شرح فتح المجيد 33

الدرس في شرح فتح المجيد 33، ألقاها

فضل علم السلف وأهمية العمل بالعلم

يشرح المقطع الأول فضل علم السلف وأهمية العمل بما يعلم المرء، ويفرق بين من يعمل بجهل ومن لا يعمل بعلمه. ويبرز حسن أدب السلف في التعامل مع العلم.

دلالات حديث الإسراء وأهمية اتباع الحق

يناقش المقطع الثاني شرح حديث الإسراء ودلالاته، ويبرز أهمية اتباع الحق بغض النظر عن الكثرة أو القلة، ويبين ضعف بعض الألفاظ المنسوبة إلى الحديث.

شرح حديث السبعين ألفًا وصفاتهم

يشرح المقطعان الثالث والرابع حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ويبين صفاتهم وأهمية تحقيق العبودية التامة لله عز وجل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، وصلاة الله وسلامه على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قبل أن ندخل في الدرس، قوله رحمه الله تعالى: «والعين» قال: هي إصابة العائن غيره بعينه. عرف العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى العين أو الإصابة بالعين بقوله: «إصابة العين هو أن الناظر يرى الشيء رؤية إعجاب به أو استعظام، فتتكيف روحه بكيفية خاصة تؤثر في المعين». قال: وهذا هو الذي يعرفه الناس من رؤية المعين، فإنهم يستحسنون الشيء ويعجبون منه فيصابوا بذلك. عرفوا في «بدائع الفوائد» في المجلد الثاني، صفحة 232؛ لأن «بدائع الفوائد» في مجلدين في أربع أجزاء، أو أربعة أجزاء في مجلدين، الثاني صفحة 230. وقال الحافظ في «الفتح»، في المجلد العاشر، صفحة 210: «في العين: نظر باستحسان مشوب بحسد من خبث الطبع، يحصل للمنظور فيه ضرر». وقال الخطابي: «رقية النبي صلى الله عليه وسلم ورقية معنى الرقية: العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات». ذكره ابن الأثير في «النهاية» في المجلد الثاني، صفحة 254. وقال الطيبي: «ما يرقى به من الدعاء لطلب الشفاء». انظر «فيض القدير» للمناوي، المجلد الأول، صفحة 400. لا تفضل قوله: «قد أحسن». قال الشارع رحمه الله تعالى: قوله «قد أحسن» أي: من انتهى إلى ما سمع، أي: من أخذ بما بلغه من العلم وعمل به، فقد أحسن. بخلاف من يعمل بجهل، أو لا يعمل بما يعلم، فإنه من نسيء آثم. وفيه فضيلة علم السلف وحسن أدبهم. طيب في قول رحمه الله تعالى: في قول سعيد بن جبير لحسين بن عبد الرحمن: «لقد أحسن أو قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع». فيه إشارة إلى ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى: من أن الإنسان حسبه أن يعمل بما علم. ومن انتهى علمه أو عمله إلى ما علم، فقد بلغ مرتبة عظيمة من مراتب العمل بالعلم؛ إذ أنه عمل بعلم. وفي هذا إشارة إلى أن من علم شيئًا، فإنه ينبغي أن يعمل به. ومتى فعل ذلك، كان محمودًا. وإن كان قد خفي عليه ما هو غيره من الصواب. فسعيد بن جبير رحمه الله تعالى، وإن كان يرى أن الاسترقاء الأولى تركه لحديث ابن عباس المذكور، مع هذا أثنى على حسين وعبد الرحمن بقوله: «قد أحسن من انتهى إلى ما سمع». ففي إشارة إلى أن من علم بعلمه، واجتهد في إصابة الحق، وإن أخطأه، فإنه مأجور فاعل لحسن من الأعمال. وقوله أيضًا: «فقد أحسن بخلاف من يعمل بجهل»؛ خلافًا من يعمل بجهل، كما روي عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى أنه قال: «من فسد من عبادنا، ففيه شبه بالنصارى، ومن فسد من علمائنا، ففيه شبه باليهود». قال بعض أهل العلم: معنى هذا أن النصارى يعملون بغير علم، واليهود لا يعملون بعلمهم. ففرق بين النصارى واليهود: أن النصارى أصحاب عمل بجهل، وأما اليهود فأصحاب علم، ولكنهم لا يعملون بعلمهم. لذا كان في قوله: «أحسن أو قد أحسن من انتهى إلى ما سمع» رد على هؤلاء وهؤلاء. لذا قال الشيخ: «بخلاف من يعمل بجهل كالنصارى، أو لا يعمل بما يعلم كاليهود، فإنه مسيء آثم». لذا وصف الله عز وجل النصارى بأنهم ضالون، ووصف اليهود بأنهم مغضوب عليهم؛ لهذا المعنى. النصارى عملوا بجهل فكانوا ضلالًا، واليهود علموا وما عملوا بما علموا، فكان حالهم أن الله عز وجل غضب عليهم. والكل مذموم. بخلاف من فعل وعمل بعلمه، فإنهم ممدوحون. وهذا هو حال هذه الأمة وعلماؤها، رضي الله عنهم ورحمهم الله، في كل زمان ومكان، لا سيما الصالحين المصلحين منهم. وقوله: «وفيه فضيلة علم السلف وحسن أدبهم»؛ فضيلة علم السلف؛ إذ أن سعيد بن جبير رضي الله عنه وأرضاه ما عنف حسين بن عبد الرحمن، بل أثنى عليه بقوله: «قد أحسن من انتهى إلى ما سمع». وحسن أدبهم؛ وهذا أيضًا من أدبه؛ إذ أنه مدحه وأثنى عليه بهذا العمل الذي عمل به بعلم، ثم دله على علم آخر، بقوله: «ولكن حدثنا ابن عباس»؛ أي: أنت قد عملت بهذا العلم، ولكن حدثنا ابن عباس بأمر آخر، وبحديث آخر. فضل قوله: «ولكن حدثنا ابن عباس»؛ هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، عم النبي صلى الله عليه وسلم، دعا له فقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». هذا الحديث رواه الإمام أحمد وغيره، وإسناده صحيح. صححه العلامة الألباني في «الصحيحة» برقم 2581. وشيخنا الوادعي في «صحيح المسند» في المجلد الأول، صفحة 565. وأصل الحديث هو قولهم: «وعلمه التأويل». هذا الحديث في «صحيح البخاري». وأخطأ بعض المخرجين وبعض العلماء، فنسب الحديث بكامله إلى «الصحيح». والصواب أنه بهذا الطول إنما هو في «مسند الإمام أحمد» رحمه الله تعالى. قال المصنف رحمه الله: «وفيه عمق علم السلف»؛ بقوله: «فاحتنا من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا». فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني. طيب قوله رحمه الله تعالى: قال المصنف: هذا من الفوائد الذي ذكرها، والمسائل التي ذكرها الإمام محمد بن عبد الوهاب في آخر كل كتاب. فهو ذكر هذه المسألة، فقال: «وفيه عمق علم السلف». وهذا في إشارة إلى ما كان عليه سعيد بن جبير رضي الله عنه ورحمه الله من العلم العميق؛ لقوله: «لقد أحسن من انتهى إلى ما سمع». كما تقدم أنه أثنى عليه بداية؛ لأنه علم فعمل بما علم. وقوله: «ولكن كذا وكذا»؛ أي: ولكن حدثنا ابن عباس بالحديث الآخر. قال: «فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني». أن الحديث الأول في قوله: «لا رقية إلا من عين أو حمة» لا يخالف الحديث الثاني: «لا يسترقون». واضحة. قال قوله: «عرضت علي الأمم»؛ رواه الترمذي والنسائي. بالرواية: عبتر بن قاسم عن حسين بن عبد الرحمن: أن ذلك كان ليلة الإسراء. قال الحافظ: «إن كان ذلك محفوظًا، كان فيه قوة لمن ذهب إلى تعدد الإسراء، وأنه وقع بالمدينة أيضًا». قلت: وفي هذا نظر، وهو كما قال؛ وذلك لأمور: أن أولًا: عبتر بن القاسم، وهو أبو زبيد الزبيدي ثقة، وإن كان ثقة، إلا أنه ممن روى عن حسين بن عبد الرحمن بعد التغير؛ بعد أن تغير. فإن حسين بن عبد الرحمن رحمه الله تعالى عمر كثيرًا وتغير بأخره. وقال بعضهم: إنه اختلط. وقال بعضهم: إنه اختلط بأخره. ذكر يزيد بن هارون الحافظ: إنه اختلط بأخره. والنسائي رحمه الله تعالى يقول: إنه تغير. وعلي بن عاصم يقول: إنه لم يختلط. وأبو حاتم الرازي رحمه الله تعالى يقول: «سأحفظه في أخره». وقول أبي حاتم: «سأحفظه في أخره» يوافق قول النسائي: أنه تغير. فإن العلماء رحمهم الله تعالى يجعلون التغير هو بداية الاختلاط، وبداية ضعف حفظ الراوي. لذا ذكره العلماء رحمهم الله تعالى ممن صنف في المختلطين، كما ذكره صاحب «الكواكب النيرات». وذكر هناك: أن من روى عنهم، ذكر هناك رحمه الله تعالى: أن ذكر هذه الأمور المذكورة. وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في مقدمة «الفتح»: أن عبتر ممن روى عن حسين بعد تغيره. ثانيًا: أن الحفاظ الذين سبق ذكرهم في الرواية السابقة، باختلافهم على حسين بن عبد الرحمن -يعني: شعبة، وسفيان بن عيينة، وابن فضيل- وكذلك ممن ذكرنا معهم: مالك بن مغول. وهم كذلك: هشيم. جماعة: هؤلاء كلهم لم يذكروا هذه اللفظة. فمخالفة عبتر لهؤلاء الحفاظ، أقل أحوالها أنها شاذة. وقد يحمل خطأ حسين بن عبد الرحمن؛ إذ أن عبتر بن القاسم روى عنه بعد التغير والاختلاط. الأمر الثالث: أن صاحبي الصحيحين أعرضا عن هذه اللفظة. ولو كانت محفوظة لرووها. فالحاصل: أن هذه اللفظة غير صحيحة. وللعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في «زاد المعاد» كلام مفيد حول هذه المسألة، حول تعدد الإسراء. وأن هذا قول من عجز عن تحقيق المناط في هذا الباب، أو كما قال رحمه الله تعالى. لكن الحافظ رحمه الله تعالى في «الفتح» تفطن لهذا المعنى، فقال: «قد يقال: إنه حصل إسراء، ولكن لم يكن كالإسراء الأولى التي كانت في مكة؛ بمعنى أنه لم يحصل فيها فرض الصلاة، وصعود إلى السماء السابعة، وملاقات الأنبياء إلى غير ذلك. ولكن يكون إسراء آخر». هذا تخريج من الحافظ رحمه الله تعالى لو صح الحديث. أما إذا لم يصح الحديث، فلا حاجة لهذا التخريج. قال قوله: «فرأيت النبي ومعه الرأس»؛ والذي في «صحيح مسلم»: «الرهط» بالتصغير، لا غير. وهم الجماعة دون العترة. قاله النووي. قوله: «والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد»؛ فيه الرد على من احتج بالكثرة. وهذا كما ذكر رحمه الله تعالى في إشارة إلى أن الحق لا يقاس بالكثرة. الحق يعرف بالحق، والرجال يعرفون بالحق. ولا يعرف الحق بالرجال. الرجال إذا قاموا بالحق عرفوا به، وإن تخلوا عنه، فالحق أرفع منهم ومن كل أحد. لذا ذم الله عز وجل اتباع الأكثرين على باطل. فقال ربنا جل وعلا: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. الكثرة محمودة إذا كانت على طاعة واستقامة على طاعة واستقامة، هي المحمودة. أما كانت على خلاف الطاعة والاستقامة، فإنها ليست محمودة. وقد جاءت الأدلة الكثيرة الدالة على هذا المعنى: أدلة أحاديث الغربة، وأدلة أحاديث الفرقة الناجية: وأنها طائفة لا تزال طائفة من أمة على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم، حتى يأتي أمر الله. فهذا يدل على أنها طائفة من الفرقة الناجية. ومع هذا لا يضره من خالفهم، ولو كثر هؤلاء المخالفون، ولا من خذلهم، ولو كثر هؤلاء المخذلون؛ لأنهم على الحق لا تزال طائفة من أمة على الحق ظاهرين. فالعبرة بالحق، ونست العبرة بالكثرة. وهذا الحديث كذلك دليل على هذا المعنى. فضل قوله رحمه الله: قوله: «إذ رفع لي سواد عظيم»؛ المراد هنا الشخص الذي يرى من بعيد. قوله: «طبعًا». قوله: «إذ رفع لي سواد عظيم»؛ المراد به: الشخص. ومعنى الشخص ها هنا: أي الهيئة، هيئة أشخاص. وليس المراد أنهم شخص بعينه. ولكن هيئة أناس. إذ رفع لي سواد عظيم، قال: مراد به هنا الشخص الذي يرى من بعيد؛ أي: الناس الكثر الذين يرون من بعيد، وإن لم تتحقق صورهم بالنسبة للناظر. وهذا القول ها هنا ذكر هذا المعنى ها هنا. قال العلماء رحمهم الله تعالى: أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: «فضنتهم أمتي» -يعني في اللفظ الأول- قال: «إذ رفع لي سواد عظيم»، قال: «فضنتهم أمتي». لماذا؟ قال: لأن الأشخاص التي ترى في الأفق لا يدرك منها إلا الصورة. لا يدرك منها إلا الصورة. وقد استشكل جماعة من أهل العلم هذا الأمر؛ أي: كيف النبي صلى الله عليه وسلم ظن أن أمة موسى هي أمته؟ وقد ثبت في الصحيح، أو في الصحيحين، بل بأحاديث متواترة: أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم يعرفون بسيمة الوضوء. يأتون كما قال نبي صلى الله عليه وسلم: «إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلي من أثر الوضوء». قالوا: فكيف الجمع بين هذا الحديث والحديث الآخر؟ فأجيب عن ذلك بهذا الجواب: أجيب أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أشخاصهم من بعيد. رأى أشخاصهم من بعيد كهيئة إنسان يرى قومًا من بعيد. يرى جماعات من الناس من بعيد، لم يتبينهم. واضح. أما حديث: «أن أمتي يأتون يوم القيام غرا محجلين»؛ هذا إذا دنوا منه، وهذا إذا دنوا منه وعاينهم واضح. وهذا والجمع بين هذا وهذا: فالأشخاص من بعيد لا يستطيع إنسان أن يميزهم. لكن إذا دنوا وقاربوا منه، حتى نظر إلى صورهم، ظهر منهم السيمة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم: وهي أثر الوضوء. قال رحمه الله: قوله: «تضرنت أنهم أمة أمتي»؛ لأن الأشخاص التي ترى في الأفق لا يدرك منها إلا الصورة. وفي «صحيح مسلم»: «ولكن أنظر إلى الأفق»؛ ولم يذكره المصنف. فلعله سقط في الأصل الذي نقل الحديث منه. والله أعلم. قوله: «فقيل له هذا موسى وقومه»؛ أي: موسى بن عمران كريم الرحمن. فقومه: أتباعه على دينه من بني إسرائيل. قوله: «فنظرت فإذا سواد عظيم». طيب قبل هذا: «فقيل لي هذا موسى وقومه»؛ أي: موسى بن عمران كريم الرحمن. وموسى عليه السلام وصف بهذا الوصف؛ أي: أنه كريم الرحمن. وخص بهذا الوصف؛ مع أن غيره قد شاركه في هذا الوصف. من الذي شارك موسى بن عمران في هذا الوصف؟ يذكر لنا: آدم عليه السلام. أحسنت. يقولنا: يا آدم: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾. فالحاصل: أن موسى عليه السلام خص بهذا؛ كما جاءت الأدلة في ذلك؛ لأن الله عز وجل أخبر بذلك: ﴿رُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. فالله عز وجل ذكر موسى بهذا الوصف. وكذلك جاء في حديث الشفاعة الطويل: أن الناس حينما يأتون إلى موسى، يقولون له: «يا موسى أنت كريم الله». فهي صفة اتصف بها موسى عليه السلام. وهو من حيث التدريج يعد موسى عليه السلام كما هو معلوم من أولي العزم من الرسل. والصحيح في أولي العزم من الرسل: أنهم خمسة؛ لأن في المسألة قولان: القول الأول: أنهم خمسة. والقول الثاني: أنهم كل نبي؛ فهو من أهل العزم. قال الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾. فمن حمل منها هنا على أنها بيانية؛ قال: تحمل على أن المراد جنس الأنبياء. فيدخل فيه كل نبي؛ فكل نبي هو من أولي العزم. ومنهم من حمل منها هنا على أنها للتبعيد؛ قال: وإذا كان للتبعيد، فيراد بها رسل وأنبياء مخصوصين. وهذا هو الصواب. يدل على هذا: أن الله عز وجل قال في كتابه في حق آدم عليه السلام، وهو نبي من الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. وقال أيضًا ربنا عز وجل في حق رسوله ونبيه يونس: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾. فاستدلى من استدل من أهل العلم -منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى- على أن هذه الآية: المراد بها هؤلاء المخصوصون. المراد بها هؤلاء المخصوصون، وهم الخمسة. وهم كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى: أفضل الناس الأنبياء. وأفضل الأنبياء الرسل. وأفضل الرسل الخمسة أولي العزم. وأفضل الخمسة على الترتيب: محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إبراهيم عليه السلام، ثم موسى عليه السلام. ثم اختلفوا فيه عيسى ونوح: أيهم أفضل؟ فالحاصل: أن الله عز وجل قد أكرم رسوله ونبيه موسى لأمور عظام؛ لأنه قام في مقامات عظيمة في مقامات توحيد، والدعوة إلى الله عز وجل، مع أكبر طاغية -مع فرعون-. قوله: «وقومه أتباعه على دينه من بني إسرائيل». وقومه: أتباعه على دينه من بني إسرائيل. وهذا في إشارة إلى أن أتباع موسى عليه السلام من بني إسرائيل كثر. ولكن العبرة بعد مجيء النبي صلى الله عليه وسلم: بإتباع النبي صلى الله عليه وسلم. فضل قوله: «فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب»؛ أي: لتحقيقهم التوحيد. وفي رواية ابن فضيل: «ويدخل الجنة من هؤلاء من أمتك سبعون ألفا». طيب قوله: «فنظرت فإذا سواد عظيم»؛ أي: آخر. فقيل لي: «هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا». قوله: «هذه أمتك». قال العلماء: الأمة تطلق على ثلاثة معانٍ: الأول: وهي الخاصة، وهم أهل الاتباع. الثاني: عامة، وهم أهل الاستجابة، وإن لم يكونوا في الاتباع. كمن سبقهم من أصحاب الطبقة الأولى. سيدخل فيهم العصاة وأهل البدع وغيرهم. فهم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من استجاب له. قسم ثالث: أمة محمد باعتبار أمة الدعوة؛ الذين دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، ولكن لم يسلموا. فهؤلاء يكونون تبعًا لمن اتبعوهم. فهم من حيث العموم باعتبار أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثته عامة للأبيض والأحمر والأسود والجن والإنس. هم داخلون في أمة الدعوة. ولكن باعتبار هذا الحديث المذكور ونحوه: هل يدخلون أم لا يدخلون؟ فالشاف الظاهر والله أعلم: أن هؤلاء لا يكونون داخلين في هذا المعنى؛ لأنهم لم يستجيبوا للنبي صلى الله عليه وسلم. فمن كان على ملة اليهودية، وعلى الإيمان بموسى، يكونون تبعًا له. ومن كان على النصرانية كذلك، يكونون تبعًا له. ومن كان على الإشراك، يكونون تبعًا للإشراك. وإن دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما دلت على ذلك الأحاديث الكثيرة في الشفاعة. في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يتبع كل من كان يعبد شيئًا، فليتبعهم». فيؤمرون فيدخلون إلى النار. ففي هذا إشارة إلى أنهم لا يدخلون في هذه الأمة التي جاء فيها الذكر، وجاء فيها ثناء. قوله: «ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب»؛ قال الشيخ: أي: لتحقيقهم التوحيد. لماذا يدخلون من غير حساب ولا عذاب؟ العلة في ذلك: لأنهم حققوا العبودية التامة لله عز وجل. فكان تحقيقهم للعبودية التامة لله عز وجل: سببًا لدخولهم الجنة بغير حساب ولا عذاب. قال: «وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين». وفي رواية ابن فضيل: «ويدخل الجنة من هؤلاء من أمتك سبعون ألفا». قوله رحمه الله تعالى: «في رواية ابن فضيل»؛ يشير الشيخ رحمه الله تعالى إلى مسألة وقع فيها الخلاف كذلك: وهي هل هؤلاء السبعون ألفًا داخلون في جملة أولئك الذين رآهم النبي صلى الله عليه وسلم؟ أم أنهم جاءوا منفردين؟ فبعض أهل العلم قالوا: إن هذه «أمتك» يحملهم على أنهم لم يكن فيهم السبعون ألفًا؛ كما جاء في بعض الرواية: أنه قال: «وانظر إلى شماله، فنظر فإذا بسبعين ألفا». فقيل: «هؤلاء سبعون ألفا من أمتك يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب». وعلى هذه الرواية إن صحت: يكون هؤلاء سبعون ألفًا يكونون مفصلين. وقد جاء في بعض الرواية: أنهم يدخلون معًا يدخلون جميعًا دخلة واحدة، وهم بعضهم ممسك بالآخر من باب الجنة. يدخلون كلهم هؤلاء سبعون ألفًا يدخلون معًا من باب الجنة. وقد ذكر العلماء: قالوا: هذا فيه إشارة إلى سعة باب الجنة؛ إذ أن سبعين ألفًا يدخلون وهم دخلة واحدة، وهم متماسكون. يدل على سعة باب الجنة. وفي هذه الرواية: أنه قال: «ويدخل جنة من هؤلاء من أمتك سبعون ألفا». ففي هذه الرواية إشارة إلى أن سبعين ألفًا كانوا من جملة الأمة التي ظهرت للنبي صلى الله عليه وسلم. وقيل لهم: «هؤلاء أمتك». واضح. وهذا الذي اختاره الشيخ: هو الظاهر والله أعلم؛ فإن الأمة جاءت وفيهم سبعون ألفًا. أمته جاءت وفيهم سبعون ألفًا؛ أي: ومنهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب. قال: «وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين: أنهم تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر»؛ أي: جاء في وصف هؤلاء السبعين ألفًا: أنهم «تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر». وهذا يدل على ما حازه هؤلاء الأفاضل الأجلة من هذا المقام العظيم؛ حتى أن وجوههم كأنها تضيء كإضاءة القمر ليلة البدر. رواه الإمام أحمد والبيهقي في حديث أبي هريرة: «فاستزدت ربي فزادني مع كل ألف سبعين ألفا». قال الحافظ: «وسنده جيد». طيب قوله: «رواه أحمد». كما قال: «رواه أحمد في المسند». وذكره الحافظ في «الفتح» كما ذكره هنا. وقال: «سنده جيد». والحديث كذلك حسنه شيخنا العلامة الوادعي في «الصحيح المسند» في المجلد الثاني، صفحة 412. والألباني رحمه الله تعالى حسنه بمجموع طرقه من حديث أبي هريرة؛ أي: حسنه بغيره. وصاب أنه حسن لذاته. لكن الشيخ المن رحمه الله تعالى ذكر له الصحيحة في موضع آخر: ذكر الحديث بهذا اللفظ من حديث ثوبان. من حديث ثوبان. وقال: «إسناده جيد». فجود إسناده من حديث ثوبان. وحسن حديث أبي هريرة بغيره في موضعين من «الصحيحة»: الأول في «الصحيحة» برقم 4841. والثاني في «الصحيحة» برقم 2612. والحديث كذلك جاء له لفظ آخر: الحديث جاء كذلك بلفظ آخر: وهو لفظ: «أن مع كل واحد سبعين ألفا». ها هنا: «فاستزدت ربي مع كل ألف سبعين ألفا». واضحة. جاء في حديث آخر: «مع كل واحد من السبعين ألفا سبعون ألفا». واضحة. وهذا الحديث جاء من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه. ومن حديث عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما. وجاء من حديث أنس. حديث أبي بكر عند أحمد. وكذلك حديث عبد الرحمن. حديث عبد الرحمن عند أحمد. الأول عند أحمد وأبي يعلى. والثاني عند أحمد. وحديث أنس عند أبي يعلى. وهو حديث حسن بمجموع طرقه. هو حديث حسن بمجموع طرقه. ومن أراد الرجوع إلى طرقه: فقد ذكرناها في تعليقنا على «شرح لمعة الاعتقاد» للعلامة العثيمين، صفحة 346 إلى 347. قال قوله: «ثم نهض»؛ أي: قام. فقوله: «فخاض الناس في أولئك»؛ خاض بالخاء والضاد المعجمتين. وفي هذا إباحة المناظرة والمباحثة في نصوص الشرع على وجه الاستفادة وبيان الحق. طيب قوله رحمه الله تعالى: «فخاض الناس في أولئك». قال: هذا من العام الذي أريد به الخصوص. ما المراد بالعام الذي أريد به الخصوص في قوله: «الناس»؟ الناس هنا لفظ عام. لكن هل يراد به خاض فيه كل الناس؟ الجواب: يقول الشيخ: لا. يقول: هذا من العام الذي أريد به الخصوص. واضحة. أي: جملة الحاضرين. على أن هذا اللفظ كما ذكره الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أن العموم يكون بحسبه. قد يكون عمومًا مطلقًا. وقد يكون مقيدًا بحسبه. واستدل على ذلك بقول الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾. الذين: ها هنا لفظ ما؟ عموم. الذين قال لهم الناس: من هم الذين؟ قال: الذين: هيا جماعة الصحابة يوم أحد. واضح. بعد يوم أحد. الذين قال لهم الناس: الناس ها هنا من هم الناس؟ لا. الناس الذي جاءوا يقول للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه: «ارجع، إن الناس قد جمعوا لكم». فماذا؟ إن الناس: يعني المشركين. واضح. فها هنا جاء العموم على ثلاثة: الذين: الذين هم الصحابة. قال لهم الناس: أي الناس؟ إذا قال لهم: «ارجعوا، إن الناس قد جمعوا لكم». أي: مشركين. واضح. وكل على بابه: كل على بابه. هذا عام، وهذا عام، وهذا عام. واضح. لا. هذا عام في المذكورين، وهذا عام في المذكورين. فالحاصل: أن هذا أحد مباحث مبحث العموم في أصول الفقه. وشاهد أنه قد يطلق العام ويراد به عام ما؟ مخصوص. قال: «خاض بالخاء والضاد إلى آخره». وقول: «وفي هذا إباحة المناظرة والمباحثة في نصوص الشرع على وجه استفادة وبيان الحق». وهذا تقييد مهم. بمعنى أن المناظرة والمباحثة إذا كانت على غير ذلك الوجه، فإنها غير مشروعة. قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». ثم تلا قول الله عز وجل: ﴿وَمَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾. بل هم قوم ما؟ خصمون. واضح. وقد ذكى العلماء رحمهم الله تعالى ضوابط للمناظرة، وضوابط للمناظر. فليس كل أحد يناظر. وليس عن كل شيء يناظر. بل لابد أن يكون هناك مصلحة راجحة أو متحققة. مصلحة راجحة أو متحققة. فإن لم تكن مصلحة راجحة ولا متحققة، ففي مثل هذا ترك المناظرة أو لا؟ هذا في حق المناظر نفسه. قال العلماء رحمهم الله تعالى: لابد أن يكون المناظر على علم تام بكتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والمبحث أو المباحث التي لأجلها ستكون المناظرة. الأمر الثاني: قال: ينبغي أن يكون المناظر على علم بشبه القوم؛ حتى يرد الحجة أو الشبه بالحجة والبيان. ثالثًا: أن يكون على علم ودين ويقين. وكذلك أن يكون متضلعًا كذلك من هذه الأمور. عندها تضلع في علوم الكتاب والسنة، وما يعين إليها، وما يعين عليها من أمور الفقه، ومن أمور اللغة، ومن أمور مباحث الأصول الفقهية والأصول الحديثية إلى غير ذلك؛ حتى يستطيع أن يضعف حجة المخالف بأكثر من أسلوب. قد ذكى العلماء رحمهم الله تعالى لهذا آدابًا كثيرة، وكتبًا في هذا. قال: «وفيه عمق علم السلف»؛ بمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل. طيب من أين هذا مستفاد؟ من قول الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم في الحديث: «لعلهم الذين فعلوا كذا، لعلهم الذين كذا». بعضهم قال: «لعلهم الذين أسلموا ولم يشركوا بالله شيئًا». أي: من أولادهم. قال بعضهم: «لعلهم من أولادنا الذين أسلموا ولم يعملوا ولم يدخلوا في الشرك». ومنهم من قال: «لعلهم من هاجر معه». ومنهم من قال: كذا. ومنهم من قال: كذا. فكلهم ذكروا أوصافًا للأعمال والعاملين. أوصافًا للأعمال والعاملين. فكأنهم يقولوا: إن هذا الوصف لا يأخذهم ولا يحوز إلا من كان على مقام عظيم من العلم والعمل. ثم اختلفوا في هذا العلم والعمل: هل هو هذا أم هو هذا أم هو هذا؟ تضر قالوا في حرصهم على الخير. ذكره المصنف. وأيضًا حرصهم على الخير: أنهم خاضوا في ذلك، وتباحثوا عسى أن ينالوا ذلك. عسى أن ينالوا ذلك. ويدلوا عليه أيضًا. ما جاء في قول عكاشة بن محصن: أنه قال: «يا رسول الله، ادع الله أن أكون منهم». وهذا يدل على حرصهم على الخير. فقال: «أنت منهم». وجاء في بعض الروايات: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال: يا رسول الله، قال: أنا منهم، قال: أنت منهم». واضح. ففي هذا إشارة إلى حرصهم. فقام آخر، فقال: «ادع الله أن أكون منهم». ففي هذا إشارة إلى حرصهم على استباق الخير. رضي الله عنهم وأرضاهم. إلهنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على