الدرس في شرح لامية ابن الوردي 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يؤكد ابن الوردي أن الموت قدره الله على كل مخلوق صغيراً كان أو كبيراً، فلا يفلت منه أحد، مستدلاً بآيات قرآنية. ويضرب أمثلة بالطغاة كَنمرود وعاد وفرعون الذين ملكوا الأرض ثم أفناهم الموت، مبيناً زوال الدنيا وحساب الله للجميع.
يسرد أخبار عاد الأولى وطول عمرهم وكثرة نسلهم، وإرسال هود عليهم وتكذيبهم فأهلكهم الله بالريح الصرصر، ويذكر فرعون وبناة الأهرام لبيان أن الموت أفناهم رغم ملكهم وحصونهم. ثم يفسر البيت "من يسمع يخل" داعياً السامع للتصديق والاعتبار بهلاك الطغاة وعدم الاغترار بالدنيا.
يبيّن أن الموت يدرك الطغاة الذين بنوا الحصون والجبال كما يدرك أهل العلم والتقوى، فالدار دار فناء لا بقاء. وسيعيد الله الخلق جميعاً فيحاسبهم: فيكرم أهل الإيمان والعلم، ويعذب الظالمين والكافرين، فينبغي للمسلم تصحيح عمله والاستعداد للقاء ربه.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال ابن الوردي رحمه الله تعالى في منظومته اللامية: كتب الموتى على الخلق فكم ثل من جمع وأثنى من دول. قوله: "كتب" هنا بمعنى قضى وأوجب، و"الخلق" هنا بمعنى المخلوق. يعني: كتب الموت على المخلوق، أي أوجب الموت على جميع المخلوقات من صغير وكبير، وذكر وأنثى، وجليل وحقير، وغني وفقير، وإنس وجن، وملك ومملوك. كل هؤلاء أوجب الله عز وجل عليهم الموت، وهذه حقيقة لا مفر منها، لا مفر منها، فلا يفلت من الموت أحد من المخلوقات، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. فكما ذكر الناظم رحمه الله تعالى: "كتب"، والفاعل هنا مستتر، أي: كتب هو الله عز وجل الموت على الخلق، يعني على جميع المخلوقات. "فكم فل من جمع وأفنى من دول". وقوله "فكم" هنا خبرية، وتفيد هنا التكثير، لأن من فوائد "كم" الخبرية التكثير، يعني: جمع كثير ودول كثيرة أفناها الموت. وقوله "فل" بمعنى هزم وثلم، هزم وثلم. ويقال: سيف مفلول، أي مثلوم. السيف إذا صارت به بعض الشقوق يسمى ثلم، والثلم هو الشق، فيقال: سيف مفلول، أي مثلوم. فقوله "فل" أي: هزم وثلم هذا الموت. وفي بعض النسخ بالقاف: "فكم قل"، وهو من القلة، يكون المعنى: أن هذا الموت كم قل من جمع كانوا كثيرين، فبالموت صاروا قليلين. هذا على نسخة القاف: قلة. وفي بعض النسخ "ثل" بالفاء، بمعنى ثلم وهزم. و"الجمع" هنا بمعنى الجماعة، يعني: كم هزم وكذلك فرق من جماعات. و"الدول" جمع دولة وهي البلدان، يعني: هذا الموت كم هزم من جمع، وكم أفنى من دول، يعني: أهلك من دول، فنزل عليهم الموت فصاروا كأن لم يكونوا شيئاً مذكوراً. انظر إلى قوم عاد وثمود وصالح وقوم فرعون، دول أفناها الموت وصارت نسياً منسياً. فمعنى هذا البيت: أن الله عز وجل قضى الموت وأوجبه على جميع المخلوقات، فلا يفلت منه أحد، لا يفلت منه أحد، كما تقدم. وهكذا الموت كم هزم كثيراً من الجماعات، وأفنى كثيراً من البلاد، فالموت مفرق الجماعات، وكذلك هادم اللذات ومفني الدول والدويلات. فهذا هو الموت. ثم قال رحمه الله وهو يذكر ببعض الطغاة والجبابرة ممن ملكوا وشادوا وجمعوا الأموال الهائلة الباهظة، فجاءهم الموت فأصبحوا في عداد الموتى، وذهب ملكهم، وذهبت أموالهم، وذهبت دولهم. فهذه هي حقيقة هذه الدنيا، هذه هي حقيقة هذه الدنيا. فيقرر هذه المسألة ابن الوردي رحمه الله بطريق الاستفهام، بطريق الاستفهام الذي يحمل المخاطب على الإقرار، يقر بما يذكره الناظم ولا يستطيع أن ينكر ذلك، وذلك بذكر الطغاة والجبابرة وأولي البأس من أهل القرون الأولى، مثل عاد وثمود وقارون ونمرود. ثم ذكر في آخر أبياته قوله: "سيعيد الله كلا منهم وسيجزي فاعلا ما قد فعل". فذكر من هؤلاء الطغاة وأن هؤلاء سيجزون ما عملوا. ثم ذكر أيضاً من أهل الصلاح ومن أهل التقى والعلم والزهد، وأن الله عز وجل أفنى الجميع، وسيعيد الجميع، وسيجازي الجميع بما عملوا في هذه الدنيا، فإن خيراً فخير، وإن شراً فشر. فقال وهو يذكر بالطغاة والجبابرة وأولي البأس من أهل القرون الأولى، ويقول: أين هؤلاء؟ أين هؤلاء؟ هل بقي لهم أثر؟ هل ترى لهم من باقية؟ هلكوا جميعاً، ولا تحس لهم، ولا تحس منهم أحداً، ولا تسمع لهم ركزا. كلهم ذهبوا وتركوا أموالهم وقصورهم وملكهم. فقال رحمه الله: أين نمرود وكنعان ومن ملك الأرض وول وعزل؟ يقول: أين نمرود؟ ونمرود هو ابن كنعان من ولدي حام ابن نوح، ابن نوح عليه السلام. قيل: وهو أول من وضع التاج على رأسه، تاج الملك، أول من وضعه على رأسه، وهو الذي ادعى الربوبية، وحاج إبراهيم في ربه، وألقى إبراهيم في النار. فهو المراد بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾. كان له ملك وله صول وجول وأمر ونهي، لكنه كان متمرداً، ولذلك قيل: سُمّي نمرود لكثرة تمرده واستكباره وعناده. فأين هذا النمرود؟ هل له باقية؟ هل خلد في هذه الدنيا؟ أين هو؟ تحت التراب في عداد الموتى. وكنعان هو أبوه، كذلك ممن كان له الملك قبله. ثم قال: "ومن ملك الأرض وول وعزل". ملك الأرض يعني سيادة الأرض. أين من سادوا في هذه الأرض؟ وهذا ذكر العام بعد الخاص، مثل بهؤلاء الأسياد. ثم ذكر أن هناك غيرهم ممن سادوا في هذه الدنيا، وكانت لهم الصولة والجولة والأمر والنهي، وإذلك قال: "وولى وعزل". ولى يعني: كم ولّى فيها من الأمراء، فيضع هذا وزيراً ثم يعزله، ويضع وزيراً آخر، يولي هذا ويعزل هذا. كم في الأرض من الملوك ومن السادة؟ كل هؤلاء ماتوا وذهبوا. هل بقي لهم أثر؟ لا. هل ترى لهم من باقية؟ لا. هلكوا جميعاً، هلكوا جميعاً، ولم تغن عنهم أموالهم ولا رئاستهم ولا قصورهم. هذه هي حقيقة هذا الإنسان. ثم قال: أين عاد؟ أين فرعون؟ ومن رفع الأهرام؟ من يسمع يخل أيضاً. يقول: أين عاد؟ وعاد هو ابن عوص بن إرم بن سام بن نوح. وكان كذلك ذكر من ترجمته أنه كان جباراً عنيداً، ورُوي أنه عاش ألفاً ومئتي سنة، لأن كان في القرون الأولى يعمر أهلها، كما قال الله عز وجل عن نوح: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً﴾، هذا يدعو فيهم فقط. فكم كان قبل أن يوحى إليه، وكم بقي بعد ما أغرق قومه؟ فكانوا يعمرون. قيل في عاد: أنه عاش ألفاً ومئتي سنة، ألفاً ومئتي سنة، يعني عمر واحد ربما الآن عمر يعني أكثر من أربعة عشر شخصاً في هذا الزمان، ألف ومئتي سنة. وقيل أنه تزوج بألف بكر، ألف بكر تزوج بها، ورزق من صلبه قالوا: أربعة آلاف ولد من الذكور. كل هؤلاء من أولاده، من صلبه، أربعة آلاف. هذا مما ذكر في ترجمته. وهو يقال له: عاد الأولى، لأن عاد الأولى وعاد الأخرى، يعني الثانية. وأما الثانية فهو ولده شداد بن عاد، شداد بن عاد. وكان كل منهما ملكاً عظيماً، عنده الملك، وإليهما أرسل نبي الله هود عليه السلام. نعم، أرسل إليهم نبي الله هود عليه السلام، فقصته في القرآن، وكيف أنهم عاندوه وكذبوه، فأهلكهم الله سبحانه وتعالى، وأرسل عليهم ريحاً صرصراً. فأين هذا عاد الذي عمر هذا العمر وولي هذه الولاية؟ أين هو؟ أفناه الموت. نعم، أين عاد؟ أين فرعون؟ وفرعون هو عدو موسى عليه السلام، وقصته مع موسى في القرآن، وذكرت في مواضع عدة. "ومن رفع الأهرام": أين عاد؟ أين فرعون؟ ومن رفع الأهرام؟ والأهرام جمع هرم، وهي المشهورة في مصر، بنايات عظيمة شاهقة متقنة، مشكلة بأشكال هندسية عجيبة غريبة. هذا أيضاً من عجائب الدنيا، يُقال لها: من عجائب الدنيا. وقيل: من بناها ورفعها رجل يُقال له: سنان بن المهلهل، وهو مع العمالقة، وقيل غيره. فأين هؤلاء الذين بنوا هذه البنايات العظيمة الشاهقة المتقنة في البناء؟ أين هؤلاء؟ ذهبوا وتركوها وراءهم ظهرياً، أفناهم الموت. ثم قال: "من يسمع يخل". ما معنى "من يسمع يخل"؟ "يخل" فعل مضارع من باب... يعني على وزن "خاف": خال يخاف، يخال، يخال. وهو من أفعال القلوب، يعني من أخوات "ظن": ظن، وعلم، وحسب، وخال، وزعم. صح، من أخوات "ظن". طيب، لكن هنا "خال" جزم في هذا البيت، لأن "من" هنا يقال لها: ماذا؟ اسم... شرط. انتبه: اسم شرط، ينصب مفعولاً، يجزم مفعولين: فعل الشرط وجواب الشرط. ففعل الشرط "يسمع"، وجواب الشرط ماذا؟ "يخل". لأن "يخاف" إذا نصبت... إذا جزمت، وماذا تقول؟ "لم يخف". طيب، وتقول: "لم يخل". "لم يخف" و"لم يخل"، تحذف الألف لالتقاء الساكنين. ما يقال: "لم يخاف" و"لم يخال". صح. فقال: "لم يخف ولم يخل". وهنا مجزوم. قيل: "من يسمع يخل". وهذا... هذا الآن إذا... الآن عرفنا ما معنى "يخل". "يخل" بمعنى يظن، بغض النظر. لأن "ظن" قد تكون للعلم، وقد تكون للظن الذي هو الرجحان. فيكون المعنى هنا: من يسمع شيئاً فهو يظن مسموعه صادقاً. فهنا حذف مفعول "يخل" لدلالة السياق عليهما، لدلالة السياق عليهما، فيكون التقدير: من يسمع شيئاً فهو يظن مسموعه صادقاً. وهذا الذي جبل عليه الإنسان، الأصل أن المستمع إذا سمع شيئاً صدقه، هذا الأصل، لأن الأصل في المتكلم الصدق، الأصل في المتكلم: الصدق، وإنما الكذب لمن علم كذبه، وهذا خلاف الأصل. الآن إذا خبرك أي إنسان، تصدق أو ما تصدق؟ لأن الأصل فيه أنه صادق، إلا إذا علم أنه كاذب، وهذا خارج عن الأصل. وإلا فالأصل أنك تصدق ما تخبر به من المسلم. فهنا يقول: المعنى هنا يكون... يكون المعنى هنا أن هذا... هذا... هذا الكلام الذي ذكر، يظنه السامع صدقاً، يعني: ما أخبرتك به من موت هؤلاء، ومن هلاك هؤلاء، فصدق به، لأن هذا أيضاً مما أخبر به من هو أصدق قيلاً وحديثاً، وهو الله سبحانه وتعالى، كما تقدم معنا في قول الله عز وجل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، وفي قول الله سبحانه وتعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾. فإذا ما ذكر، يجب عليك أن تصدق به. "من يسمع يخل" يعني: من يسمع مثل هذا، يصدق به، ويظن كما تقدم: مسموعه صادقاً، يعني: ما سمعه صدقاً لا كذباً. فيقول: صدق بهذا. فيكون المعنى: أن عاداً وفرعون ومن بنى الأهرام وأمثالهم، كلهم ماتوا، ووصلوا إلى جزاء عملهم، إلى جزاء عملهم السيئة، إلى جزاء عملهم السيئة. فكل هؤلاء أعمالهم سيئة، كما أخبر الله عز وجل عنهم، فهم من الجبابرة والطغاة. وكل من يسمع شيئاً يظنه صدقاً، يعني: تذكر الموت الذي سمعته في هذه الآيات، فإنه صدق وحق، ولا تكن غافلاً معرضاً، واتعظ بهؤلاء، اتعظ بهؤلاء الجبابرة، كيف أهلكهم الله، كيف أهلكهم الله، ولم تنفعهم أموالهم، ولا كذلك ملكهم، ولا رئاستهم، بل ولا حصونهم الحصينة المنيعة المرتفعة. هذا هو المعنى. ثم قال: أين من سادوا وشادوا وبنوا؟ هلك الكل، فلم تغني القلل. بالقاف: "فلم تغني القلل". قولوا: أين من سادوا؟ "سادوا" من السيادة، بمعنى الرياسة، يعني: أين من كان سيداً في قومه، آمراً ناهياً؟ وقوله: "وشادوا": "شادوا" من الشيد، فتح الشين، بمعنى رفع البناء، يعني: أين من رفعوا البناء والقصور والحصون، وسكنوا في أعلى الدور وفي أعلى القمم؟ أين هؤلاء؟ هذا هو المعنى. طيب، أنا عندي في "السادوا" أولاً... لا، بس المعنى متقارب أو الوزن واحد: "سادوا، شادوا". فهذا معنى "شادوا": يعني من الشيد، بمعنى رفع البناء. ويجوز أنه من الشيد بكسر الشين، وهو الجص، أي: بنوا بيوتهم بالجص. نحن يمكن نقول الآن: بالإسمنت، وهذه المواد التي تقوي البناء، تقوي البناء. أين هؤلاء الذين سادوا وشادوا وبنوا؟ "وبنوا" من عطف العام على الخاص. "شادوا" بمعنى: يعني رفعوا البناء. ثم قال: "هلك الكل". الكل يعني: كلهم ممن ذكر، من نمرود وما بعده: نمرود، وعاد، وفرعون. كل هؤلاء ذهبوا، ولم يبقَ لهم أثر، لم يبقَ لهم أثر. أما قوله: "فلم تغني القلل": "القلل" جمع "قلة"، والقلة هي الحصن أو رأس الجبل وأعلى. فكان هؤلاء يتحصنون بالبنايات المتينة القوية العالية، أو يسكنون رؤوس الجبال في القمم. وهذه العادة موجودة عند بعض الناس اليوم، بل بعض الملوك الذين ليسوا عنا ببعيد. انظروا: هذه الحصون القديمة، حصون بعض مماليك أو بعض الملوك والدول القريبة منا، كدولة القعيط مثلاً، أو الكثير. تجد بعض الحصون مرتفعة، انظر مثل هذه الحصون تجدها في مرتفعات الجبال، لأن المرتفع يستطيع أن يقاوم لأنه مسيطر على من تحته. فهم كانوا يسكنون العوالي والحصون. فـ"القلل" بمعنى الحصن أو رأس الجبل وأعلى. فيقول: أين من صاروا سادة ورفعوا البنيان؟ كلهم هلكوا وماتوا، فلم يتركهم الموت، فلم يتركهم الموت، فتركوا حصونهم الحصينة، وتركوا الجبال المرتفعة، ولم تغن عنهم هذه الحصون. وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، يعني: مبنية مرتفعة محكمة. إذا اختبأت من الموت، ما سيتركك الموت، سيأتيك، سيأتيك مهما كنت في أي مكان كان، متى ما جاء أجلك، الموت سينزل بك. نعم. ثم قال: أين أرباب الحجة؟ أهل التقى؟ أين أهل العلم والقوم الأول؟ هذا شروع من الناظم في ذكر وفاة الصالحين، في ذكر وفاة الصالحين. فبعد أن ذكر هلاك الجبابرة والطغاة، أراد أن يبين أن الدنيا ليست دار إقامة، لا لصالح ولا لطالح فاسد. واضح: فكل من عليها فان، كل من عليها فان. فالدنيا ليست دار إقامة، بل هي دار ابتلاء وفناء. ففي هذا البيت شرع الناظم في ذكر وفاة الصالحين وأهل العلم والتقى والزهد. فقال: "أين أرباب الحجة؟" "أرباب": جمع "رب"، بمعنى صاحب. "أرباب" يعني: أصحاب. و"الحجة" بمعنى العقل، يعني: أين أهل العقول النيرة، وللألباب، وللعلم؟ أين هؤلاء؟ ولذلك قال: "أهل التقى". فأهل التقى بدل من "أرباب الحجة"، المعنى متقارب. "أرباب الحجة": أهل النهى، أو "أهل التقى". في نسخة: "أهل التقى"، وفي نسخة: "أهل النهى". والنهى بمعنى: أهل العقول النيرة، ومعنى... ومعنى "وأولو الألباب": أولو الألباب، كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث: "ليليني منكم أولو الأحلام والنهى"، يعني: أهل العقل السليم والعقل اللبيب الفاهم. فالمعنى إن شاء الله متقارب. ثم قال: "أين أهل العلم والقوم الأول؟" أين أهل العلم؟ كلهم نزل عليهم الموت، لأنه كما ذكر في أول البيت، في قوله رحمه الله فيما تقدم، في أول ما ذكرنا: "كتب الموت على الخلق"، فكم... على الخلق جميعاً. ومن هؤلاء الخلق: أهل العلم، وأهل التقى والنهى، وأولو الألباب، كذلك نزل بهم ذلك الموت، لأن الدنيا ليست دار بقاء، وإنما هي دار فناء. هذا هو المعنى. هذا هو المعنى. فيقول: أن الموت... أقول: إن الله عز وجل قد حكم عليهم بالموت جميعاً. ثم قال: "سيعيد الله كلا منهم وسيجزي فاعلا ما قد فعل". يعني: هؤلاء الذين ذكروا. لأن قوله: "سيعيد الله كلا"، "كلا" هذا "كل" هذا يعود على كل من ذكر: من قارون، ومن فرعون، والنمرود، وعاد، ومن ساد وشاد، وأهل الحجة والنهى والعلم. كل هؤلاء سيعيدهم الله. ثم إنكم بعد ذلك لميتون، ثم إنكم يوم القيامة تبعثون. الكل سيرجع إلى الله، ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق. الكل سيرد إلى الله سبحانه وتعالى. "سيعيد الله كلا منهم"، كل مكلف سيعاد، وسيبعث يوم القيامة، وسيجزى كل فاعل ما قد فعل. "وسيجزي فاعلا ما قد فعل": أي سيجزي كل فاعل في مقابل، أو في مقابلة ما فعل. إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. وإن شراً فشر. فهنيئاً لأهل العلم والنهى والتقى، فإنهم سيكرمون في ذلك اليوم، كما قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. فهم موعودون بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. هذا أهل العلم والتقى. وأما أهل الجبروت والضلالة والعناد والاستكبار، فإن مصيرهم النار، وبئس المصير، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾... كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾. هذا هو حالهم في ذلك اليوم. "سيعيد الله كلا منهم وسيجزي فاعلا ما قد فعل". يا عبادي، كما جاء في الحديث القدسي: "يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها". كل إنسان يعمل في هذه الدنيا، سيوفى هذا العمل يوم القيامة. إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. "يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها. فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه". "غير ذلك" يعني: من الشر، من الكفر، من البدع، من النفاق، فلا يلومن إلا نفسه. فإذا هذا يدعو إلى تصحيح العمل، وإلى الإقبال على طاعة الله سبحانه وتعالى، وأن لا نكون كأولئك الجبابرة الطغاة، بل لنكن مثل أهل الحِجى والنهى والعلم. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم بما يحب ويرضى. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. اشتركوا في القناة. اشتركوا في القناة. اشتركوا في القناة.