الدرس في التعليق على كتاب كشف الشبهات 6، ألقاها
يبدأ الحديث بأهمية معرفة التوحيد والشرك وتجنب الوقوع في الشرك. معرفة التوحيد والشرك تعين على الفرح بفضل الله ورحمته.
يتم تحقيق التوحيد بتوحيد الألوهية وطاعة الله، مع الخوف من الوقوع في الشرك. الإنسان لا يأمن مكر الله بكلمة قد يتلفظ بها دون قصد.
الشرك بالله خطير حتى على أهل الصلاح والعلم، ولا ينبغي الاغترار بالنفس. يجب سؤال الله الثبات على التوحيد والطاعة.
يتم ختام الكلام بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مما يظهر في العبارة المستخدمة في نهاية المقطع.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة محمد عبد الوهاب النجدي رحمه الله في رسالته "كشف الشبهات": إذا عرفت ما ذكرت لك معرفة قلب، وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، عرفت دين الله الذي أرسل به الرسل من أولهم إلى آخرهم، الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه، وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا، أفادك فائدتين: الأولى الفرح بفضل الله ورحمته، كما قال الله تعالى: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾. وأفادك أيضا الخوف العظيم. يقول رحمه الله: إذا عرفت ما ذكرت لك معرفة قلب -يعني فيما مضى بيانه من أن التوحيد الذي أمر الله سبحانه وتعالى به، وأرسل الله جل وعلا لأجله الرسل، هو توحيد الألوهية، وهو إفراد الله جل وعلا بالعبادة- وهذا التوحيد هو الذي وقع فيه المشركون في الكفر بالله جل وعلا، إذ أنهم صرفوا العبادة لغير الله، وتوجهوا في طلب مقاصدهم إلى غير الله سبحانه وتعالى، وبذلك وقعوا في الكفر، واستباح النبي صلى الله عليه وسلم دماءهم وأموالهم، ولم يكونوا بإقرارهم بالربوبية مؤمنين وموحدين. قال: وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، عرفت الشرك بالله، وهو صرف العبادة لغير الله، وقصد التقرب إلى غير الله سبحانه وتعالى. فإنك إذا عرفت التوحيد، ثم عرفت ما يضاده وهو الشرك، بهذا تسلم من الوقوع فيما يناقض التوحيد، وهو الشرك بالله جل وعلا. والشيء يعرف بضده، وبضده تتميز الأشياء. إذا عرف الإنسان التوحيد، وعرف ما يناقضه وما يضاده وهو الشرك، فإنه بهذا يسلم من الوقوع فيما يناقض هذا التوحيد، ويكون على حذر من الوقوع في الشرك بالله جل وعلا. والشرك كما علمنا أعظم الذنوب، والله عز وجل أخبر أن صاحب الشرك إذا مات عليه، فلا يغفر ربنا جل وعلا له: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. وقوله جل وعلا: ﴿لا يغفر أن يشرك به﴾، "أن" هنا المصدرية، وما دخلت عليه في تأويل مصدر، تقديره "إشراكا". وإشراكا نقرة في سياق النفي، فتفيد العموم، فيشمل ذلك الشرك الأصغر والشرك الأكبر، على قول لبعض أهل العلم. وهذا يدلنا على خطورة الشرك، وعلى خطورة الشرك بالله، وأن صاحبه معرض للعذاب والعقوبة إذا مات عليه. قال: وعرفت دين الله الذي أرسل به الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو التوحيد، وهو إفراد الله جل وعلا بالعبادة، وهو توحيد الألوهية. هذا هو دين الله جل وعلا الذي أرسل الله سبحانه وتعالى به الرسل من لدى نوح عليه السلام إلى نبينا عليه الصلاة والسلام. قال: الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه، وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا، أي بهذا التوحيد. فكثير من الناس يقرون بربوبية الله، وأن الله جل وعلا المتفرد بالخلق والملك والتدبير والإحياء والإماتة والرزق إلى آخره، لكنهم يقعون في شرك الألوهية، بصرف العبادة لغير الله جل وعلا، والتوجه إلى غير الله من الأوثان والأنداد. هذا هو حال كثير من الناس، جهلوا حقيقة هذا التوحيد الذي هو دين الله جل وعلا الذي أرسل الله جل وعلا به الرسل جميعا. فإذا عرفت ذلك، عرفت هذا التوحيد الذي يجب الإيمان به، وكذلك أيضا الحذر من الوقوع فيما يناقضه من الشرك بالله جل وعلا. أفادك ذلك فائدتين. قال: الأولى الفرح بفضل الله ورحمته، كما قال الله تعالى: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾. قل بفضل الله وبرحمته، فسر "فضل الله" بالإسلام، و"رحمته" بالقرآن، فبذلك فليفرحوا، أي إذا من الله جل وعلا عليك بالإسلام والقرآن والهداية إلى الصراط المستقيم، وكذلك أيضا القيام بما أوجب الله جل وعلا عليك من إفراده جل وعلا بالعبادة، وتحقيق توحيد الألوهية، والقيام بطاعة الله، فإنك تفرح بذلك، أن وفقك الله لهذا الخير العظيم، واصطفاك الله جل وعلا من بين سائر خلقه، أن جعلك من عباده المؤمنين، ومن عباده الموحدين. فإنك تفرح بذلك، هذه نعمة عظيمة من الله سبحانه وتعالى بها عليك، هو خير مما جمعت من هذه الدنيا، هو خير مما يجمعون، أي من أمور الدنيا. فكون الله جل وعلا وفقك لهذا الخير العظيم، هذا ماذا يعني؟ توفيق من الله جل وعلا عظيم، يستحق الفرح، وحمد الله جل وعلا على ذلك، أن من الله سبحانه وتعالى عليك بذلك، مع إضلال الله جل وعلا لكثير من الخلق الذين لم يوفقوا مثل هذا الخير الذي وفقك الله، أن جعلك موحدا، قائما بعبادة الله، وبتوحيد الله، لا تصرف العبادة لغير الله، ولا تلتفت إلى غير الله سبحانه وتعالى. وأفادك أيضا الخوف العظيم، الخوف من الوقوع في الشرك، كونك على توحيد الله عز وجل، فهذه من عظيمة تفرح بها، لكن مع ذلك تكون على خوف عظيم أن تقع في الشرك، وأن تصرف العبادة لغير الله جل وعلا، أو أن تقع فيما يناقض التوحيد. فالموحد يكون على خوف عظيم من الوقوع في الشرك بالله جل وعلا. وهذا إبراهيم عليه السلام الذي كسر الأصنام بيده، وألقي في النار بسبب ذلك، قال: "ربي وجنبني وبني أن نعبد الأصنام". يسأل الله عز وجل أن يجنبه عبادة الأصنام، لماذا؟ لأن الإنسان لا يأمن على نفسه، لا يأمن على نفسه. وكان من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك". فالإنسان لا يأمن على نفسه، ولا يغتر، لا يغتر بكونه على طاعة الله، وعبادة الله، وعلى توحيد الله، فماذا يكل الأمر إلى نفسه فيغتر بذلك؟ لا، بل يكون على خوف وجل عظيم أن يقع فيما يناقض التوحيد. فلذلك يسأل الله عز وجل الثبات، أن يثبته، أن يصرف عنه الشرك وأسبابه، وأن يقبضه وهو على التوحيد والإيمان. قال: فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل، فلا يعذر بالجهل، أن الإنسان قد يكفر بالكلمة يخرجها من لسانه، يتكلم بكلمة قد يظن أنها تصل به إلى حد الكفر، فيقع في الكفر، كما حصل في أولئك الذين استهزأوا بأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة تبوك، لما قال قائلهم: "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء". فأنزل الله عز وجل بيان تكفيرهم: ﴿قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾. ما كان يظن أن هذه الكلمة تبلغ به إلى حد الكفر، وجاء يعتذر النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما كنا نتحدث حديثا نقطع به الطريق"، أو "عناء الطريق"، يعني من باب الاستهزاء. ومع ذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: "لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم". وهكذا قد يتلفظ الإنسان بالكلمة، وتكون سببا في حبوط عمله. وذاك الرجل الذي قال لأخيه الذي كان يقع في شيء من الذنوب: "والله لا يغفر الله لك، والله لا يغفر الله لك". قال الله عز وجل: "من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان؟ لقد غفرت له، وأحبطت عملك". قال أبو هريرة رضي الله عنه: "تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته". وقوله رحمه الله: "وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل"، يعني إذا حصل منه تفريط، إذا حصل منه تفريط في التعلم، أو بلغه العلم فأبى أن يقبله، وأصر أن يبقى على الكفر وعلى عبادة غير الله، ودعاء غير الله من الأنداد والأوثان، فهذا لا يعذر بالجهل. هذا لا يعذر بالجهل؛ لأن الحجة قد قامت عليه. وليس معنى كلام المؤلف أنه لا يعذر بالجهل، لا، المؤلف يعذر بالجهل، وله كلام صريح في مواضع أخرى، في مواضع أخرى يعذر بها بالجهل، ويقول: "نحن نعذر من دعا قبر فلان الجيلاني، أو قبر فلان بسبب الجهل، إذا لم تبلغهم الحجة، ولم يبين لهم". لكن مراده رحمه الله: فيمن قامت عليه الحجة، قامت عليه الحجة، وتبين له الحق، أو فرط في ذلك، فرط في التعلم والسؤال. ربما يسمع أن هناك من ينكر هذه الأفعال، وأن هذا لا يجوز، وأن هذا من الشرك، ولا يبالي، ويصر أن يبقى على ما هو عليه من الشرك، وصرف العبادة لغير الله سبحانه وتعالى. قال: وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله، كما كان يظن المشركون، يعني يقول كلمة الكفر، من دعاء الأنداد والأوثان، وسؤالهم في كشف الكربات، وقضاء الحاجات، وغير ذلك، ويظن أن هذا العمل يقربه إلى الله، ويقول: "نحن ندعو هؤلاء، ونتقرب إليهم حتى يقربونا إلى الله زلفة، ويشفعون لنا عند الله". كحال المشركين قديما وحديثا، في صرفهم للعبادة لغير الله، يظنون أن هذا عمل يقربهم إلى الله سبحانه وتعالى. قال: خصوصا أن ألهمك الله تعالى ما قص عن قوم موسى، مع صلاحهم وعلمهم، أنهم أتوه قائلين: ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾. لما خرج موسى عليه السلام فارا بدينه، ومن معه من المؤمنين الذين تركوا فرعون الطاغية، مروا على قوم لهم إله يعكفون على أصنام لهم، فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، قالوا: "يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة". قال: "إنكم قوم تجهلون". قالوا كلمة عظيمة، يظنون أن هذا جائز، وأنه لا بأس به، فأنكر عليهم موسى عليه السلام. وهكذا أيضا لما قال بعض الذين كانوا مع النبي عليه الصلاة والسلام، ورأوا المشركين لهم سدرة يعلقون بها أسلحتهم طلبا للبركة، قالوا: "يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط". فقال عليه الصلاة والسلام: "الله أكبر، قلتم والذي نفسي بيده كما قال أصحاب موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة". فهذا يدل على خطورة الشرك بالله جل وعلا، وأن المسلم ينبغي أن يكون على حذر منه، وأن من فعل ذلك، أي صرف العبادة لغير الله، أو التعلق بغير الله، أو أراد كذلك طلب البركة من غير الله جل وعلا، أو نحو ذلك، هذا مما يوقعه في الشرك، وإن كان من أهل الصلاح، وإن كان من أهل الخير والاستقامة. فهذا يجعل الإنسان على خوف عظيم، ووجل عظيم من الوقوع في الشرك بالله جل وعلا. قال: فحينئذ يعظم خوفك وحرصك على ما يخلصك من هذا وأمثاله، أي من الوقوع في مثل هذا الشرك. إذا كان هؤلاء أهل صلاح وعلم قالوا مثل ذلك، فإذا الإنسان لا يغتر بنفسه، مهما بلغ من العلم، ومهما بلغ من الصلاح، ومهما بلغ من الاستقامة، فإنه لا يغتر بما وفقه الله عز وجل له من التوحيد، والقيام بطاعة الله، وعبادته. ماذا؟ لا يغتر بذلك، بل ينبغي أن يسأل الله عز وجل ماذا؟ الثبات على هذا الخير العظيم الذي وفقه الله جل وعلا له، وأن يعصمه من الوقوع في الشرك. نكتب بهذا القدر إلى هنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.