الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 162، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح هذا المحور المرتبة الثانية من مراتب القدر وهي الإيمان بكتابة المقادير في اللوح المحفوظ، ويبين الفرق بينها وبين مرتبة العلم بأن العلم أعم وأسبق بينما الكتابة أخص وتالية للعلم. كما يستدل بآيات قرآنية تثبت أن كل شيء مقدر ومكتوب في كتاب قبل خلقه.
يعرض المحور آيات من القرآن تثبت أن علم الله محيط بكل شيء ماضٍ وحاضر ومستقبل، وأنه مكتوب في كتاب لا يضل الله عنه ولا ينسى، ويذكر حديث مسلم عن كتابة مكان كل نفس من الجنة أو النار. ويؤكد أن الإيمان بالكتابة لا يسقط التكليف بل يحث العبد على العمل لأنه لا يعلم مصيره.
يشرح المحور حديث سراقة بن مالك في صحيح مسلم حول سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عما إذا كان العمل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما يستقبل، فأجابه النبي بأن كل شيء مكتوب ومقدر مسبقاً. ويبين أن النبي أمر بالعمل لأن كل ميسر لما خلق له.
يدعو المحور المسلم إلى الرضا بما كتب الله له من رزق وأجل ونصيب، معتبراً ذلك من مراتب الإيمان بالقدر العظيمة. ويختتم بالتأكيد على التسليم لأمر الله والقبول بقضائه.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. وبعد، يقول الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال الحادي والأربعون بعد المئة: ما دليل المرتبة الثانية وهي الإيمان بكتابة المقادير؟ كما تقدم معنا أن المؤلف في هذه الأسئلة يبين أدلة مراتب القدر الأربعة، ابتداء من مرتبة العلم، قد تقدمت معنا، ثم ثنى المؤلف رحمه الله تعالى بذكر أدلة المرتبة الثانية وهي الكتابة. ما هو الفرق بينها وبين العلم؟ تقدم معنا شيء من تلك الفروق، وخلاصة ذلك أن العلم أعم من الكتابة، فكل دليل دل على الكتابة فهو دليل على العلم، فالعلاقة بين العلم والكتابة علاقة عموم وخصوص، علاقة عموم وخصوص، فما كتب أخص مما علم، ما كتب أخص مما علم. ما معنى هذا الكلام؟ معنى هذا الكلام أن ما علمه الله عز وجل عام واسع شامل، كما تقدم معنا في الكلام على مرتبة العلم، فالله عز وجل علمه يشمل كل شيء، ﴿ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا ﴾. أما الذي كتب في اللوح المحفوظ، وهو الذي يتعلق بهذه المرتبة الثانية، فهو شيء مخصوص، فهو شيء مخصوص أخص من عموم المعلوم لله عز وجل، فإن فيه تقدير ما كتب، إنما فيه تقدير وهو من علم الله عز وجل، أو فيه كتابه، يعني ما في اللوح المحفوظ كتب فيه مقادير كل شيء، وهو من علم الله سبحانه وتعالى، فكتب في اللوح المحفوظ المقادير، مقادير كل شيء قبل أن يخلق الله السماوات والأرض إلى قيام الساعة، ولا شك أن علم الله أوسع من هذا بكثير، أوسع مما كتب في اللوح المحفوظ بكثير، كما علمنا في الدرس الماضي، فهذا هو الفرق بين العلم والكتابة. فالعلم سابق على الكتابة، العلم سابق على الكتابة، فالكتابة تكون بعد علم الله سبحانه وتعالى الأزلي. ثم ذكر الأدلة على هذه المرتبة وهي مرتبة الكتابة، قال الله تعالى: ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾، أي كل ما قدره الله عز وجل أحصاه، أي كتبه في إمام مبين، أي في كتاب جامع واضح بين. وقال تعالى: ﴿ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ ﴾، إن ذلك في كتاب، أي مكتوب ما قدره الله سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ﴾، أي من قبل أن نوجدها ونوقعها أو نحو ذلك. وقال تعالى في محاجة موسى وفرعون: ﴿ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ ﴾، فرعون يقول لموسى: ما خبر القرون الأولى التي سبقتنا؟ فقال له موسى عليه السلام: ﴿ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ﴾، أي قد كتب ذلك في كتاب عنده، ﴿ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَىٰ ﴾، يعني علمه لا يسبقه جهل ولا نسيان، ولا يتبعه نسيان، ولا ينسى سبحانه وتعالى، فهذا فيه كذلك إثبات كتابة المقدور، ﴿ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ﴾، فكل شيء في الماضي أو في المستقبل أو في الحاضر فالله سبحانه وتعالى قد علمه وكتبه. وقال تعالى: ﴿ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ﴾، هذا فيه إثبات العلم، ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ﴾، فهذه الآية جمعت المرتبتين، جمعت المرتبتين: مرتبة العلم في قوله ﴿ إِلَّا بِعِلْمِهِ ﴾، ومرتبة الكتابة في قوله ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ ﴾، ﴿ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾، سبحانه وتعالى، انظر كم هي المقادير، وكم هي كذلك تلك المقادير التي كتبت في هذا الكتاب، كل ذلك على الله يسير، سبحانه وتعالى، ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ﴾، ما مسنا من تعب، فالله عز وجل على كل شيء قدير، وهو القوي المتين، سبحانه وتعالى. هذا ما ذكره المؤلف من أدلة من الكتاب، قال: وأي أدلة السنة؟ وقال صلى الله عليه وسلم: «ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة»، رواه مسلم. فهذا الحديث كما تقدم معنا استدل به المؤلف في الكتابة، لأن القاعدة كل دليل استدل به المؤلف على العلم في مرتبة العلم، لأن القاعدة كما تقدم: كل دليل دل على الكتابة فهو دليل على العلم، لأنه لا كتابة إلا وقد سبقها علم الله سبحانه وتعالى، فهنا ذكر هذا الحديث لأنه ذكر الكتابة بالتنصيص: «إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة». وتقدم معنا توجيه مثل هذه الأحاديث، وأن مثل هذه الأحاديث لا تدل على ترك العمل والاتكال على ما كتب في الكتاب، لأن الإنسان لا يعلم أهو من أهل الجنة أو من أهل النار، ولا يعلم هل هو من الأشقياء أو من السعداء، فلذلك يعمل بعمل أهل الجنة إن أراد الجنة، ويعمل بعمل أهل النار إن أراد النار، وربنا سبحانه وتعالى في علمه السابق يسر لأهل الجنة عمل أهل الجنة، ويسر لأهل النار والشقاء عمل أهل النار والشقاء. قال: وفيه، أي في الصحيح، أي صحيح مسلم، هنا الحديث هذا الذي سيأتي والذي تقدم في صحيح مسلم، قال: وفيه قال سراقة بن مالك بن جشعم: يا رسول الله، بين لنا ديننا كأن خلقنا الآن، فيما العمل اليوم؟ يعني يقول: لو بين لنا ديننا لماذا وخلقنا، أو كأن خلقنا الآن، بين لنا فيما العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير؟ جفت به الأقلام لأن الله عز وجل كتب مقادير الخلائق في القلم، خلق الله عز وجل القلم أول ما خلق الله عز وجل، فقال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة، فبعدما انتهى ربنا سبحانه وتعالى من مقادير خلقه جفت به هذه الأقلام، جفت بما كتب في هذه الكتب الأقلام، وجرت به المقادير، ما كتب في هذا الكتاب فهو مقادير الخلق، فقال له: أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ يعني في أمور إنما تكتب علينا بعد، فيما نستقبل، وليس كتبت فيما قبل وفيما جفت به الأقلام. فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير»، فكل شيء قد كتب وقد قدر. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لما أوصى ابن عباس بوصايا عظيمة: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». بمعنى: رفعت الأقلام، يعني انتهى ما قدره الله عز وجل على العباد، فلا يكتب شيء جديد، لأن كل ما قدره الله سبحانه وتعالى على الخلائق فقد كتبه الله سبحانه وتعالى، وجفت الصحف، أي انتهى ما كتبه القلم، وهو بمعنى جفت به الأقلام، جفت به الأقلام. فلذلك أجاب النبي صلى الله عليه وسلم بالأول: «لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير». فقال هذا الصحابي سراقة بن مالك: ففيما العمل؟ لماذا نعمل؟ كما تقدم معنا في الأحاديث الأخرى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اعملوا، فكل ميسر»، وفي رواية: «كل عامل ميسر لعمله». وتقدم معنا شرح مثل هذه الأحاديث، والشاهد من هذا الحديث في قوله: «لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير»، ففيه إثبات الكتابة. فإذا ينبغي للمسلم أن يرضى بما كتب له، رزقك قد كتب، وأجلك قد كتب، ونصيبك التي لربما تنالك وتنزل بك بعد فترة وأخرى قد كتبت، فما عليك إلا التسليم والرضا بما كتب الله عز وجل لك، فهذا من الإيمان بالقدر، فهو مرتبة عظيمة من مراتب القدر، كما تقدم معنا. نختم اليوم بهذا، وإلهنا والله تعالى أعلى، ترجمة نانسي قنقر