شرح بعض منارل السائرين إلى الله  3

شرح بعض منارل السائرين إلى الله 3

الدرس في شرح بعض منارل السائرين إلى الله 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

فضل العلم على العبادات النافلة ومكانة أهل العلم

يوضح ابن القيم أن العلم إمام للعمل وقائده، وأن الحاجة إليه تفوق الحاجة للطعام والشراب، مستشهداً بأقوال الأئمة الأربعة بأن طلب العلم أفضل من صلاة النافلة. كما يشير إلى أن شهادة الله لأهل العلم بالتوحيد تدل على تعديلهم وفضلهم العظيم.

منزلة العلماء ووراثة الأنبياء في حديث أبي الدرداء

يتناول المقطع حديث «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله» وفضائل العلماء الواردة في حديث أبي الدرداء كفضل العالم على العابد لوراثته الأنبياء. ويختم بضرب المثل بموسى عليه السلام في السفر لطلب العلم وأمر الله نبيه بطلب الزيادة منه.

العلم سبب للنجاة من الفتن وتمييز الحق من الباطل

يبيّن المقطع أن الله أحل صيد الجوارح المعلمة دون الجاهلة، ممثلا بذلك عمل الجاهل الذي لا يصيب الحق. ويستعرض فضائل العلم من القرآن كسبب للنجاة من الفتن وتمييز الحق، كما في قصة قارون ونجاة أبي بكرة، ويوصي بطلب العلم النافع.

الدعاء بخاتمة المجلس وطلب العلم النافع والعمل الصالح

يختتم المتحدث مجلسه بالدعاء لله أن يرزقه وجمهور المستمعين العلم النافع والعمل الصالح. ويصلي ويسلم على النبي محمد وآله وصحبه، مفوضاً الأمر إلى الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال العلامة ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه "مدارج السالكين"، وفي سياق ذكره لفضل منزلة العلم: قال رحمه الله: «هو إمام والعمل مأموم، وهو قائد والعمل تابع، فلا يستطيع السائر أن يمشي إلا وراء إمامه، ألا وهو العلم، فهو إمام والعمل مأموم، العمل يتبعه، فلا عمل إلا بعلم، وهو قائد والعمل تابع، فالذي يقودك هو العلم». قال: «وهو الصاحب في الغرفة، والمحدث في الخلوة، والأنيس في الوحشة، والكاشف عن الشبهة، والغنى الذي لا فقر على من ظفر بكنزه، والكنف الذي لا ضيعة على من آوى إلى حرزه». قال: «مذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وطلبه قربة، وبذله صدقة، ومدارسته تعدل بالصيام والقيام»، والمراد بالصيام والقيام النافلة كما سيأتي من كلام الأئمة رحمهم الله تعالى. قال: «ومدارسته تعدل بالصيام والقيام، والحاجة إليه أعظم منها إلى الشراب والطعام». قال الإمام أحمد رضي الله عنه: «الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب، لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين، وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه». وقوله رضي الله عنه هذا على سبيل الدعاء، على سبيل الدعاء، فالإمام أحمد ليس من الصحابة حتى يقال إنه من الإخبار، وإنما يجوز ذلك على وجه الدعاء كقولك: فلان رحمه الله، وأنت تدعو له بصيغة الإخبار. قال الإمام أحمد رضي الله عنه: «الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب، لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين، وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسك، كم أنت تتنفس في الثانية الواحدة؟ فأنت بحاجة إلى العلم بعدد أنفاسك، بعدد أنفاسك، لأن به يصلح العمل والسير إلى الله سبحانه وتعالى». قال: «ورُوينا عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة». وهذا يبين معنى قوله: «ومدارسته تعدل بالصيام والقيام»، يعني الصيام النافلة والقيام النافلة، فالإمام الشافعي يقول: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة، لشرف منزلة العلم. قال: «ونص على ذلك أبو حنيفة رضي الله عنه». وقال ابن وهب: «كنت بين يدي مالك رضي الله عنه فوضعت ألواحي»، يعني التي يكتب فيها العلم، «قال: فوضعت ألواحي وقمت أصلي»، يعني صلاة نافلة، «فقال»، فقال أي الإمام مالك لعبد الله بن وهب: «قال: فما الذي قمت إليه بأفضل مما قمت عنه؟». يعني قيامك إلى الصلاة، صلاة النافلة، ليس بأفضل مما قمت عنه من العلم، فالعلم أفضل. فهؤلاء ثلاثة أئمة يقررون هذا، ألا وهو أن العلم أفضل من صلاة النافلة: الإمام الشافعي، وذكر ذلك عن أبي حنيفة، وكذلك جاء عن الإمام مالك رحمه الله تعالى. قال: «ذكره ابن عبد البر وغيره». قال: «واستشهد الله عز وجل بأهل العلم على أجل مشهود به وهو التوحيد، وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وفي ضمن ذلك تعديلهم، فإنه سبحانه وتعالى لا يستشهد بمجروح». ويشير إلى قول الله عز وجل: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. فالله عز وجل، فالله عز وجل في هذه الآية استشهد بالعلماء على أجل مشهود وهو التوحيد، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وقرن شهادتهم بشهادته عز وجل وبشهادة ملائكته الكرام، وكما ذكر في ضمن ذلك تعديلهم، إذ أن الله عز وجل لا يستشهد إلا بمن قامت عدالته. قال رحمه الله: «ومنها هنا والله أعلم يؤخذ الحديث المعروف: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وتأويل المبطلين». وقوله: «ومنها هنا والله أعلم يؤخذ الحديث المعروف»، يعني مما يدل على تعديل الله عز وجل لأهل العلم، فالله عز وجل عدلهم في الآية، وكذلك في هذا الحديث: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وتأويل المبطلين». وهذا الحديث اختلف في صحته، فالشيخ الألباني رحمه الله تعالى في "مشكاة المصابيح" يحسنه بمجموع الطرق، وقد ذكر بعض أهل العلم ضعف هذا الحديث، فنقل ذلك عن ابن القطان رحمه الله تعالى أنه قال: «قد روي هذا الحديث متصلاً من رواية جماعة من الصحابة عن علي بن أبي طالب، وابن عمر، وأبي هريرة، وابن عمر عن عبد الله بن عمر، وجابر بن سمرة، وابن أمامة، ثم قال: وَكُلُّهَا ضَعِيفَةَ لَا يَثْبُتُ منها شيء». وشيخنا الوادعي رحمه الله على ضعف هذا الحديث، وعلى قول ابن القطان رحمه الله تعالى، كما ذكر ذلك في كتابه "أسئلة في المصطلح"، فرجح قول ابن القطان رحمه الله تعالى. وابن القيم جمع طرق هذا الحديث في كتابه "مفتاح دار السعادة"، وذكر عشرة طرق لهذا الحديث، والحديث رواه البزار في "كشف الأستار"، والعقيلي في "الضعفاء"، وابن عبد البر في "التمهيد"، وغير هؤلاء من الأئمة. قال رحمه الله: «وهو حجة الله في أرضه، ونوره بين عباده». فالحجة في العلم، لا في الأعراف، ولا في الأسلاف، ولا في قول فلان أو علان، وإنما الحجة بالدليل القائم على العلم الشرعي. قال: «ونوره بين عباده، وقائدهم ودليلهم إلى جنته، ومدنيهم من كرامته». قال: «ويكفي في شرفه أن فضل أهله على العباد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وأن الملائكة لتضع لهم أجنحتها وتضلهم بها، وأن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر، وحتى النمل في جحرها، وأن الله وملائكته يصلون على معلم الناس الخير». وهنا يشير إلى حديث أبي الدرداء الذي أخرجه الترمذي وأبو داود، وصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب». القمر يفضل سائر الكواكب بشدة إضاءته وقربه، بخلاف بقية الكواكب فإنها بعيدة وضئيلة في النور، ليست كالقمر، فهكذا العالم، العالم فضله كفضل القمر على سائر الكواكب. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر». ثم ذكر هذه الأوصاف: أن العالم، أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر والنمل في جحرها، إلى غير ما ذكر في هذا الحديث. وهذا الحديث اجتمل على فضائل عدة للعلم ولي حملة العلم. قال رحمه الله: «ولقد رحل كليم الرحمن موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام في طلب العلم هو وفتاه، حتى مسه من نصب في سفرهما في طلب العلم، حتى ظفر بثلاث مسائل، وهو من أكرم الخلق على الله وأعلمهم به». يريد بهذا أن طلب العلم لا بد له من رحلة، ولا بد له من صبر، فهذا كليم الله عليه السلام، كم كم قطع من مسافات من أجل أن يلتقي بالعبد الصالح الخضر حتى يأخذ منه العلم، وقد مسه في سفره ذلك النصب، وما وصل العلماء إلى هذه المنازل إلا بصبرهم. قال الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَاهُمَا أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. قال: «وأمر الله رسوله أن يسأله المزيد منه، فقال: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، ولم يسأل ولم يأمر نبيه أن يسأله الزيادة من غير العلم أبداً، إنما أمره أن يسأله المزيد من العلم، فيدل كذلك على فضله». قال رحمه الله: «وحرم الله صيد الجوارح الجاهلة، وإنما أباح للأمة صيد الجوارح العالمة». ويشير إلى قول الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، فأباح الله عز وجل صيدها لأنها معلمة. قال: «فهكذا جوارح الإنسان الجاهل لا يجدي عليه صيدها من الأعمال شيئاً، يعني الجاهل يعمل بجهل فلا يصيب الحق في عمله، لا يصيب الحق في عمله لأنه عمل عن جهل، فعمله كعمل الجوارح الجاهلة لا يجوز صيدها، وهكذا الجاهل لا يجدي عليه الصيد الذي صاده من الأعمال التي يعملها يعملها». فهذا ربط منه رحمه الله بين هذا وذاك. والعلم لو جلست تعدد فضائله لاستغرق منك وقتاً كثيراً، فقد جاءت في فضائله الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة. فالعلماء هم أهل الخشية، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. العلماء هم أهل الفهم وأهل التدبر والتفكر، قال الله عز وجل: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، إلا العالمون. أهل العلم هم أهل العبادة وأهل كذلك الطاعة، قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، لا يستوون أبداً. وهكذا العلم سبب لنجاتك من الفتن، تميز بالعلم بين الفتنة وغيرها، تميز بالعلم بين الخطأ والصواب، وبين النافع والضار، العلم سبب لنجاتك من كل فتنة بإذن الله سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾، هذا أهل الجهل اغتروا بصنيع قارون وما هو عليه من الزينة ومن كثرة الأموال، فاغتروا به. فمن الذي تفطن لهذه الفتنة؟ إنهم أهل العلم، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾، فخسف الله عز وجل بقارون، وتبين صحة موقف أهل العلم، وندم من تمنى أن يكون في مكان قارون. وهذا أبو بكرة رضي الله تعالى عنه انتفع بحديث من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، فكان سبباً هذا الحديث في عدم دخوله في تلك الفتنة التي وقعت بين الصحابة. قال رضي الله تعالى عنه: «لقد نفعني الله بكلمات سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». قال: «وقد دعيت يوم الجمل، فتذكرت هذا الحديث، فكان سبباً في اعتزاله لتلك الفتنة». انظروا عباد الله، حديث سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام، فكان سبباً في نجاته، ولله الحمد والمن. فكيف إذا سمعت كلام الله وكثيراً من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ فإن أردت النجاة من الفتن، وأن تميز بين الفتنة وغير الفتنة، فعليك بالعلم، عليك بالعلم. كيف تميز أن هذا القتال قتال فتنة أو قتال شرعي؟ بالعلم، بالعلم. كيف تميز أن هذا جهاد في سبيل الله أو ليس بجهاد في سبيل الله؟ بالعلم، بالعلم. تستطيع أن تميز، فإذا فاحرص يا عبد الله على العلم النافع، وحض أولادك وحثهم على مجالس العلم، ضعهم في مجالس العلم وفي حلقات القرآن، فبإذن الله لا يذهبون يمنة ولا يسرى، ولا يتأثرون بأي منهج مخالف لمنهج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا منهج التكفير، ولا منهج التفجير، ولا منهج التحزب، ولا شيء من ذلك، بالعلم النافع وبسؤال أهله، أهل العلم الراسخين، فبهذا بإذن الله تنجو من الفتن. وهذا من فضل العلم ومن منزلة العلم. والعلماء، أسأل الله بمنه وكرمه أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم