الدرس في قراءة في فتاوى اللجنة الدائمة في الصيام والزكاة 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تقرر اللجنة أن تارك الصيام أو الزكاة أو الحج تساهلاً لا جحوداً لا يكفر وتصح صلاته لأن الأعمال لا تحبط إلا بالكفر. وتستنكر الفتوى التي تجيز للرجل الصحيح الغني الإفطار في رمضان والإطعام بدلاً عن الصيام، مؤكدة أن الإفطار لا يجوز إلا لعذر شرعي وأن الإطعام مختص بالعاجز عن الصيام.
يجب اتباع الترتيب الشرعي في كفارة الصيام (عتق، صيام، إطعام) ولا يجوز تقديم العقل على النص بتفضيل الإطعام على الصيام للأغنياء. وتعتبر الفتاة التي تحيض في الحادية عشرة بالغة وتجب عليها صيام رمضان وقضاء ما أفطرته للحيض أو المرض مع تفصيل علامات البلوغ.
تذكر علامات البلوغ للذكر والأنثى كخروج المني، بلوغ خمس عشرة سنة، إنبات شعر العانة، ويزاد للأنثى الحيض والحمل. ومن بلغت بإحدى هذه العلامات وجب عليها الصيام، فإن تركته جاهلةً وجب عليها القضاء دون إثم، أما من تركه متعمداً فإثمه عظيم ولا يكفيه القضاء بل التوبة.
يختتم المتحدث بالدعاء لله أن ينفع الحاضرين بما سمعوه. ويختم بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه. أما بعد: فهذا سائل يسأل، يقول في سؤاله: لقد كتبتم في عدد سابق أن الذي يصوم ولا يصلي لا يجوز صومه، والآن العكس: فهل الذي يصلي ولا يصوم تجوز صلاته؟ وهل الذي لا يزكي ويصلي تجوز صلاته؟ وهل الذي يحج ولا يصلي يجوز حجه؟ أجابت اللجنة: جواب: من ترك صوم شهر رمضان جحداً لوجوبه كفر، ولا تصح صلاته. ومن تركه عمداً وتساهلاً فلا يكفر في الأصح، وتصح صلاته. ومن ترك الزكاة المفروضة جحداً لوجوبها كفر، ولا تصح صلاته. ومن تركها عمداً تساهلاً وبخلاً فلا يكفر، وتصح صلاته. وهكذا الحج: من تركه جحداً لوجوبه مطلقاً كفر. أما من تركه مع الاستطاعة تساهلاً فلم يكفر، وتصح صلاته. يعني: الذي لا يصوم ولا يزكي ولا يحج وهو يصلي، دخل رمضان يصلي مع الناس الصلاة، يأتي بها لكن لا يصوم، ترك الصيام. وهكذا وجبت الزكاة في ماله ولا يزكي ويصلي. وهكذا يصلي، ووجب في حقه الحج ولم يحج. فهل تصح صلاته مع عدم صيامه، ومع عدم زكاته، ومع عدم حجه؟ الجواب: نعم، الصلاة تصح؛ لأن ترك الصيام من غير جحد لوجوبه على الصحيح أنه لا يكفر صاحبه. وهكذا من ترك الزكاة من غير جحد لوجوبها لا يكفر على الصحيح. وهكذا من ترك الحج من غير جحد لوجوبه لا يكفر على الصحيح. وما دام أنه لم يكفر فتصح صلاته. لقول الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 54]. فإذا وقع الإنسان في كفر معه تحبط الأعمال. وأما ما دام لم يقع في الكفر ويأتي بأعمال صالحات فهذه الأعمال مقبولة، ليست حابطة؛ لأنه لم يكفر. ومن وقع في الرياء في هذه الأعمال بطل أجره، بطل أجره. يعني: أن الإنسان قد يأتي بالعمل لكن يرائي في هذا العمل، فهذا العمل مردود، هذا الذي راءى فيه مردود على صاحبه، لا أجر له فيه. هذا سائل يسأل، يقول: رجل مسلم ثري يتمتع بصحة جيدة، ادعى أحد المثقفين للأسف أنه يجوز له الفطر في رمضان ويطعم عن كل يوم عدة مساكين، بحجة أن الله ليس في حاجة إلى صيامه. هل يجوز له الإفطار مع الإطعام؟ أجابت اللجنة: الجواب: أساء من أفتَى ذلك الغني بالإفطار والإطعام، وهو إما جاهل جريء، وإما مغرور مفتون. فإنه لا يجوز الإفطار في نهار رمضان إلا لعذر شرعي كالمريض والسفر وغيرهما من الأعذار الشرعية، وعلى من أفطر القضاء. قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185]. ولا يجوز الإطعام عن الصيام إلا للمريض أو كبير السن العاجز عن الصوم الذي قرر الأطباء عدم رجاء شفائه. وبالله التوفيق. يعني: هذا رجل من المثقفين سُئل، وقال لرجل ثري، رجل عنده مال وعنده صحة: «أنت أطعم كل يوم مسكين، كل يوم أطعم مسكين، لا حاجة لله في صيامك». وصار يفتي من هبّ ودب. هذا ليظن نفسه مثقفاً، صار يفتي غيره بعقله. هذه فتوى بالعقل. هذا عنده مال، أفضل أنك تتصدق، وأفضل أنك تطعم، أفضل من الصيام؛ لأنك صاحب مال. هذه فتوى بالعقل؛ لأن الله جل وعلا ليس بحاجة لأن تصوم، وحاجة الناس إلى مالك أكثر من حاجة الله لصيامك. فإذن عليك أن تطعم هؤلاء. وهذه فتوى باطلة. كذلك أيضاً بعض الناس يفتي في الكفارة، في الكفارة ترتيبه في الكفارة: الصيام، نعم، بعد ذلك الإطعام، بعد ذلك الإطعام: الصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. فبعض العقلانيين يقول: هؤلاء أصحاب الأموال، أصحاب الأموال، ماذا يعني إطعام؟ الإطعام بالنسبة لهم سهل، الإطعام بالنسبة لهم سهل. فربما يفتون في عتق الرقبة، نعم، وأنها سهلة عليهم إذا عتقوا رقبة، هذا سهل عليهم لأنهم عندهم أموال. فيقولوا: لا، هؤلاء عليهم أن يصوموا. وهذا ليس بصحيح. وإنما الأول: عتق رقبة، بعد ذلك صيام شهرين متتابعين، بعد ذلك طعام ستين مسكيناً. فيقولون: أصحاب الأموال لا يقال لهم: أعتقوا رقبة، وأعتقوا رقاباً؛ لأنهم عندهم أموال، هذا سهل لهم، هذا سهل أن يعتقوا كذا وكذا من الرقاب. لكن الصعب في حقهم أن يصوموا، أن يصوموا شهرين متتابعين. فذلك يقولون: أنتم يا أصحاب الأموال عليكم أن تصوموا شهرين متتابعين، ولا يقولون لهم: عليكم أعتقوا رقبة. لماذا؟ قالوا: عتق الرقبة سهل، أمر بسيط بالنسبة لهم. والدين لا يُقال بالرأي، والدين لا يُقال بالعقل، وإنما كما جاء في كتاب الله، وكما بيّنه رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذا المثقف لعله نظر بهذا المنظر، قال: هذا إنسان عنده مال وعنده أموال، نعم، فحاجة الناس إلى ماله، وأن يطعم الناس أفضل من أن يصوم لله جل وعلا. الله غني عن صيامه، لكن إذا تصدق بهذه الأموال وأعطى المساكين وأطعم كل يوم مسكيناً أفضل من صيامه. فهذه فتوى بالعقل، وهذه معارضة بما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام من وجوب الصوم على كل مستطيع، وإنما عذر المريض والمسافر وغيرهما ممن عذره الشرع. أما من لا عذر له فلا رخصة له في الفطر، وإنما وجب عليه الصيام بنص كتاب الله، وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإجماع الأمة. هذا سائل، وهي فتاة أتاها الحيض في السنة الحادية عشرة من عمرها، فهل يلزمها الصيام؟ مع ملاحظة أنها لا تتمتع، لا تتمتع بصحة جيدة، وفي حالة عدم قدرتها على الصيام، من الذي يترتب عليها؟ أجابت اللجنة: الجواب: إذا كان الواقع كما ذُكر لزمها الصيام، وكما ذُكر لزمها الصيام؛ لأن الحيض من علامات بلوغ النساء. إذا جاءها وهي في التاسعة من عمرها فأكثر، فإذا استطاعت الصيام وجب عليها أداؤه في وقته، وإذا عجزت أو نالها منه مشقة شديدة أفطرت، ووجب عليها قضاء ما أفطرته من الأيام عند القدرة على ذلك. يعني: هذه المرأة وهذه الفتاة جاءها الحيض وهي في الحادية عشرة من عمرها، ولكنها ضعيفة الجسم، لا تتمتع بصحة جيدة. فالحيض أحد علامات البلوغ، أحد علامات البلوغ. فالمرأة تزيد على الذكر في علامات البلوغ بإتيان الحيض، بإتيان الحيض. وهكذا ذكروا الحمل. فإذا جاءها الحيض فقد وجب عليها الصيام، وجب عليها الصيام. بمعنى أن هذه الأيام التي أفطرتها وهي حائض فعليها القضاء، عليها القضاء؛ لأن الصوم قد لزمها لأنها بلغت، لأنها بلغت. صار عمرها 11 سنة، صار عمرها 11 سنة، إذن بلغت. إذن إذا طهرت من حيضها تصوم، إذا طهرت من حيضها تصوم. هذه الأيام التي مرت وقد بلغت فيها وأتاها الحيض، عليها أن تقضي هذه الأيام، عليها أن تقضي هذه الأيام. مثل: إذا طهرت في أول يوم من رمضان، في أول يوم من رمضان، أو ثاني يوم من رمضان، جاءها الحيض واستمر معها الحيض أسبوع، استمر معها الحيض أسبوع. فهذه الفتاة إذا طهرت من حيضها عليها أن تصوم، عليها أن تصوم أيام رمضان التي أدركتها وهي طاهرة، والأيام الأخرى التي أدركتها من رمضان وقد بلغت فيها وقد جاءها الحيض، فعليها أن تقضي تلك الأيام. وإذا كانت لا تستطيع لمرض ولمشقة يلحقها في الصيام في حال طهرها، فهذه معذورة، فهذه معذورة للمشقة، فعليها أن تفطر، بعد ذلك تقضي هذه الأيام التي أفطرتها حال مشقتها وعدم قدرتها على الصيام. هذا سائل يقول: أرجو إشعاري بسن التكليف لكل من الذكور والإناث. أجابت اللجنة: الجواب: يتحقق التكليف بالبلوغ والعقل. فإذا بلغ الإنسان وهو عاقل ثبت تكليفه بما قدر عليه من الأحكام الشرعية، ذكراً كان أو أنثى، كل فيما يخصه منها. وللبلوغ علامات: منها الحيض أو الحبل بالنسبة للإناث، ولو حصل ذلك دون خمس عشرة سنة من عمرهن. ومنها نزول المني مناماً أو يقظة بشهوة بالنسبة للذكور والإناث، ولو كان ذلك منهم قبل خمس عشرة سنة. ومنها أن يبلغ الإنسان خمس عشرة سنة، سواء كان ذكراً أم أنثى. ومن ذلك إنبات شعر العانة الخشن. هذه علامات البلوغ في حق الذكر وفي حق الأنثى. فالذكر: خروج المني يقظة أو مناماً. وهكذا الأنثى. وهكذا ذكر: إذا بلغ خمس عشرة سنة، إذا بلغ خمس عشرة سنة، فإن هذه علامة من علامات البلوغ. استدلنا لذلك لما ثبت عن عبد الله بن عمر: النبي عليه الصلاة والسلام أجازه لما بلغ هذا السن، خمس عشرة سنة. وهكذا كذلك هي علامة للأنثى. وهكذا كذلك إنبات شعر العانة بالنسبة للذكر وللأنثى. إذا نبت شعر العانة الخشن، وهو الشعر الذي ينبت حول القبل، فهذه علامة من علامات البلوغ بالنسبة للذكر وبالنسبة للأنثى. واستدل لذلك بما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في بني قريظة، حينما أمرهم أن ينظروا فيمن بلغ، فمن بلغ ونبت في قبله شعر العانة أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يُقتل، أمر أن يُقتل. ومن لم ينبت، يعني شعر عانته، يترك. فهذه علامة من علامات البلوغ. وبالنسبة للأنثى تزيد بالحبل، وهكذا بإتيان الحيض، بإتيان الحيض، ولو كان قبل خمس عشرة سنة. بعض النساء يظن أن البلوغ يكون ببلوغ خمس عشرة سنة. لا، هذا خطأ. وإنما البلوغ قد يكون قبل خمس عشرة سنة. قد يأتي الحيض الفتاة وعمرها تسع سنوات، قد ينزل الدم منها وعمرها تسع سنوات، إذن بلغت. أو عشر، أو إحدى عشرة. نعم، وإن لم تبلغ خمس عشرة سنة. وهكذا كذلك قد يخرج منها هذا الماء المني قبل بلوغ خمس عشرة سنة. فإذا ظهرت أحد هذه العلامات بالنسبة للذكر أو الأنثى فهي من علامات البلوغ التي يكون عندها تكون عندها الصلاة فرضاً، الصيام فرضاً، واجباً حتماً، وهكذا بقية الفرائض. هذه السائلة تقول: فتاة بلغ عمرها اثنتي عشرة أو ثلاث عشرة سنة، ومر عليها شهر رمضان المبارك ولم تصمه. فهل عليها شيء أو على أهلها؟ وهل تصوم؟ وإذا ما صامت فهل عليها شيء؟ أجابت اللجنة: المرأة تكون مكلفة بشروط، وهي: الإسلام، والعقل، والبلوغ. ويحصل البلوغ بالحيض، وإنزال المني بشهوة، بالاحتلام إذا رأت المني، أو نبات شعر خشن حول القبل، أو بلوغ خمسة عشر عاماً. فهذه الفتاة إذا كانت قد توفرت فيها شروط التكليف فالصيام واجب عليها، ويجب عليها قضاء ما تركته من الصيام في وقت تكليفها. وإذا اختل شرط من الشروط فليست مكلفة، ولا شيء عليها. يعني: إذا تركت الفتاة الصيام وقد ظهرت فيها أحد علامات البلوغ، لكن تركت هذا إما لجهل أهلها ولم يعلموها ذلك ولم يفهموها، أو غير ذلك، فالجهل عذر من الأعذار، لكنه لا يسقط الواجب، لا يسقط الواجب. فالأمر يبقى في حق من جهل، هو جهل غير آثم، لكنه يبقى في حقه الأمر فعلي أن يأتي به. فهذه الفتاة مادامت أنها قد ظهرت أحد هذه العلامات فيها، علامات البلوغ، وهي لم تصم، فلزمها الصيام، فعليها قضاء تلك الأيام التي أفطرتها ولم تصمها؛ لأن الصيام وجب في حقها وتركت ذلك لجهل أو غير ذلك. بخلاف المتعمد. لخلاف المتعمد: فكما تقدم، إذا ترك الإنسان متعمداً، تعلم أنها الآن بلغت، تعلم أنها الآن بلغت، قد جاءت هذه العلامة مع علامات البلوغ فلزمها الصيام، لكن تركت الصيام متعمدة، تركت الصيام متعمدة. ففرق بين من ترك الصيام متعمداً، وبين من ترك الصيام جاهلاً، وبين من ترك الصيام جاهلاً أنه ليس من أهل الوجوب، كفتاة التي لا تعلم أن هذه من علامات البلوغ التي يلزم معها وجوب الصيام عليها، فلذلك لم تصم. ثم بعد ذلك علمت، ثم بعد ذلك علمت لما سألت، فقالت: كنت قد ظهرت علامة من العلامات، مثل نزول مني، أو نزول دم الحيض، ولكن لم أصم، يعني جاهلة ولا أعلم ذلك. فحين تعلم عليها أن تأتي بذلك الأمر الذي تركته جاهلة بحكمه. فالجهل لا يسقط التكليف والأمر عنها، وهي معذورة غير آثمة. بخلاف المتعمد، فإنه ترك متعمداً، والقضاء إنما هو في حق المعذور. وأما المتعمد فهذا إثمه عظيم، فالقضاء لا يفي بذلك بشيء، إنما التوبة والندم والإكثار من الحسنات، لعل الله يعفو عمن فعل ذلك. نسأل الله أن ينفعنا بما سمعنا، والحمد لله رب العالمين.