شرح كتاب التوحيد 284

شرح كتاب التوحيد 284

الدرس في شرح كتاب التوحيد 284، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تمهيد وتوطئة للحديث عن ذمة الله وذمة نبيه

المقطع يمثل مقدمة للحديث عن ذمة الله وذمة نبيه صلى الله عليه وسلم، ويشير إلى أهمية استخدام المصطلحات الشرعية بشكل صحيح. يعد الشيخ باستعراض استدلالات المؤلف من الآيات القرآنية وأحاديث السنة.

شرح معنى ذمة الله وذمة نبيه

المقطع يشرح معنى ذمة الله وذمة نبيه عليه الصلاة والسلام، حيث تعني الذمة العهد والالتزام. يوضح العهد بين الله وعباده وبين النبي وأمته، ويبين خطورة نقض هذه العهود.

تحذير من كثرة الحلف وإبرام العهود مع الله بغير عافية

ينصح الشيخ بالابتعاد عن إبرام العهود مع الله إلا عند الضرورة، ويحذر من المخاطرة بالوقوع في المعصية بسبب العهد. يشير إلى أن العلماء يرون أن من تعظيم الله عدم الدخول في مثل هذه العهود إلا عند الحاجة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه صلى الله عليه وسلم. باب ما جاء، أي هذا مدخل في ما جاء من مسائل وأحكام متعلقة في ذمة الله، ومتعلقة في ذمة نبيه عليه الصلاة والسلام. فإن من كمال التوحيد الواجب أن الله سبحانه وتعالى يعظم في هذا الباب، يعظم في ذمته، وهكذا أن يعظم نبينا صلى الله عليه وسلم في ذمته. وهنا تأتي مسائل من أعظمها وأولاها بأن نقف عندها. ما معنى الذمة؟ الذمة هاهنا بمعنى العهد، بمعنى العهد، وسميت العهد ذمة لأن الإنسان يلتزم بها، يلتزم بالعهد الذي ضربه والذي أكده، يلتزم به الإنسان كما يلتزم من به دين في ذمته صاحب الدين، فإنه يبقى مرهونًا بدينه، يقول هذا في ذمتي، يعلم أن الذمة لن تبرأ إلا بأداء الدين. ولهذا لما كان العهد منوطًا بصاحبه لا ينفك عنه، سمي ذمة، فعبر شرعنا عن العهد بالذمة، فقال: باب ما جاء في ذمة الله، أي عهد الله، وذمة نبيه، أي عهد نبيه عليه الصلاة والسلام. والعهد كما سيأتي معنا أحيانًا يأتي بمعنى العقد، العقد الذي يبرم بين طرفين، ومنها العقود ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ أي بالعهود، هذا على معنى. والعقد يكون بين طرفين بين عاقد ومعقود، وربنا عز وجل قد جعل عهدًا بينه وبين عباده، جعل عهدًا بينه وبين عباده سبحانه وتعالى. فعهد الله عز وجل الذي جعله لعباده بأنه يوحدوه لا يشركوا به شيئًا، هنا ينبغي على العباد أن يلتزموا بهذا العهد من جهتهم أن لا يخرجوا عن هذا العهد بأنهم يكونوا على التوحيد دائمًا وأبدًا ظاهرًا وباطنًا. ومقابل هذا العهد الذي يلتزم به الناس، فإن الناس والعباد كذلك لهم عهد على الله، وعهد الله عز وجل أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا، هذا عهد الله، هذا عهد الله لعباده أنه لا يعذب من لا يشرك به شيئًا، من كان موحدًا فإنما آله إلى الجنة، وإن زنى وإن سارق، قال نبينا: «وإن زنى وإن سارق»، رغم أن في أبي ذر كما في الحديث رواه مسلم، فمهما فعل الرجل من الجرائم والكبائر والعظائم، لكنه على التوحيد، فالله عز وجل قد عهد هذا العباده. ولقد جاء هذا العهد بين الله وبين خلقه في قوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهدي أوفي بعهدكم﴾، ﴿وإيا يفرهبون﴾، عهد بين الطرفين، أوفي بعهدي أوفي بعهدكم، إذا قمتم بالإيفاء بعهدي وهو التوحيد الخالص لله، فإن الله جل وعلا يوفي بعهده الذي جعله لعباده، وهو أنه لا يعذب منهم نفسًا. وهكذا قل في حق نبينا عليه الصلاة والسلام، فإن بين النبي وبين أمته عهد، فإن مما عهد نبينا لأمته والعهد المتداول بينهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ألزم أمته بأن يذعن له بالنبوة والرسالة والقدوة والإمامة والاعتساء والاقتداء، وأن يلتزموا منهجه وعقيدته في كل الأحوال وفي كل الشؤون، هذا هو العهد الذي ينبغي أن يلتزم به الناس إزاء نبينا عليه الصلاة والسلام. بمقابل ذلكم أن الناس عهد لنبينا عهدًا، وهو أن النبي لا يكتم شيئًا من دين الله، ولهذا جاء في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًا عليه»، هذا هو العهد، «إلا أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم»، فالعهد متداول ومتبادل، سواء ما كان العهد بين الله وبين خلقه أو العهد الذي يكون بين نبينا صلى الله عليه وسلم وبين أمته. فقال المؤلف ورحمه الله تعالى: باب ما جاء في ذمة الله، أي في عهد الله، وذمة نبيه، أي في عهد نبيه، هذا المعنى إذا حملنا أن العهد بمعنى العقد. والمعنى الثاني كما سيأتي في بابه على أن العهد هاهنا يأتي بمعنى الأيمان، بمعنى اليمين. وهذا والسر في أن المؤلف رحمه الله تعالى عندما انتهى من الباب السابق: باب ما جاء في كثرة الحلف، جاء إلى هذا الباب: باب ما جاء في ذمة الله، أي في عهد الله، لعلمه أن العهد واليمين متقارب، العهد واليمين متقارب، فعهد الله جل وعلا هو بثل اليمين، وفرق العلماء بينهما بعدة فوارق منها أن اليمين تكون في السلم، وأما العهد تكون في الأمور الصعبة وفي المضائق والشدائد وفي الاتفاقيات والحروب كما سيأتي بيانه. فهنا في ذمة الله بمعنى في يمين الله، وإن من تعظيم الله جل وعلا أن الإنسان إذا أبرم أمرًا على عهد الله وعلى عهد رسوله عليه الصلاة والسلام وجب أن يوفي به ولا يخفره بحال أبدًا. وسيأتي معنى ما جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإنكم إن تخفروا»، الخفر هنا بمعنى نقض العهد، «فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهوا من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه»، يعني لأنك تريد أن تبرم أمرًا أبرم على عهدك أنت، قل: أنا أعاهدك، هذا أهوا، ولا تقول: أنا أبرم معك اتفاق على عهد الله وعلى عهد رسوله. لماذا؟ تحسبًا لأي نقض، تحسبًا لأي نقض، أنت الآن لربما تبرم أمرًا ولربما يبدو لك عدم القدرة على الاستمرار عليه، هنا ستأتي الملام على من، لن تأتي عليه، تأتي على الله وعلى رسوله. ولهذا نصح نبينا صلى الله عليه وسلم أن الإنسان يبتعد قدر الإمكان عن قضية عهد الله وعهد رسوله لهذا الباب. «فإنكم إن تخفروا» أي تنقضوا العهد لأمر ما بذممكم وذمة أصحابكم أهوا عند الله من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه عليه الصلاة والسلام. وهذا الباب شبيه بما مضى معنا من كثرة الحلف، ولهذا ذكر العلماء العلاقة الوطيدة بين البابين أن الإنسان لا يقحم نفسه في أمر هو في سعة. لا تقحم نفسك في كثرة الحلف، ما الذي أدخلك؟ والله وبالله وتالله، لماذا تدخل بكثرة الحلف؟ تعود يا عبد الله الصدق، دعي الناس يأخذون قولك من أول وهلة، بمؤكدات عرفت بالتأكيد بالشهادة، لكن أما أنك دائمًا تعود الناس على كثرة الحلف هذا مما يذم عليه صاحبه، وقد مر ذلك معنا. وهكذا قس على ذلك هذا الباب، فإن مما يذم على الإنسان أنه يكثر أو يضع شيئًا على عهد الله وعلى عهد رسوله، لأنه إذا نقض أو خالف أو حنث فإن الأمر عظيم، فإن الأمر عظيم. ولهذا كان من مناسبة إيراد الباب هذا الباب: باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه عليه الصلاة والسلام، أن فيه التعظيم لهذه الذمة. ومن أوجه تعظيمها أنك يا عبد الله تبتعد عنها قدر الإمكان، وإن ابتليت بها فعليك أن تتمها، «وأوفوا بعهدي إذا عاهدتم»، كما سنأتي معنا في الآيات التي سيستدل عليها المؤلف، ينبغي أنك توفي بعهد الله جل وعلا. ومن هنا إخواني فلا نعلم خطأ بعض الناس الذي لربما يقحم نفسه في عهد الله وهو في عافية. مثاله بعض الناس كحال بعض التائبين لربما يقع في معصية ويتوب، يقع في معصية ويتوب، فيرى أنه يحتال على نفسه وأنه يخادع عمره على هذه التوبة المزيفة، فيقول: لابد أني أضع حدًا لهذا، فحينه أعاهد الله، لماذا يا عبد الله العهد؟ لماذا تبرم هذا العهد وأنت في غنى عن ذلك؟ تب يا عبد الله من غير عهد. أو قس على ذلك من ربما أراد أن يدفع نفسه لفعل الصالحات وأعمال البر، لربما كل ما يقول: إن شاء الله، إن شاء الله، بإذن الله، إذا جاءت أيام العشر من ذي الحجة لأصوم، وإذا جاء عرفة سأصوم، هو متكاسل عن هذه الطاعات مثلًا، أو يمني نفسه: إذا أطال الله في الإجازة أن سيذهب العمرة، وهكذا، وتأتي عليه الإجازات ومعتمر قط، ثم يرى أن هذه الأمان ستذهب، تذهب من عمره حسارات، قال: إذن ما هناك إلا العهد، أعاهد الله، ما تأتي الإجازة إلا وأسافر. هل هذا يا عبد الله عافية؟ لا يا عبد الله، وضعت نفسك في حرج، لأنك إن وقعت في مخالفة فالمخالف هنا أعظم ما لو أنك لم تعاهد الله. ولهذا كان قال العلماء: أن من تعظيم الله جل وعلا أنك لا تقع في هذا الباب، وإن وقعت فيه وجب عليك أن تعظم هذا العهد الذي قطعته على نفسك بعهد الله عليه سبحانه وتعالى. فهذا ما قال: باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه صلى الله عليه وسلم. هنا مسألة أختم بها المقام، وهو مما يشاع على لسان بعض العوام في حالة التعزية والإخبار عن الوفيات يقول: انتقل إلى ذمة الله، أو يقول: في ذمة الله فلان بن فلان، وأراد في ذمة الله بمعنى أنه قد مات وقضى نحبه، هل يجوز استخدام كلمة ذمة الله بهذا الاعتبار؟ الجواب: لا، هذا لا يجوز. وقد سئل العلامة الفوزان رحمه الله تعالى عن استخدام هذه العبارة في التعزية والإعلان عن الموت، قال: هذا لا يجوز، لأن الذمة هنا بمعنى ماذا؟ العهد كما أشرنا، فلما تقول: أن فلان في ذمة الله، أي فلان في عهد الله، ومن الذي أخبرك بأن فلان هو في عهد الله الآن؟ الله أعلم، فلا تتخرص يا عبد الله بما ليس لك به علم. لذا إذا مات إنسان لك أن تقول: فلان انتقل إلى رحمة الله، يمكن هذا، انتقل إلى رحمة الله، بهذه العبارة على أن تخرج مخرج الدعاء، كأنك تدعو، مثل أن تقول: قال فلان رحمه الله، وقال علان رحمه الله، ما معنى رحمه الله؟ هل أنت تجزم؟ هل أنت تخبر؟ لا، لا تجزم ولا تخبر، الله أعلم ممن رحم، لكن من باب الدعاء. لما تقول: قال الإمام الشافعي رحمه الله، بمعنى أن نسأل الله أن يرحمه، خرج مخرج الدعاء، وهكذا عندما تقول: انتقل إلى رحمة الله فلان، بمعنى أنك ترجو، ويخرج هذا مخرج الدعاء من أهل الإسلام لهذا الميت الذي مات. ومنهم من يرى أنه يخرج من هذا الكلام كله ويقول: انتقل إلى رحمة الله بإذن الله، هذا ليس فيه شيء، هذا ليس فيه شيء، فالأمر في ذلك واسع. فالحاصل أن يستخدم هذا أو ذاك، أما أن نستخدم في ذمة الله، فإن هذا مما قدحوا فيه العلماء لما سمعتم. فهذه مقدمة إخواني في الله لهذا المبحث ولهذا الباب، وسيأتي معنا من استدلالات المؤلف رحمه الله تعالى ما ذكره من الآيات القرآنية وأحاديث السنة الدال على بعض مسائل ذمة الله وذمة نبيه صلى الله عليه وسلم. أقول قولي هذا، وأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.