنا يكون الإنسان يتحكم في تصرفاته في هذه الحياة، وهذا الذي عليه أهل الإسلام. ما جعل المسلم مسلمًا متمسكًا بدينه بمثل ما يحتسبه من اليوم الآخر، يوم القيامة، يفعل الفعل لربما من الطاعات والواجبات، ويجد على ذلكم المضض، رجاء ما سيجده عند ربه، وهكذا، بل ربما كان الصبر على أذى الكفار والفجار بما نتوعد بهم بيوم القيامة. فأصبح الجزاء والعقاب لا بد منه، الدلالة العقلية لا بد أن تضع حدًا، وإلا كانت الدنيا فوضى، لو أن الأمر كما يزعم الملاحدة: لا هناك حساب ولا عقاب، إذا ما الذي يردعني؟ سأضل طيلة اليوم وأنا سكير عربيد، أتتبع الشهوات والملذات، لماذا أمتنع؟ ما أمتنع عن شيء، ما هناك حساب ولا عقاب. فالأدلة الشرعية وهكذا الأدلة العقلية تدل على ضرورة البعث والنشور ومن وجود اليوم الآخر، فدل إخواني في الله ذلكم على أن هذا الباب وهذه الآية تتحدث عن جماعة من الكفار: ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر﴾، وهذا كله كذب وجحود. هنا يأتي السؤال: المؤلف رحمه الله تعالى أورد هذه الآية التي فيها أن هؤلاء النفر أو الطائفة من الكفار ممن يجعلون أن الدهر هو المتحكم في الكون، طيب ما علاقة هذه الآية بالباب؟ الباب الذي بوب عليه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: باب من سب الدهر فقد آذى الله. الباب يتعلق بالسب للدهر، لكن هذه الآية التي بين أيدينا ليس فيها سب الدهر، وإنما فيها بيان على أن هؤلاء يعتقدون في الدهر، فما علاقة الآية بالباب؟ ذكر العلماء أن من أوجه العلاقة بينهما أن الذي يسب الدهر ما سبه إلا لما اعتقد أن الدهر يتحكم، فهو قد شابه الكفار. فقد شابه الكفار أن الذي يسب الدهر ما سبه إلا لما اعتقد على أن الدهر، الزمن والأيام والأسابيع والأعوام لها ضلع في هذا الباب، تدخل في حياة الإنسان، فلما كان كذلك، هنا شابه الكفار عندما قال: ﴿وما يهلكنا إلا الدهر﴾، الدهر الذي يتحكم فينا. إذا ما قمت به من سب الدهر ما كان إلا من تفرع هذه العقيدة في قلبك على أن الدهر متحكم في الكون، وهذا من صفات الكفار، وهذا علاقة الآية بالباب كما قال العلماء. وقد كانت هذه خانة الله من السمات البلية العظيمة التي شب عليها العرب من كفار قريش ومن غيرهم. ولا زال الناس على هذا المنوال أنهم إذا أرادوا أن يعبروا عن سخطهم عن الأحوال وعن الأوضاع نسبوا ذلكم إلى الزمان، فتجد ذلك يلعن وذاك يشتم، حتى وجد هذا عند العرب قديما في أشعارهم وفي نثرهم، كان القائل منهم يقول: يا دهر ويحك ما أبقيت لي أحدًا، وأنت والد سوء تأكل الولد. يا دهر ويحك ما أبقيت لي أحدًا، هذا سب للدهر، وهل الدهر هو الذي ما أبقى لك أحد؟ هل الدهر هو الذي خطف الأرواح؟ هو الذي قبض الأنفس؟ هو الذي كتب الآجال على العباد؟ لا، ما كتب هذا ولا فعل شيء من ذلكم؛ لأن الدهر مفعول لا فاعل. لكن كان العرب يعتقدون أن الدهر محل لفعل الأسباب، وقال: يا دهر ويحك ما أبقيت لي أحدًا، وأنت والد سوء تأكل الولد، هذا مما سب الدهر، وهذا مما فيه أذى لله جل وعلا أن تنسب أن تنسب تغير الأحوال والأسباب إلى غير الله جل في علاه. وهكذا قال بعضهم: قبحًا لوجهك يا زمان، فإنه وجه له في كل قبح برقع، قبحًا لوجهك يا زمان، هذا كذلك من سب الدهر مما كان يأتي به العرب في نثرهم وفي شعرهم في الإسلام وقبل الإسلام. ولا زال الناس إخواني في الله على هذا المنوال أنهم ينسبون الأعمال والأحوال وتغير الأحداث إلى الزمان، ثم بعد ذلك يركنون إليها سبًا وشتمًا ولعنًا وتقبيحًا، وكل ذلك مما يؤذي الرب سبحانه وتعالى. فالشاهد إخواني في الله أن في هذه الآية الذي ذكرها لنا المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر﴾، إشارة إلى ما كان عليه الطوائف من الزنادق والملاحدة من الفلاسفة ومن كفار العرب خاصة ممن كان ينكر الصانع: أنهم كانوا ينسبون الأعمال والأحداث والحوادث إلى الزمان، ولهذا كانوا يقبلون عليها سبًا وشتمًا. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.