شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 38

شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 38

الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 38، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

الحذر في مخالطة الناس والاقتداء بحال السامري

ينصح الناظم بمخالطة الناس بحذر ومباينة الفاسدين، مستشهداً بقصة السامري الذي عاقبه الله بالعزلة ومنع المساس به ليكون عبرة في حفظ الدين. وتؤكد النصيحة أن الحذر ضروري عند مجالسة أهل السوء لحماية العقيدة.

العزلة عن الناس وحكمها عند السلف

يذكر المقطع تفضيل بعض السلف للعزلة والابتعاد عن مخالطة الناس لحفظ العقيدة والأخلاق، مستشهداً بأقوال الفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم والشافعي. ويبين أن العزلة ليست مطلقة بل تُستحب عند هوجان الفتن.

موازنة بين مخالطة الناس والاعتزال وأصناف المخالطين

يوضح حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن مخالطة الناس والصبر على أذاهم أفضل من الاعتزال إلا إذا خيف على الدين، ويصنف العلماء المخالطين إلى أربعة أصناف: غذاء، دواء، داء، وهلاك. ويختم بالوصية النبوية بالحرص على ما ينفع والاستعانة بالله.

الختام والدعاء بالخير

يختتم المقطع بالدعاء للجميع بالتوفيق والهداية، والصلاة على النبي محمد وآله، مع الحمد لله رب العالمين. وتنسب الترجمة إلى نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال الناظم أبو إسحاق إبراهيم الإلبيري الأندلسي رحمه الله تعالى وغفر له ولنا ولوالدينا أجمعين: قال: «وخالطهم وزايلهم حذارا، وكن كالسامري إذا لومست، وإن جهلوا عليك فقل سلاما، لعلك سوف تسلم إن فعلتا». أورد رحمه الله تعالى هذين البيتين ضمن أبيات هذه المنظومة التي فيها من الحث والترغيب على طلب العلم، والزهد في الدنيا، والتحلي بالآداب ومكارم الصفات. فبعد أن ذكر رحمه الله تعالى التحذير من مجالسة السيئين ومصاحبة الفاسدين، قال: «وخالطهم وزايلهم حذارا». والمزايلة هي المفارقة والمباينة والابتعاد. قال: «وخالطهم وزايلهم حذارا»، أي: خالطهم على حذر، على حذر. وهكذا أيضًا إن استطعت أن تهرب منهم وتبتعد عنهم فذلكم هو المطلوب. فإن كنت مخالطًا لهم فكن حذرًا. قال: «وكن كالسامري إذا لومست». و«كن كالسامري إذا لومست». ومصدر هذا البيت جاء معناه عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: «خالط الناس وزايلوهم، وصافحوهم، ودينكم لا تكلمونه، ودينكم لا تكلمونه». يعني: الواحد يحذر على دينه ويحافظ على دينه إذا جالس أو إذا صاحب أمثال هؤلاء. وهنا الناظم رحمه الله تعالى يقول لهذا المنصوح: احذر من أن يصيبك شيء من أوبئتهم وهكذا من فسادهم، وليكن حالك عند المخالطة كحال السامري. فما هو حال السامري يا إخوان؟ ما هو حال السامري؟ نعم، تفضل. أحسنت. السامري هذا قصته ذكرها ربنا عز وجل في سورة، في سورة طه. أحسنت، في سورة طه. وفيها أن السامري لما ارتكب تلك الجريمة الشنعاء، وهكذا دعا بني إسرائيل إلى ذلك الأمر الجلل، ألا وهو: عبادة العجل. قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾، له خوار، ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾، وإله موسى فنسي. فجعل الله عز وجل عقوبته أنه لا يماس الناس، أنه لا يماس الناس، وهكذا أيضًا أن الناس لا يمسوه. وإذا حصل التماس بينه وبين الناس كما ذكر بعض المفسرين، فإن كلاهما يصاب بحمّى مباشرة، يصاب بحمّى مباشرة. فكان هذا السامري، أو السامري، كان يقول للناس: لا مساس، أي: لا يمس أحد، ولا يترك أحدًا يمسه، كما قال تعالى: ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾، أن تقول: لا مساس. وأمر موسى عليه الصلاة والسلام أمر بني إسرائيل بعدم مخالطته وعدم الاقتراب منه أو الكلام معه، وكل ذلك عقوبة له، كل ذلك عقوبة له. وجعل كما ذكر بعض المفسرين، جعل السامري، أو السامري، يهيمون في البرية، يهيمون في البرية، فيعيش مع الوحوش والسباع وغير ذلك، بعيدًا عن مماسة الناس، بعيدًا عن مماسة الناس. وهنا يقول: إذا قدر أنك جالس فاسدين، فليكن حالك معهم كحال السامري، أي: كن بعيدًا وحذرًا من أن يمسوا عقيدتك، أو أن يمسوا أخلاقك وآدابك وعبادتك، إلى غير ذلك. ولهذا يا إخوان، كان بعض السلف رحمة الله عليهم يحبون العزلة، الاعتزال عن الناس وعدم مخالطتهم. فالفضيل بن عياض رحمه الله تعالى جاء عنه أنه كان يقول: «ما أجد لذة ولا راحة ولا قرة عين إلا حين أخلو في بيتي بربي، إلا حين أخلو في بيتي بربي. قال: فإذا سمعت النداء قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، كراهية أن ألقى الناس فيشغلون عن ربي تبارك وتعالى». وهكذا جاء عن غيره أنه كان يقول: «لولا الجمعة والجماعة لسددت على نفسي الباب ولم أخرج، لسددت على نفسي الباب ولم أخرج». وهكذا قيل لبعض الزهاد من السلف وهو إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: «قيل له: لما لا تخالط الناس؟ لما هو السبب؟ لما لا تخالط الناس؟». فقال رحمه الله تعالى: «إن صحبت من هو دوني، من هو دوني، آذاني بجهله. قال: وإذا صحبت، وإذا صحبت من هو أعلى مني تكبر علي. وإذا صحبت من هو مثلي حسدني، وإذا صحبت من هو مثلي حسدني. قال: فاشتغلت بما ليس في صحبته ملل، ولا في وصله انقطاع، ولا في الأنس به وحشة، ولا في الأنس به وحشة». وهكذا لما سئل أحدهم: «ما يقعدك بين الأموات؟ ما يقعدك بين الأموات؟» ولعلهم يعنون بالأموات: كتب السلف المتقدمين الذين رحلوا. «ما يقعدك مع الأموات أو بين الأموات؟». قال: «أجالس أقوامًا إن كنت بينهم لا يؤذونني، وإن غبت عنهم لا يغتابونني». وعبر عن هذا بعض الشعراء فقال: «واحذر من الناس لا تركا إلى أحد، واحذر من الناس ولا تركا إلى أحد، فالخل في مثل هذا العصر مفقود، فالخل في مثل هذا العصر مفقود، بواطن الناس في ذا الدهر قد فسدت، فالشر طبع لهم والخير تقليد». هكذا ذكر. وجاء عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: «كن سائرًا في ذا الزمان بسيره، وعن الورى كن راهبًا في ديره، واغسل يديك من الزمان وأهله، واحذر مودتهم تنل من خيره، إني اطلعت فلم أجد، فلم أجد لي صاحبا أصحبه في الدهر ولا في غيره، فتركت أسفلهم لكثرة شرهم، وتركت، وتركت أعلاهم لقلة خيره». وهذا يا إخوان وغيره كثير مما يقال في استحباب العزلة، ليس على إطلاقه، وإنما يحمل على ما إذا هاجت الفتن، وهكذا أيضًا ماذا؟ خاف الناس، خاف الشخص على نفسه بالمخالطة. فالنبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «يوشك، أي: يقرب، أن يكون خير مال المسلم غنمًا يتتبع بها... آه، ماذا؟ شعف الجبال ومواضع القطر، يفر بدينه من الفتن». نعم، عند الفتن وتأججها، وهكذا اشتعال نيرانها. وإذا خاف الإنسان على نفسه أو على أولاده، فيحمل مثل هذا أو مثل هذه العزلة على ذلك. وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم». وهذا الحديث عند أحمد وغيره، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في سلسلته الصحيحة، كما في سلسلته الصحيحة. فماذا؟ عقد بعض العلماء مفاضلة بين الذي يخالط الناس وبين الذي لا يخالطهم وإنما يعتزلهم، فقال: أيهما أفضل؟ فماذا سيكون الجواب يا إخوان؟ شخص يخالط الناس، يخالط السيئين والصالحين، وشخص آخر معتزل بعيدا عن الناس، بعيدا عن الناس، فأيهما أفضل؟ نعم يا أبا سعد، أيهما أفضل؟ الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، ما له ممن ولا ولا يصبر على أذاهم. حديث النبي صلى الله عليه وسلم يعني: ماذا يعتبر فاصلا في هذا النزاع؟ فالذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم هذا أفضل ممن لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم. لكن أيضًا نعيد ونكرر أن الشخص إذا خاف على نفسه الفتنة، أو خاف على نفسه الانحراف والضياع بسبب هذه المخالطة، فالفرار والعزلة هي تعتبر أفضل. وذكر بعض العلماء في باب مخالطة الناس أنهم على أقسام متباينة: فقسم: مخالطته كالغذاء، لا يستغنى عنه في اليوم والليلة، كالغذاء لا يستغنى عنه في اليوم والليلة. وهذا يا إخوان هم العلماء، وهكذا أيضًا المعلمون الذين يعلمونه ويوجهونه. وقسم آخر: من مخالطته كالدواء. من مخالطته كالدواء. متى تحتاج إليهم يا أبا عبد الرحمن؟ قسم مخالطتهم كالدواء، متى يحتاج إليهم؟ كالدواء، متى تحتاج إليهم؟ نعم، عند الداء، أو عند المرض، أو عند المرض. وقسم قال: مخالطته تعتبر داء، تعتبر داء. وهذا يا إخوان هو صنف من صنف أهل الدنيا وأصحاب الشهوات المحرمة. وصنف قال: هو يعتبر أشد وأخطر، وهم من كان في مخالطتهم الهلاك، وماذا؟ والضياع. فإذا خالطته أفسد عقيدتك، وأفسد منهجك ودعوتك وأخلاقك وآدابك. فيحرص المؤمن على ما ينفعه كما أوصى بذلك النبي صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز». نؤخر الحديث حول البيت الثاني إلى الدرس القادم إن شاء الله عز وجل، إذا أطال الله في الأعمار وأعانني على ذلك. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. صلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر