الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 76، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح الإمام كيفية التعامل مع الفتنة بالابتعاد عنها وعدم المشاركة فيها، مستشهدًا بالأحاديث النبوية التي تحث على الفرار من الفتنة والبقاء في البيت.
يُنبه الخطيب إلى خطورة العصبية بأنواعها في إثارة الفتن بين المسلمين، ويستدل بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.
يتناول المقطع تحذير النبي من الدعوة إلى الجاهلية والعصبية، ويشير إلى أهمية الإصلاح بين المسلمين وعدم المشاركة في القتال الداخلي.
يتضمن المقطع دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويصلّ على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر تواضعًا واعترافًا بعلم الله تعالى.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمواصل إخواني في الله في رسالة الإمام البربهاري رحمه الله تعالى، والموسومة والمعنونة بشرح السنة، حيث إنه رحمه الله تعالى قام بذكر أهم معالم منهج الفرق الناجية والطائفة المنصورة بمسائل الاعتقاد والعبادات والمعاملات والأخلاق والسلوك. وفي هذا الفقر يقول مؤلف رحمه الله تعالى: وإذا وقعت الفتنة فالزم جوف بيتك، وفر من جوار الفتنة، وإياك والعصبية، وكل ما كان من قتال بين المسلمين على الدنيا فهو فتنة، فاتق الله وحده لا شريك له، ولا تخرج فيها ولا تقاتل فيها ولا تهوى ولا تشايع ولا تمايل ولا تحب شيئًا من أمورهم، فإنه يقال: من أحب فعال قوم خيرًا كان أو شرًا كان كمن عمله، وفقنا الله وإياكم لمرضاته، وجنبنا وإياكم معصيته. في هذا الفقر، إخواني في الله، عدة مسائل سريعة ننبه عليها في هذا المقام. في قوله رحمه الله تعالى: وإذا وقعت الفتنة، الفتنة لها معاني كثيرة في اللغة والاصطلاح، فتارة تأتي بمعنى الابتلاء، وتارة تأتي بمعنى العذاب، وغير ذلك، لكن المقصود بالفتنة هنا ما يدب وما يقع بين المسلمين من اقتتال، هذا المقصود بالفتنة هنا ما يقع بين المسلمين من اقتتال. فقال رحمه الله تعالى: وإذا وقعت الفتنة فالزم جوف بيتك وفر من جوار الفتنة، وهذا الذي أرشد إليه المؤلف رحمه الله تعالى هي ما جاءت به الآثار وما صحت به الأخبار عن نبينا عليه الصلاة والسلام في أن الفتنة إذا وقعت وإذا دبت بين أهل الإسلام، فإن الحل السليم يا عبد الله أن تفر منها، أن تفر منها ولا تمكث فيها. والحديث في هذا الباب كثير جدًا، كقوله عليه الصلاة والسلام: «ألا إنها ستكون فتن، فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه» -الأحاديث-، فأمر نبينا بالهروب منها وعدم الدخول والخوض فيها. وكذلك ما جاء عن ابن حبان بإسناد صحيح على شرط صحيح مسلم في وصيته عليه الصلاة والسلام لأبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه، عندما قال في أثناء وصيته: أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضًا حتى تغرق حجارة الزيت بالدماء -وحجارة الزيت من المواضع الموجودة في المدينة-، فأخبر نبينا عن حال قد يقع فيها الناس، وأن يدب بينهم القتال حتى تصل الدماء إلى هذا الحد، قال: أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضًا حتى تغرق حجارة الزيت بالدماء كيف تصنع؟ فقال أبو ذر حينها: قلت الله ورسوله أعلم، فقال عليه الصلاة والسلام: «أقعد في بيتك وأغلق عليك بابك، أقعد في بيتك وأغلق عليك بابك»، فأمر نبينا عليه الصلاة والسلام عند احتدام الفتنة بين المسلمين أن الواحد منا ينشغل ولو بنفسه، ينشغل بخاصته ويبقى في عقر بيته، ولا يشارك ولا يمائل كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى. قال: وإذا وقعت الفتنة فالزم جوف بيتك وفر من جوار الفتنة، وهذا ما يسمى بقتال الفتنة، فقتال الفتنة إخواني في الله حكمه كما جاءت به الآثار أنك تفر منه، وبهذا نعلم أنه ينبغي للمسلم الحصيف النجيب العاقل أن يفرق بين قتال وآخر، أن يفرق بين قتال وآخر، فليس كل قتال أصبغ بصبغة دينية ذهبت وارتميت في أحضانه، لا، قد يكون هذا من قتال الفتنة الذي حرم في الشريعة وفي الدين أنك تدخل فيه وأن تلج فيه. ورضي الله تعالى عن ابن عمر عندما جاءه رجل ويسأله عن قتال في الفتنة، فقال ابن عمر رضي الله تعالى عنه: كنا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم نقاتل حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، بينما أنت -وأشار إلى المتكلم معه- تقاتلون من أجل أن تكون فتنة ويكون الدين لغير الله. فالقتال إخواني في الله ينبغي أن يتنبه له، وما يدب بين الناس هنا وهنالك ينبغي للعاقل أن يعرف الدوافع ويعرف الأسباب ويعرف المقاصد من ذلك القتال ومن الآخر، حتى يتعرف أي القتال في سبيل الله، فما كان لكي تكون كلمة الله هي العليا فهذا في سبيل الله، وأما القتال غير ذلك فهذا من قتال الفتنة الذي ما ينبغي أن تلغ فيه يا عبد الله، وأن تضيع فيه الدماء وأن تهدر الجهود. فقال رحمه الله تعالى: وإياك والعصبية، والمؤلف رحمه الله تعالى تطرق للعصبية، ولعل هذا يستفاد منه أن من الأمور التي تؤدي إلى قتال الفتنة العصبية. والعصبية هو كل تعصب بباطل أو لباطل، العصبية كل تعصب لباطل أو بباطل، تتعصب مثلًا لذاتك، تتعصب لقبيلة، تتعصب لبلدة. والأسف والأسف إخواني في الله أن التعصب في هذه الأزمان قد عم وطم وكثر، وأصبح الكثير من الناس شاء أو لم يشأ أصبح بوقًا من أبواق العصبية. وهذه العصبية إخواني في الله من أخبث ثمارها أن تؤدي إلى المهلكة وإلى المقتل بين المسلمين، هذه مآلها وهذه مآلاتها. وانظروا رعاكم الله إلى فعل نبينا عليه الصلاة والسلام كيف أنه استأصل شأفة هذه البدعة الخبيثة وهي العصبية، فمثلًا ما جاء في الصحيح عندما في قصة ذلك الصحابي الذي قال: «يا للأنصار»، وقال الآخر: «يا للمهاجرين»، بدأها بالعصبية والتعصب، فخرج نبينا عليه الصلاة والسلام وغضب وقال: «أبدعوى الجاهلية؟ أبدعوى الجاهلية؟ وأنا بين أظهركم، دعوها فإنها منتنة، دعوها فإنها منتنة». فتبدأ من أسباب القتال الذي يدب بين المسلمين هذه الدعاوى، هذه الدعاوى التي تنادى بها أصحابها كما نسمع في هذا الأزمان، دعوة إلى القبلية إلى قبيلة بني فلان وإلى قبيلة بني فلان، كما نسمع في بعض الضواحي في هذه البلاد اليمنية عن تجمعات لأفراد أسرة ما تحت لواء القبلية، قبيلة فلان وقبيلة فلان، ومن ثم تأتي الصفحات السوداء بمراجعة التاريخ القديم لهذه القبيلة مع تلك القبيلة، وما هي الثارات التي لم تتم تصفيتها في تلك الأزمان الغابرة، وآن الأوان لتصفية الحسابات، هذه فتنة، هذه فتنة، بوق من أبواق العصبية تؤدي إلى القتال والقتل بين المسلمين. وهكذا ما يقع كذلك الطائفية أو المناطقية، هذا من شرق البلاد وهذا من غرب البلاد، وذاك من شمال البلاد وذاك من جنوبها وذاك في وسطها، كل ينادي إلى إقليمه، كل ينادي إلى بلدته وإلى مدينته وإلى شطره الذي ينتمي إليه، ومن ثم تأتي العصبية وبعد ذلك يأتي ما بعد ذلك، السلاح، السلاح، هذا لا يجوز، هذه كلها من العصبية. وقس على ذلك قد يصل حتى فيما يتعلق بالأحزاب الموجودة، الحزب بشكل عام، سواء من ناحية لغوية أو من ناحية شرعية اصطلاحية أو حتى من ناحية سياسية، أصبحت الأحزاب بعضها كل يحيك للآخر المكر والكيد، وكل واحد يحاول أن يمكر بأخيه ويمكر بالمسلمين، لكن ذاك الحزب الفلاني وذاك من الحزب الفلاني، والكل يحاول بكل ما يستطيع من إسقاط ذلك الحزب، هذا ما يجوز، كل ذلك دعاوى عصبية، دعاوى عصبية، ما يجوز لمسلم أن ينادي بسوى نداء الإسلام. قال عليه الصلاة والسلام: «فمن نادى أو من دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثاء جهنم»، فمن دعا بدعوى الجاهلية فإنها من جثاء جهنم. فادعوا الناس بما سماهم الله به: المسلمين، المؤمنين، عباد الله، هذه الألقاب التي ينبغي أن توضح وأن ينادى بها وأن يتعصب لها، الدين -إن صح التعبير-، تعصب أن ينادى باسم الدين، باسم الأخوة الإيمانية، الأخوة الدينية، عباد الله، أهل الإيمان، أهل الإسلام، هذه الألقاب التي ينبغي أن تحيا، ليس الألقاب أو الهتافات أو الرايات الداعية إلى القبيلة أو إلى بلدة أو إلى شطر أو إلى إقليم أو إلى حزب، لا يا عبد الله، فهذا لا يمكن ولا ينبغي، بل إن مثل هذه الأشياء لو مكنت في بلاد الإسلام فإنها تؤدي إلى المهالك. ومن هنا تعلم السر العجيب في أن دول الكفر من أعظم ما تدعم به الدول العربية الإسلامية النظام التعددي، هذا معروف، فإن دول الغرب ودول الكفر تدعم بسخاء، تدعم بسخاء إلى كل دولة ترفع راية التعددية، تعطيها الأموال وتضخ لها الملايين حتى تحيي مثل هذه التعددية باسم الديمقراطية، لكنهم يعرفون مآل هذه التعددية أنها متى ما أرادوا أن يشغلوا هذه البلاد بالمقاتل أشغلوها بما بين الأحزاب فيما بينهم من رأى واقع الناس يعلم إصداق ذلك. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: وإياك والعصبية، وكل ما كان من قتال بين المسلمين على الدنيا، وهذا كذلك من قتال الفتنة، ما يقع بين المسلمين من قتال من أجل دنيا فانية، فهذا من قتال الفتنة. نسمع وقد سمعنا عن تلك القبائل التي قد تجمعت هنا وهناك على ماذا؟ القتال على ماذا؟ الثأر على أرضية، هذا يقول: هذه الأرض تابعة لي، أين وثيقتك؟ ليس عندنا وثيقة، لكن احنا أخذناها أحفاد عن أجداد، في هذا المضمار، وتلك الأخرى تنافح: لا، بل عندنا هذه من ترابنا وهذا من أرضنا، والدليل هات تلك الأشجار وتلك الجبال، ثم هذا يحتدم وذاك يغضب وذاك يرفع السلاح وذاك يرمي بالسلاح، ثم يدب القتال بينهم على ماذا؟ على أرض، على أرض لربما تتعدى أشبارًا ونحو ذلك مما يقع بين بلاد المسلمين، ماذا؟ التهافت على الدنيا، فهذا كله من قتال الفتنة. قال: فاتق الله وحده لا شريك له، قال: ولا تخرج فيها ولا تقاتل فيها ولا تهوى ولا تشايع ولا تمايل ولا تحب شيئًا من أمورهم، لا يا عبد الله ابتعد كل البعد، فلا تخرج معهم ولا ترفع سلاحًا ولا تنفخ في بوق ولا تخرج حتى كلمة، لا تخرج حتى كلمة في مثل هذه المقاتل التي يقع فيها الضحايا من أهل الإسلام من أهل البلد الواحد، من أهل البلد الواحد. بل إن يقول علماء: إن كان في خروجك تخفيفًا للشر فاخرج، إن كنت تعلم أن خروجك إلى مثل هذه الأماكن المحتدمة بأن تأخذ بأيديها أولًا وأن تخاطب عقولها أولًا وأنك ترشد الكبراء والوجهاء إلى ما هو أصلح لذلك فافعله يا عبد الله، فإن ذلك من أعظم العبادات أنك تصلح ذات بين المسلمين. قال: فلا تحب شيئًا من أمورهم، فإن يقال: من أحب فعال قوم خيرًا كان أو شرًا كان كمن عمله، وفقنا الله وإياكم لمرضاته، وجنبنا وإياكم معصيته. هذا إخواني في الله خلاصة هذه المسائل السريعة المتعلقة بقتال الفتنة، وتحت مسائل كثيرة ومباحث كثيرة، لأن الأصل نقول: الأصل عباد الله لا يجوز قتال المسلمين، لكن جاءت الشريعة أحيانًا إلى جواز رفع السلاح على المسلم إذا كان باغيًا وإذا كان معتديًا، وهذا يترك -إن شاء الله- في دروس قادمة. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.