التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 55

التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 55

الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 55، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

القاعدة الأصولية في القيود القرآنية وتطبيقها على تحريم الربائب

يقرر المؤلف قاعدة أصولية تفيد بأن الأحكام المعلقة بقيود في القرآن لا تثبت إلا بتحققها، مستثنياً آيات ورد القيد فيها للبيان البلاغي لا للتعليق الشرعي. ويطبق ذلك على آية تحريم الربائب موضحاً أن قيد "في حجوركم" جاء للتشنيع على من يتزوج من ربى في حجره لا لتقييد التحريم بالحضانة.

تحريم قتل الأولاد خشية الفقر ودلالة النهي الوارد فيه

يستعرض المقطع النهي القرآني عن قتل الأولاد بسبب الإملاق مبيناً أن ذكر هذه الحالة يجمع صوراً من الشر كقتل النفس البريئة وسخط القدر. ويستخلص قاعدة فقهية بأن تحريم القتل في أشد حالات الإلحاح يستلزم تحريمه في غيرها من باب أولى.

حكمة ذكر القيود في النوازل الشنيعة وخاتمة الدرس

يخلص المقطع إلى أن ورود القيود في الآيات المتعلقة بالنوازل الشنيعة يهدف إلى بيان شناعة الفعل وتغليظه لا إلى تشريع حكم جديد مشروط. ويختتم بالإشارة إلى ترجمة نانسي قنقر لهذا الشرح.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: قال المؤلف رحمه الله: القاعدة السادسة والعشرون: الأصل أن الآيات التي فيها قيود لا تثبت أحكامها إلا بوجود تلك القيود، إلا في آيات يسيرة. فهذه قاعدة لطيفة؛ فإن الله تعالى متى رتب في كتابه حكمًا على شيء وقيده بقيد، أو شرط لذلك شرطًا، تعلق الحكم به على ذلك الوصف الذي وصفه الله تعالى، وهذا في القرآن لا حصر له. وإنما المقصود ذكر المستثنى من هذا الأصل، الذي يقول كثير من المفسرين إذا تكلموا عليه: هذا قيد غير مراد. وفي هذه العبارة نظر؛ فإن كل لفظة في كتاب الله فإن الله أرادها، وفيها فائدة، قد تظهر للمتكلم وقد تخفى. وإنما مرادهم بقولهم "غير مراد" ثبوت الحكم بها. فعلم أن الله تعالى يذكر الأحكام الشرعية من أصول وفروع، ويذكر أعلى حالة يبرزها فيها لعباده ليظهر لهم حسنها إن كانت مأمورًا بها، أو قبحها إن كانت منهية عنها. وعند تأمل هذه الآيات التي بهذا الصدد يظهر لك منها عيانًا. قال: ومنها قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ ﴾ [المؤمنون: 117]. طيب، ما هو القيد في هذه الآية؟ "لا برهان له به"، أي: الحجة. يعني قد يقول قائل: إذا أخذنا بهذا القيد وهذا الشرط، لقلنا أن الشرك يجوز إذا كان فيه برهان. هل هذا الكلام صحيح؟ هل الشرك يجوز إذا كان فيه برهان؟ أصلًا الشرك ليس فيه برهان، فكيف أن الله عز وجل يقول: ﴿ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ ﴾؟ أليس كل الشرك ليس له برهان؟ إذا لماذا هذا القيد؟ ما فائدة هذا القيد؟ قال المؤلف: ومن المعلوم أن من دعا مع الله إلهًا آخر فإنه كافر، وأنه ليس له برهان، ما عنده برهان. وإنما قيدها الله بهذا القيد بيانًا لشناعة الشرك والمشرك، وأن الشرك قطعًا ليس له دليل شرعي ولا عقلي. إذن هذه هي الفائدة: ليبين عظم هذا الشرك، وأنه في الحقيقة لا يقع، وليس له برهان أصلًا. فذكر هنا نفي البرهان في هذه الآية من باب ذكر شناعة الشرك. وهذا بعض العلماء يسميها في البلاغة: "الصفة الكاشفة"، أن تكشف حقيقة صاحبها. فهذه الآية تكشف حقيقة المشرك، وأن المشرك ليس له برهان يدعو من دون الله، وليس له برهان. فهنا معنى قوله: "بيانًا لشناعة الشرك والمشرك، وأن الشرك قطعًا ليس له دليل شرعي ولا عقلي، والمشرك ليس بيده ما يسوغ له شيئًا من ذلك". قال: "ففائدة هذا القيد التشنيع البليغ على المشركين بالمعاندة". إذن هذه هي فائدة ذكر هذا القيد، ليس المراد بهذا القيد حكم شرعي. لا، ليس معنى أن من أشرك بدون برهان فهو المشرك، ومن أشرك ببرهان فليس بمشرك. لا، ليس هناك شرك ببرهان أو بغير برهان. صح، بل كله بغير برهان، الشرك كله بغير برهان. إذن لماذا هذا القيد؟ هذا القيد لبيان شناعة الشرك والمشرك. قال: "ومخالفة البراهين الشرعية والعقلية"، يعني: لا برهان له، لا شرعي ولا عقلي، وأنه ليس بأيديهم إلا أغراض نفسية ومقاصد سيئة، وأنهم لو التفوا أدنى التفات لعرفوا أن ما هم عليه لا يستجيزه من له أدنى إيمان ولا معقول. بمعنى أنه ليس لهم دليل ولا برهان، تبين شناعة ما هم عليه من الضلال ومن الشرك. نعم، ومنها قوله تعالى: ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ ﴾ [النساء: 23]. مع أن كونها في حجره أو غير حجره ليس شرطًا لتحريمها، فإنها تحرم مطلقًا. ولكن ذكر الله هذا القيد تشنيعًا لهذه الحالة، وأنه من القبيح إباحة الربيبة التي هي في حجر الإنسان بمنزلة بنته. فذكر الله المسألة متجلية بثياب قبحها لينفر عنها ذوي الألباب، مع أن التحريم لم يعلق بمثل هذه الحالة. فالأنثى إما أن تكون مباحة مطلقًا أو محرمة مطلقًا، سواء كانت عند الإنسان أم لا، كحالة بقية النساء المحللات والمحرمات. نعم، هذه الآية الصحيح فيها أنها لا يختص التحريم بالربيبة التي في حجر زوج الزوجة. الربيبة معروفة: هي بنت الزوجة التي يتزوجها زوج آخر، فهي ليست بنتًا له، وإنما بنت للزوج الأول لزوجته التي تزوج عليها. طيب، الآن امرأة معها بنت مطلقة، جاء آخر وتزوج هذه المرة، هذه البنت تسمى ربيبة. هذه البنت تسمى ماذا؟ ربيبة. طيب، هذه الربيبة تحرم على الزوج، صح؟ تحرم على الزوج التي تزوج بأمها، تحرم عليها. طيب، إذا كانت هذه الربيبة لم يرها الزوج، هي عند أبيها أو عند أخوالها أو عند أعمامها. طيب، جاءت هذه الزوجة وحدة عند الزوج، وهي ليست هذه الربيبة في حجرها، في بيتها، وإنما في بيت آخر. هل يجوز لهذا الزوج زوج أمها أن يدخل بها، أو أن يتزوج عليها، أو لا يجوز؟ سواء كانت في حجرها، يعني في بيته، تربت في بيته، أو كانت في حجر غيره. طيب، الآية هنا ذكرت الحجر، قال: ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم ﴾. طيب، هل هذا القيد يراد به حكم؟ هل هذا القيد يراد به حكم؟ لا، لا يراد به حكم. ليس معنى أن الربيبة لا تجوز على زوج أمها إلا إذا كانت في حجرها، أما إذا كانت في غير حجرها يجوز له أن يتزوجها وأن كذلك تحتجب منه. لا، ليس المراد هذا. إذن ما الفائدة من ذكر هذا القيد: ﴿ فِي حُجُورِكُم ﴾؟ الفائدة كما ذكر هنا: مع أن كونها في حجره أو غير حجره ليس شرطًا لتحريمها، سواء كانت في حجر أو في غير حجر فهي تحرم عليه. طيب، فإنها تحرم مطلقًا. إذن ما هو سبب ذكر الحجر؟ قال: ولكن ذكر الله هذا القيد تشنيعًا لهذه الحالة، تشنيعًا لهذه الحالة، وأنه من القبيح إباحة الربيبة التي هي في حجر الإنسان بمنزلة بنته. يعني: طالما أن هذه البنت تربت عندك وهي في بيتك، فمن الشناعة بمكان أن تتزوج عليها. فهمتم هذا الآن؟ فهذا من أجل تغليظ هذا الفعل، وهو معنى قوله: "أو قبحها"، يعني يبين الحالة العليا في قبح هذا الفعل، أنه فعل غاية في القبح، غاية في ماذا؟ في القبح. فأتي بالقيد هذا لا لبيان حكم شرعي، وإنما للتنفير وللتشنيع من هذا الفعل، وهو زواج زوج الأم بابنتها الربيبة، بابنتها ماذا؟ الربيبة. ولذلك قال: "بمنزلة بنتها"، لأنها تربت عنده، فهذا أشنع من كونها لم تترب عنده. صح، هذا أشنع. كونها لم ترها ولم تترب عنده هذا أمر أهون من كونها ماذا؟ تربت عنده وفي حجره، ثم يأتي يتزوجها. هذا لأمر غاية في الشناعة، غاية في ماذا؟ في الشناعة. فهمتم هذا الآن؟ نعم، ثم قال هنا: "فذكر الله المسألة متجلية بثياب قبحها"، يعني: بينها بيانًا يبين قبح هذا الفعل، لينفر عنها ذوي الألباب، من أجل أن يبتعد عنها أولو العقول. "مع أن التحريم لم يعلق بمثل هذه الحال"، يعني: ليس هذا قيد في التحريم، ليس هذا قيد في التحريم، بل التحريم في الحجر وغير الحجر. فالأنثى إما أن تكون مباحة مطلقًا، ما في هناك أنثى تباح في أحوال وتحرم في أحوال أخرى. الأخت محرمة مطلقًا، صح؟ بنت الابن محرمة مطلقًا، وهكذا كل المحارم، ما في تفصيل: أحيانًا يجوز للرجل أن يتزوجها وأحيانًا لا يجوز. صح، وهذا مثلها. فالأنثى إما أن تكون مباحة مطلقًا مثل بنت عمك، بنت خالك، هذا مباحة مطلقًا، صح؟ أو محرمة مطلقًا: أختك، بنت أخيك، ونحو ذلك، سواء كانت عند الإنسان أم لا، كحالة بقية النساء المحللات والمحرمات. طيب، اقرأ: ومنها قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ﴾ [الأنعام: 151]، و﴿ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ﴾ [الإسراء: 31]. إملاق: مع أنه من المعلوم النهي عن قتل الأولاد في هذه الحالة وغيرها، فالفائدة في ذكر هذه الحالة أنها حالة جامعة للشر كله، كونها قتلًا بغير حق، وقتل من جبلت النفوس على شدة الشفقة، وقتل من جبلت النفوس على شدة الشفقة التي لا نظير لها عليه، وكون ذلك صادرًا عن السخط لقدر الله، وإساءة الظن بالله. فهم تبرموا بالفقر، هذا التبرم وأساءوا ظنونهم بربهم، حيث ظنوا أنهم إن أبقوهم زاد فقرهم واشتدت ضرورتهم، فصار الأمر بالعكس. وأيضًا فإنه إذا كان منهيًا عن قتلهم في هذه الحال التي دفعهم إليها خشية الفقر أو خشية الافتقار أو حدوثه، ففي غير هذه الحالة من باب أولى وأحرى. وأيضًا ففي هذا بيان للحالة الموجودة غالبًا عندهم، فالتعرض لذكر الأسباب الموجودة الحادثة يكون أجل وأوضح للمسائل. أحسنت. طيب، هذه الهاتان الآيتان: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ﴾، ﴿ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ﴾. إملاق: يعني من فقر. طيب، من فقر وخشية إملاق، أي: الخوف من الفقر. طيب، هل لا يقتل الأولاد إلا... يعني: هل لا يجوز قتل الأولاد إلا إذا خشين الفقر؟ إذا أنت ما تخشى الفقر، لك أن تقتل الأولاد؟ لا، هذا ليس قيدًا يراد به حكم، إثبات حكم شرعي. إذن ما فائدة هذا الذكر؟ كما ذكر: فائدة هذا القيد وهذا الشرط أنها حالة جامعة للشر كله. فالله عز وجل أراد أن يبين قبح هذا الفعل وشناعة هذا الفعل، وهو قتل الأولاد خشية الفقر أو من أجل الفقر، وذكر صورًا من صور شناعة هذا الفعل. ففي قتل الأولاد خشية الفقر عدة شرور: منها أولًا: قتل بغير حق، لأن قتل الأولاد خشية الفقر هذا ليس بحق. هذا أولًا. ثانيًا: قتل من جبلت النفوس على شدة الشفقة التي لا نظير لها عليه. النفوس جبلت على محبة الأولاد، فأي كراهية أعظم من قتلهم؟ ما فيه هناك... إذا ضربتهم هذا يعني أقل بكثير من أن تقتلهم. أضع هذا الآن. فهذا كذلك فيه شناعة من أنك قتلت هذا الطفل الذي جبلت النفوس على شدة الشفقة التي لا نظير لها عليه. طيب، هذا ثانيًا. ثالثًا: وكون ذلك صادرًا عن السخط لقدر الله. لماذا قتلوا؟ لأنهم ظنوا بالله ظن السوء، أن الله لا يرزقهم. وهذا فيه سخط على قدر الله، وفيه كذلك خامسًا: إساءة الظن بالله. انظر، إذن تبين لنا الآن شناعة هذا الفعل، شناعة هذا الفعل. قال: "فهم تبرموا بالفقر، هذا التبرم وأساءوا ظنونهم بربهم، يظنوا أنهم إن أبقوهم زاد فقرهم واشتدت ضرورتهم، فصار الأمر بالعكس". إيش بالعكس؟ يعني: أن الله سبحانه وتعالى شنع عليهم هذا الأمر. قالوا أيضًا: "فإنه إذا كان منهيًا عن قتلهم في هذه الحالة التي دفعهم إليها خشية الافتقار أو حدوثه، ففي غير هذه الحالة من باب أولى وأحرى". يعني: إذا كان ما يجوز قتلهم في هذه الحالة، ففي غيرها من الأحوال التي أدنى من هذا من باب أولى وأحرى. واضح هذا الآن؟ فلا يجوز قتل الأولاد مثلًا من أجل أنهم يزعجونك. لا، لا تقتلهم، الإزعاج أقل من خشية الفقر. صح، وقس على هذا غيرها من الأمثلة. "وأيضًا ففي هذا بيان للحالة الموجودة غالبًا عندهم، فالتعرض لذكر الأسباب الموجودة الحادثة يكون أجل وأوضح للمسائل". يعني: بمعنى أن هذه الحالة لشناعتها جاء هذا القيد، وليس هذا القيد المراد به إثبات حكم شرعي، إثبات حكم شرعي. طيب، نكتب بها إن شاء الله. ترجمة نانسي قنقر.