الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 29، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
توضح الرواية أن الآية نزلت في ولي يتيمة تزوجها طمعاً في مالها دون رغبته فيها، فأمر الله بالعدل أو الزواج بغيرها. ربطت الآية بين الخوف من ظلم اليتيمات وإباحة تعدد الزوجات كبديل للزواج بهن مع وجوب ولاية اليتيم.
يشرح المقطع القاعدة الشرعية التي تقضي بأنه إذا سد باب حلال لوجود ظلم فتح الله بديلاً عنه، مستشهداً بتحريم نكاح اليتيمة عند عدم العدل. ثم يبين أحكام ولاية مال اليتيم، وأن الوالي الغني يستعفف بينما الفقير يأكل بالمعروف مع اشتراط العقل والأمانة.
يشرح المقطع قاعدة العمل بالعرف عند عدم وجود تحديد شرعي لكمية النفقة أو العطاء، مع أمثلة على نفقة اليتيم والزوجة مشدداً على شرط عدم مخالفة العرف للشرع. كما يبرز فضيلة الاستعفاف عما في أيدي الناس ولو كان الأخذ جائزاً مستدلاً بآيات وأحاديث تحث على العفة.
يدعو المقطع إلى تجنب المحرمات وعدم إطلاق البصر فيما حرم الله، مع التحلي بالاستعفاف في المال سواء كان الشخص غنياً أو مضطراً للسؤال. أكد المقطع أن ذلك هو الأفضل والأكمل للمؤمن في تعامله المالي والسلوكي.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سورة النساء، قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ﴾ [النساء: 3]، الآية. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثني إبراهيم بن موسى، قال: أخبرنا هشام، عن ابن جريج، قال: أخبرني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: «أن رجلاً كانت له يتيمة فنكحها، وكان له عذق -بفتح العين وسكون الذال-، وكان لها عذق، أنا عندي له، ولعل الصواب ما ذكرت، وكان لها عذق، والعذق هو النخل بحملها، يعني النخل وما تحمله يقال له عذق، وكان لها عذق، وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء، فنزلت فيه: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى ﴾، أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله». الحديث أخرجه ابن جرير في تفسيره، وأخرجه مسلم. ومعنى هذا الحديث: فإذا فهم معنى الآية، أن رجلاً في عهد النبي عليه الصلاة والسلام كانت له يتيمة، ولم يكن محرماً لها، وإنما كان مقيمًا على مالها الذي خلفه مورثها، فتزوج هذا الرجل المقيم على مال هذه اليتيمة على اليتيمة، تزوج عليها، وكان سبب نكاحه بها طمعاً في مالها، فإن هذه اليتيمة كان لها عذق، يعني نخلة بما تحمل من ثمر، وكان يمسكها عليه، يعني ما تزوجها إلا من أجل هذا العذق وهذا المال، ولم يكن لها من نفسه شيء، يعني ما هو راغب فيها في نكاحها، ما عنده رغبة، وإنما تزوجها من أجل مالها، فأنزل الله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى ﴾، لأن هذا فيه ظلم لهذه البنت، كيف تتزوجها وتتركها بدون عشرة؟ فليس هذا هو القصد من النكاح، ليس هذا هو القصد من النكاح. ثم قال: «أحسبوا»، وقال: «كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله»، يعني شكاً من الراوي، وهذا الشك من هشام بن يوسف كما نقل ذلك شيخنا في الحاشية عن الحافظ، فإما أن يكون هذا العذق لها وحدها، وإما أن يكون هذا العذق بالشراكة بينه وبينها. طيب، إذن الآية بينت لنا، أو سبب النزول بين لنا معنى الآية، بين لنا معنى الآية: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾. قد يسأل سائل ويقول: ما هي العلاقة بين النهي عن ظلم هذه اليتيمة وبين الأمر بالزواج من غيرها؟ لأن الله عز وجل نهى عن ظلمها، قال: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾، ما هو وجه العلاقة بين الأمر بالعدل في هذه اليتيمة والتحذير من ظلمها، وبين الأمر بنكاح النساء والتعدد؟ العلاقة والرابط بين ذلك وضحته رواية أخرى عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وهذه الرواية جاءت كذلك في البخاري، لكنه ذكرها غير مسندة، إنما معلقة، فقالت عائشة: «أن هذه الآية أنزلت في الرجل تكون له اليتيمة، يعني تكون عنده اليتيمة وهو وليها، يعني هو الذي يدير مالها ووارثها، كان يقول مثلاً: ابن عم، ابن العم يرث أليس كذلك؟ عصبة يرث، عصبة، أو يكون ابن ابن العم كذلك يرث، عصبة». فقالت عائشة: «أن هذه الآية أنزلت في الرجل تكون له يتيمة وهو وليها ووارثها، ولها مال، وليس لها أحد يخاصم دونها، ولا ينكحها لمالها، يعني أسيرة تحته، ما معها أحد غيره يدافع عنها وينقل الولاية من هذا، من هذا الرجل إليه، ما معها أحد، فيضربها هذا الرجل، يضربها ويسيء صحبتها، ويتزوجها». فقال: «فقال الله، فقال الله عز وجل: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾، أي ما أحل لكم، ودع هذه التي تضربها، ودع هذه التي تضربها». فإذن يكون معنى الآية: إذا كانت تحت أحدكم يتيمة، واليتيم هو الذي مات أبوه ولم يبلغ بعد، فإذا كانت تحت أحدكم يتيمة، وخاف ألا يعطيها مهر مثلها، أو ألا يعطيها حقها، فليعدل إلى ما سواها من النساء، يعدل إلى ما سواها من النساء، فإنهن كثير، ولم يضيق الله عليكم، ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ﴾، وإن شئتم أربع، تتزوجوا غيرها، فلكم ذلك، ولا تتزوجوا هذه اليتيمة فتظلموها، ولا تعطوها حقها، لا في المهر ولا في المال، وتأخذون حقها ونحو ذلك، فاتركوا لها شأنها، إن خفتم ألا تعدلوا. وإن رأيتم أنكم تعدلون، فلا بأس في هذا أن يتزوج الولي هذه اليتيمة، فيعطيها مهرها، ولا يظلمها في حقها. فهمتم هذا الآن؟ ها، لا، لا تتزوجوها، لا تتزوجوها إن علمتم من أنفسكم ظلمها، تتزوجوها لكن لا يتزوجوها، ولا يكثر، يعني لا تكون الخامسة له إلى الرابعة، لا يجوز له أن يزيد، لا تفهم هذا، لكن القصد أن من خاف أن لا يعدل في هذه اليتيمة فلا ينكحها، ولا يتزوجها، يتركها ويتزوج غيرها من النساء، إن شاء مثنى وثلاث وربع، فالنساء غيرها كثير، فالنساء غيرها كثير. هذا هو معنى هذه الآية، وهذا هو تفسير هذه الآية، وعلاقتها بسبب النزول. وهذا الحديث فيه فوائد: من فوائد هذا الحديث: لا بد لليتيم من ولي، وأقرب الناس لولاية مال اليتيم هو أقربهم نسباً إليه، كالأخ الكبير، أو العم، أو الخال، أو ينظر من هؤلاء من يظن فيه الأمانة، لأن اليتيم الصغير لا يحسن التصرف، وهو من السفهاء، والله عز وجل يقول: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ﴾ [النساء: 5]، فإذن هذا فيه أن الصغير لا بد له من ولي يقوم بشؤونه ويدير أموره. وفي هذا الحديث أيضاً: التحذير من أخذ أموال اليتامى، فلا يجوز أخذ أموال اليتامى ظلماً وعدواناً إلا بالمعروف، كما سيأتي في الآية التي بعد هذا، أما أن يأخذ جميع مال اليتيم، أو جل مال اليتيم، أو يأخذ أكثر مما يستحق، وكل ذلك من الظلم، كل ذلك من الظلم. وفي هذا الحديث أيضاً: القاعدة المشهورة، وهي: إذا سد باباً من الأبواب الحلال، ذكر الشرع البديل عن هذا الباب الذي سد، فلما نهى عن نكاح اليتيمة عند عدم العدل، بين أيضاً البديل، ليس، ليس، ليس معنى أنكم لا تتزوجوا، لا، ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾، وإن أردتم أربع، طيب، ففتح هذا الباب وسد ذاك الباب، لأن فيه ظلم، لأن فيه ظلم، مع أن الأصل في نكاح اليتيمة الجواز، لكن لما صاحب ذلك شيء من الظلم نهى عنه، قال: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ ﴾، اتركوا هذه اليتيمة، وهذه اليتيمة، فأقد تجد الشرع ما يغلق باباً إلا ويذكر البديل، يذكر البديل، وهذا له أمثلة كثيرة في الشرع، له أمثلة كثيرة في الشرع، من يستحضر، قل ما شاء الله ثم شئت. طيب، فذكر الحلال الجائز، ونهى عن الحرام، مثال آخر: نعم، حرم الربا، وأحل البيع، فذكر باباً من أبواب اكتساب المال من الحلال، أمثلة، ومثل كثيرة على هذا الباب. طيب، قال: قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [النساء: 6]، ومثل، ومثل. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثني إسحاق، قال: أخبرني عبد الله بن نمير، قال: حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [النساء: 6]، أنها نزلت في مال اليتيم، إذا كان فقيراً فإنه يأكل منه مكان قيامه عليه بالمعروف. قال: الحديث أخرجه مسلم. ومعنى هذا الحديث: أن مال اليتيم إذا وليه ولي، ينظر في هذا الوالي أو المدير لمال اليتيم، فإن كان هذا الوالي غنياً، عنده مال من خالص ماله، ولا يحتاج إلى شيء من مال هذا اليتيم، فالأفضل له والأكمل أن يستعفف، ما معنى يستعفف؟ يعني لا يأخذ شيء مقابل حفظ هذا المال، أو إدارة هذا المال، لا يأخذ شيء إذا كان غنياً، لقول الله عز وجل: ﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾، يعني لا يأخذ شيء. وإذا كان هذا الوالي فقيراً، يحتاج إلى المال، وهو يتعب في حفظ هذا المال، وفي البحث والكد، وكذلك في حرز هذا المال، فله أن يأخذ أجرة من مال اليتيم. ما مقدار هذه الأجرة؟ لم يأتِ في الشرع تحديد لمبلغ معين، وإنما أرجع الشرع ذلك إلى العرف، أرجع الشرع ذلك إلى العرف، فينظر إلى عرف الناس، والعرف يعمل به إذا لم يرد في الشرع نص، كما قال القائل: «والعرف معمول به إذا ورد حكم من الشرع الشريف لم يحد، لم يأتي فيه تحديد». طيب، فيرجع في ذلك إلى العرف، عرف المجتمع، عرف الناس، فلو مثلاً تعارف الناس على أن الفقير إذا ولي على مال يتيم يعطى راتباً شهرياً عشرة آلاف أو خمسة عشر ألف، فيأخذ هذا الراتب ولا يزيد، أن هذا عرف الناس، أو يأخذون نسبة، إذا كان مثلاً مال اليتيم خمسة ملايين، يأخذ مثلاً في المليون نسبة واحد في المئة، أو اثنين في المئة، أو عمل بمال اليتيم ونماه، فينظر في عرف التجار، من عمل في مال كم يأخذ، وكيف يكون الربح، وكيف يقسم، وهذا يدخل في أبواب كثيرة من أبواب الولايات والبيع والشراء ونحو ذلك. فمثلاً: دخلت شراكة مع أحد الناس، اختلفتم، منكم من يقول: أنا لي النصف، وأنت لك النصف، ومنكم من يقول: لا، أنا المال مالي، لي الثلثان، ولك الثلث، ورد خلافنا، أين المرجع؟ إلى العرف، يسأل أهل الشراكات، لو واحد معه دكان، ذاك بجهده، وذاك بماله، شراكة، كم يأخذ صاحب الجهد، وكم يأخذ صاحب المال؟ تجد هذا عند الناس موجود. استأجرت عاملاً يعمل في دكان من الصباح إلى الظهر فقط، قلت: سأعطيه خمسة عشر ألف، قال: لا، قليل، أنا أريد خمسة وعشرين ألف، قال لك: لا، معقول خمسة عشر ألف، واختلفتم، فجاءوا عندك لتحكم بينهم، ما شاء الله، يعني صاحب علم، صاحب فتوى، يحكم بيننا، تقول لهم: ورد في القرآن أن كذا وكذا، لا، تقول لهم: نسأل أهل العرف المعتاد الآن، أصحاب الدكاكين، لو اشتغل عندهم عامل من الصباح الساعة الثامنة إلى الساعة الواحدة مثلاً، كم يعطى هذا العمل في نفس هذا العمل؟ قالوا: المعروف أنه يعطى خمسة عشر، إذن هذا الحكم، هذا الحكم، قالوا: لا يأخذ عشرين، هذا الحكم، خمسة وعشرين، هذا الحكم. فهمتم؟ وهكذا في من ولي مال اليتيم، هذه المسألة منتشرة في المجتمع، الفقير كم يأخذ في حفظ هذا المال، أو في وصف كيفية هذا المال، وحفظ هذا المال، يسألوا، قالوا: هذا يأخذ في الشهر عشرين ألف، إذن يأخذ عشرين ألف، هذا إذا اشتغل بالمال يأخذ النصف من الربح، إذن يأخذ النصف من الربح، مثل الشراكة يكون، وهكذا. فقال الله عز وجل: ﴿ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾، فمعنى الحديث أنها نزلت في مال اليتيم، يموت الميت ويترك ولداً يتيماً، أو بنتاً يتيمة، أو أكثر، إذا كان فقيراً منه، إذا كان فقيراً ولي اليتيم، واضح، إذا كان فقيراً من ولي اليتيم، فإنه يأكل من مكان قيامه عليه بالمعروف، فإنه يأكل منه، يعني من هذا المال، مكان قيامه عليه بمعروف، يعني مقابل قيامه على هذا المال، ويأكل بالمعروف، لا يستغل هذه الولاية فيأخذ كثيراً من المال، ولم يَبْقَ لليتيم إلا شيئاً يسيراً، لا، هذه أمانة، فتحفظ، تحفظ هذه الأمانة، تحفظ هذه الأمانة. هذا هو معنى هذه الآية، وهذا الحديث فيه فوائد: منها: كما تقدم، أنه لا بد لمال اليتيم من ولي عاقل رشيد أمين، وهذا مما اشترطه العلماء في ولي مال اليتيم، أن يكون رشيداً عاقلاً، وأيضاً أميناً، فخرج بهذا ولاية السفهاء، ومنهم النساء، النساء لا تولى على مال اليتيم، لأن النساء الغالب أنهن يبذرن بالمال، ويخرجنه في غير موضعه، فيعطى لأقرب ولي إلى الفقير، إلى اليتيم، أقرب ولي، كعمه، أو خاله، أو جده، أو نحو ذلك، فيلي مال هذا اليتيم، فإن عدمت فيهم الأمانة، يحق للقاضي أن يختار لولاية اليتيم من يراه أصلح، ربما يموت الميت ويترك يتيم، وللميت هذا أخ، لكنه ليس بأمين، اعتبار عمل هذا اليتيم، فيحق للقاضي أن يرفض ولاية هذا العم، أنه ليس بأمين، ليس بأمين، وهذا مال يتيم، وقد جاء الوعيد الشديد في من يأكل أموال اليتامى ظلماً، كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: 10]، احذر أن تأخذ شيئاً من مال اليتيم لا يحق لك أخذه، قد جاء هذا الوعيد، وأمر الله بالإحسان إلى اليتيم وحفظ ماله، ﴿ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ﴾ [النساء: 2]، أمر بإعطائهم المال، وقال: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [الأنعام: 152]، ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، يعني بالمعروف وبالحق. فهذا فيه هذا المعنى، وفي هذه الآية أيضاً: العمل بالعرف إذا لم يجد في الشرع تحديد، وهذا من القواعد الفقهية التي تنبني عليها أحكام كثيرة، وجاءت أدلتها في الكتاب والسنة، ففي الكتاب هذه الآية: ﴿ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾، وأيضاً قوله تعالى في معاشرة النساء: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [النساء: 19]، بالمعروف، فتعاشر المرأة بما يتعارف عليه الناس من معاشرتها بالحسنة. فمثلاً: إذا طلبت المرأة من زوجها أن تنفق، اختلف الزوج والزوجة، الزوج قال: أنا سأعطيك في العيد هذا ثوب واحد فقط، وهي حضرية، ليست بدوية، قالت: لا، أني أريد ثلاثة أثواب، وصار نزاع بين الزوج والزوجة، ذلك يقول واحد، وتقول ثلاثة، يرجع هنا ينظر في الناس، كم ثوب يشترى للمرأة في العيد مثلاً، أو في السنة؟ فإذا قالوا: يشترى لها ثوبان، فهذا هو العشرة بالمعروف، أو يشترى لها ثلاثة أثواب، هذا هو العشرة بالمعروف، ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾، إلا إذا كان الزوج قليل المال، فقد قال الله عز وجل: ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ﴾ [الطلاق: 7]، ويصبرها على أن ما عنده، إن شاء الله إذا أكرمه الله سيعوضها، كلمة طيبة، لكن أن يكون معه مال، ويكتنز هذا المال، وعنده القدرة والاستطاعة على أن ينفق عليها كإنفاق ذوي اليسار على زوجاتهم، ثم لا يريد هذا، ليست العشرة بالمعروف، هذه ليست عشرة بالمعروف. وقس على هذا في بابي، مثلاً: الأكل، قالت المرأة: أنا أريد فواكه كل يوم، وقال: لا، أنا ما أعطيك إلا يوم بعد يوم، أو يوم الجمعة فقط، وتريد موز وتفاح وبرتقال كل يوم، وقال: لا، أنا سأأتي يوم الجمعة، أو في الأسبوع مرتين، وصار خلاف بينهم، فهنا ينظر إلى عرف الناس، من كان حاله كحال هذا الرجل، عرف الناس ماذا يأكل من فواكه في اليوم، أو في الأسبوع، أو مرة، أو مرتين، ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾، ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾، هذا إذا كان يستطيع، وإلا كما تقدم، وقال ربنا في كتابه الكريم: ﴿ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ﴾ [الطلاق: 7]. فإذا هذا من أدلة، هذا من أدلة ماذا؟ هذه القاعدة: العمل بالعرف، العمل بالعرف. وهكذا في السنة: قول هند: «أن أبا سفيان رجل شحيح، فهل عليّ أن آخذ من ماله دون علمه؟» فماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ «خذي، خذي، أنت وولدك بالمعروف»، أو «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»، بما يكفيك، لا تزيدي على ذلك، ولو دون علمه، ولو دون علمه، لأنه شحيح، لا يعطيها ما يكفيها وهو قادر، ففيه معنى هذه القاعدة، ففيه معنى هذه القاعدة. والعرف معمول به إذا ورد حكم من الشرع الشريف لم يحد، لم يأتِ تحديده بمقدار معين، فيرجع في ذلك إلى العرف، يرجع في ذلك، لكن ينتبه أن هذا العرف يكون موافقاً للشرع، من حيث أن ما فيه مخالفة شرعية، لأن بعض، مثلاً، القرى قد يكون فيها عرف، لكنه يخالف الشرع، بما يسمون، يقول لك: هذا عاداتنا، هذا تقاليدنا، هذا عرفنا، وهو يخالف الشرع. مثاله: مثلاً، رجل تزوج بامرأة، طيب، ومن عرف الناس في هذه القرية أن هذه الزوجة لها أن تدخل على إخوان هذا الزوج، عرفه هذا في البوادي كثير، الاختلاط، طيب، يتزوج، وزوجته يمكن تدخل على إخوانه، بل بعضهم ربما، وهي كاشفة، بل ربما يدخلون عليها في أوج زينتها، هذا في بعض البوادي، وبعضهم يدخل عليها إخوانها، وهي لابس شيء من الحجاب، لكن ليس بكامل، يكون فيه شيء من الخلوة والاختلاط، طيب، إذا امتنعت الزوجة، وقالت: أني ما سأدخل، فاحتج الزوج، قال: لا، هذا سالفنا، وهذا عاداتنا، وهذا عرفنا، ماذا سيقول؟ علي أخواني، لابد أن تدخلي، واختلفوا في هذا، هل نقول: العرف معمول به؟ لا، لأنه يخالف الشرع، فالمراد بالعرف الذي لا يخالف الشرع، ما فيه مخالف للشرع، وإنما هو أمر مباح، مثل ما مثلنا في شراء الكسوة، أو في أخذ المال للفقير القائم بمال اليتيم، هذا شيء حلال، ما فيه مخالف شرعية، فإذا لا بد من التفريق، لا بد من التفريق بين الأمرين: العرف معمول به فيما لا يخالف الشرع، أما إذا خالف الشرع، فالعبرة بالشرع، ويترك هذا العرف. مثالاً: في الزواجات، يقول مثلاً: نحن عرفنا أن يؤتى بالمزامير، أو بالطبول، إذن ماذا؟ هذا عرف الناس، نعمل به؟ لا، هذا يخالف الشرع، هذا يخالف الشرع، فلا نقول: أن هذا عرف يخالف الشرع، يجب إنكاره، يجب إنكاره، وعدم إقراره. فإذا نفهم هذه القاعدة بهذا الفهم. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: فضل الاستعفاف، بقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾، مع أنه يجوز له أن يأخذ لو أراد أن يأخذ، ليس بمحرم عليه يأخذ، مثل عرف الناس، لكن الأكمل في حقه أن يستعفف، وأن يحتسب الأجر عند الله عز وجل، وهذا فيه فضل الاستعفاف، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغني يغنه الله»، فلو استطعت أن تستغني عما في أيدي الناس، وإن كان يجوز لك أخذه، فهذا خلق دعا إليه الإسلام، دعا إليه الإسلام، حتى في مناولة شيء، استعفف عن هذا، وقم أنت بأخذه، كما جاء في الحديث: لما حثهم النبي، النبي عليه الصلاة والسلام، على الاستعفاف، فكان الصحابة يقولون: وإن أحدنا ليسقط عليه السوط، فينزل فيأخذه، ويستعفف أن يطلب من أحد أن يناوله إياه، ما يقول: يا فلان، أعطني هذا السوط، حتى يستعفف عن طلب الناس. وهذا فيه هذا الخلق: استعفاف، سوى كان في المال، سوى كان في النظر، في السماع، في كل شيء، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ [النور: 32]، وقال الله عز وجل: ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ [النور: 33]، يستعفف، لا يذهبون إلى الحرام، ولا ينظرون إلى الحرام، ولا يطلقون أبصارهم فيما حرم الله، يستعففون، وهكذا في الأموال، يستعفف، إن كان غنياً ولا يحتاج إلى هذا المال، أو مضطر إلى هذا السؤال، فهذا هو الأفضل والأكمل له. طيب، نكتفي بهذا، وإلهنا والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر، ترجمة نانسي قنقر، ترجمة نانسي قنقر.