هم الآخرة

الخطبة بعنوان هم الآخرة، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 7 ربيع الآخر 1443هـ الموافق 12 نوفمبر 2021م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية تقوى الله ووصف أحداث الموت والآخرة

يبدأ الحديث عن أهمية تقوى الله وطاعته، ثم ينتقل إلى وصف أحداث ما بعد الموت. يشمل الوصف سؤال الملكين في القبر والنفخ في الصور ويوم القيامة حيث يحشر الناس إلى ساحة العرض على الله.

تفاصيل يوم القيامة والحساب وتوزيع الناس إلى جنة أو نار

يوم القيامة يوم عظيم يشهد فيه الناس على أعمالهم، ويمرون بمراحل متعددة مثل الشفاعة والمرور على الصراط والعرصات قبل الوصول إلى مصيرهم الأخير.

الاستعداد ليوم المعاد والتحذير من الدنيا

يجب على المسلم أن يستعد ليوم القيامة ولا ينخدع بالدنيا، مع عدم إهمال نصيبه منها. من جعل الآخرة همه كفاه الله هم الدنيا، وينبغي إصلاح الآخرة لكي يصلح الله الدنيا.

الدعاء للمسلمين بالخير والحماية واستغفار الله

يتضمن المقطع دعاءً للمسلمين بالخير والحماية من كل سوء، واستغفارًا لله تعالى، مع طلب التوفيق لمن يريد الخير لبلاد المسلمين ورد كيد من يريد السوء عنهم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إن الإنسان في هذه الدنيا إذا انقضى عمره وانتهى أجله، وما من أحد إلا وستأتيه منيته، كل نفسٍ ذائقة الموت، لا فرق بين صغيرٍ وكبير، وعظيمٍ وحقير، وغنيٍ وفقير، أو بين نبيٍ وولي وكافرٍ شقي، إنك ميت وإنهم ميتون، حينها ينزل عليك ملك الموت ومعه أعوانه من الملائكة لقبض روحك، فيجلسون منك مدَّ البصر، لا يراهم أحد إلا أنت. فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذٍ تنظرون، ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون، فإذا قبضت روحك انتقلت يا عبد الله إلى عالم البرزخ إلى القبر، وهي أول منزلٍ من منازل الآخرة، فيأتيك ملكان أسودان أزرقان فيسألانك عن الذي خلقت لأجله وجعلك الله جل وعلا على أرضه: من ربك، ما دينك، من نبيك؟ فعلى قدر الجواب يكون الثواب والعقاب، إما نعيمٌ مقيم أو نارٌ تلضى وجحيم. فلا تزال في قبرك رهين عملك، وتتوالى من بعدك الوفيات، تموت الخلائق والشعوب والحضارات، حتى يأتي الأجل المحتوم الذي قضاه الله على أهل الأرض والسماوات، فيأمر الله جل وعلا بالنفخ في الصور، فيصعق كل من في الأرض والسماوات، فلا يبقى أحد، لا من الكائنات ولا من المخلوقات، لا إنس ولا جان، كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام. فحينها يقول الحق جل في علا: لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ فيجيب سبحانه نفسه بنفسه: لله الواحد القهار، وبعد ذلك يأمر ربنا جل وعلا بالنفخ في الصور مرة أخرى، فإذا الناس من قبورهم قيام، كما بدأنا أول خلق نعيده، يقومون حفاة عراة، وقالوا: من بعثنا من مرقدنا؟ هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون. فيخرجون من قبورهم سراعة يتوجهون إلى صوت الداعي الذي يدعوهم إلى ساحة الحشر، يومئذ يتبعون الداعية لا عوج له، وخشعت الأصوات للرحمن، فلا تسمع إلا همسًا، فيقفون في ساحة الحشر مقاما طويلا، يوم يقوم الناس لرب العالمين، يستمر هذا المقام لا لساعات ولا لأيام، وإنما هي العشرات والمئات من الأعوام، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، تشخص فيه الأبصار، وتتعب فيه الأقدام، وتكل فيه الأجسام والأجساد، وتنزل الشمس حتى تكون فوق رؤوس العباد. فيطلب الخلق المخلصة من هول هذا القيام، فيلجأون ويتشفعون عند الأنبياء والرسل عليهم السلام، حتى ينتهوا إلى رسول الأنام صاحب المقام عليه الصلاة والسلام، فيقول: أنا لها، أنا لها، فيجيء فيشفع عند ربه، فيوافق الله على شفاعة نبيه، فحيلها، فحيلها، يؤذن بالحساب في فصل القضاء، فتعرض أعمال العباد على رب الأرباب، يومئذ لا تخفى منكم خافية. قال عليه الصلاة والسلام: ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، ومن الحساب ما يكون من تطاير الصحف، فأخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله: اقرأ كتابك، كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا، هذا كتاب الذي يجل فيه الإنسان كل شيء، وقالوا: ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ووجدوا ما عملوا حاضرًا، ولا يظلم ربك أحدًا. ثم بعد ذلك من الحساب ما يكون من وضع الموازين، فتوزن الأعمال وتوزن الصحف والعمال، فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، وأما من خفت موازينه فأمه هاوية، وما أدراك ما هي؟ نار حامية. ثم بعد ذلك يجتمع الناس ببعضهم على حسب ما يكون من تشابههم، فأتباع كل نبي مع نبيهم تحت لوائه، وهكذا أهل الإجرام مع قرنائهم، قال سبحانه: ﴿احْشُرِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ أي وأشباههم وقرنائهم، فعباد الأوثان مع عباد الأوثان، وأهل الإلحاد مع أهل الإلحاد، ومنكر البعث مع منكر البعث، المرء هنالك يحشر مع من أحب. ثم بعد ذلك تضرب ظلمة شديدة لا يرى الناس فيها شيئًا، فأهل الإيمان تعطى لهم الأنوار على قدر ما كان معهم من أعمال، وأما أهل الكفر والشرك فهم يتخبطون في الظلمات حتى يتساقطوا في نار جهنم خالدين مخلدين فيها، وعلى إثرهم يكون تساقط أهل النفاق، أهل العناد والشقاق، بعدما يضرب بينهم وبين المؤمنين بذلكم السور المعروف، فيتخبطون في الظلمات فيلحقون بأهل الكفر والشرك في النار. فيبقى أهل التوحيد وأهل الإيمان من سائر الملل والأجيان، فيوضع لهم الصراط فيمرون عليه، ومرورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يجري جريًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم من يهوي على النار هويًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وبعد اجتياز الصراط وقبل دخول الجنان تكون هناك العرصات، أي الساحات، والتي فيها يكون القصاص بين أهل الإيمان فيما بينهم، بإزالة ما عسى أن يكون من زعل أو من غل وغش على بعضهم البعض، فإذا اقتص بعضهم من بعض فهذبوا ونقوا، حينها تفتح لهم أبواب الجنان فيدخلونها بسلام. ثم إذا استقر كل فريق إلى مثواه الأخير، نادى منادي: يا أهل الجنة، يا أهل الجنة، خلود بلا موت، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم، الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، إنما مضى ذكره إنما هو إشارة وإلماحة لما نحن عليه قادمون بلا محالة، اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون، هي غفلة عظيمة ضربت علينا، نسينا اليوم الآخر وما فيه من آيات عظام وحوادث جسام ستمر علينا يومًا من الأيام. قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾، إنه من المؤسف ما نراه من كثير من الناس، وخاصة في مثل هذه الأوقات، في أوقات الأزمات وتوالي المصائب والنكبات، أن تنسيهم عن الاستعداد ليوم المعاد. فإن ما نعتريه وما نعانيه ونقاسيه من عزمات لا مقارنة بما سنلاقيه من أهوال، فما سنبتلى به هناك أعظم بكثير مما سنبتلى به في هذه الدار، يا أيها الناس اتقوا ربكم، إن زلزلة الساعة شيء عظيم، يوم ترونها تذهلوا كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد، نسأل الله السلامة والعافية. مع ذلك لا يعني هذا أنك يا عبد الله تنقطع عن الحياة الدنيا أو أنك تهملها بتاتًا، لا، قال جل شأنه: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، وقال عليه الصلاة والسلام: «نعم المال الصالح للعبد الصالح»، وقال عليه الصلاة والسلام: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول». لكن الذي ينتقد على المرء أن يجعل الدنيا هي همه ومقصده، هي غايته ومآله، عليها يقاتل من أجلها، يعادي ويناضل، يضيع حق ربه وحق عباده من خلقه، بسفك الدم الحرام، وبقطع الأرحام، وبأكل أموال اليتامى والمساكين والأيتام، يأخذ من حلها وحرامها، قطع الصلاة، ومنع الزكاة، همه إشباع البطن وإملاء الجيب، هذا الذي ينهى عنه الإنسان أن تطغى عليه الدنيا فتنسيه آخرته. عباد الله، إن الله جل وعلا قد وعد أن من جعل هم الآخرة هي همه، فالله عز وجل سيكفيك هم الدنيا وما فيها من عزمات ومن فتن ومدلهمات، قال عليه الصلاة والسلام: «من جعل الهموم همًا واحدًا هم آخرته كفاه الله هم دنياه»، وقال عليه الصلاة والسلام: «من جعل الآخرة همه جمع الله عليه شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة». ومن جعل الدنيا هي همه فرق الله عليه شمله، أو فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، فأصلح يا عبد الله، أصلح يا عبد الله آخرتك يصلح الله جل وعلا دنياك، ومن أصلح ما بينه وبين الله يصلح الله ما بينه وبين الناس. احرص يا عبد الله على ما ينفعك في آخرتك، احرص يا عبد الله على ما ينفعك في قبرك وأنت في برزخك، احرص على ما ينفعك عند البعث والنشور، وعند النفخ في الصور، احرص على ما ينفعك إذا وقفت أمام علام الغيوب، فتنكشف حينها ما في الصدور والقلوب. احرص على ما ينفعك عند نشر الدواوين ووضع الموازين والمرور على الصراط المستقيم، احرص على ما ينفعك من عملك الصالح، بالإقبال على الطاعات والعبادات والاستكثار من النوافل والسنن والقربات، فهذا الذي ينفعك يا عبد الله، ولا تركن ولا تنغمس ولا تضيع وقتك في الدنيا، فالأمر كما قال الله جل في علاه: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. أقول قولي هذا، واستغفروا الله، إنه الغفور الرحيم، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات، اللهم من أراد بلادنا اليمن وسائر بلاد المسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بسوء، اللهم اشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه، يا رب العالمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.