مختصر كرامات الأولياء  11

مختصر كرامات الأولياء 11

الدرس في مختصر كرامات الأولياء 11، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حديث حذيفة بن اليمان في ليلة الأحزاب ومهمته الاستطلاعية

يسرد الشيخ حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه في غزوة الخندق مبيناً شدة البلاء والبرد، وكيف طلب النبي صلى الله عليه وسلم من يستطلع أخبار الأحزاب فانتدب حذيفة، وتسلل إلى معسكرهم ورأى أبا سفيان ولم يرمه امتثالاً للأمر، ثم عاد فكساه النبي عباءته فدفئه الله كرامة له، مظهراً الفرق بين تمني الجهاد وواقعه.

كرامات الصحابة: تسمية سفينة وسلام الملائكة على عمران بن حسين

يذكر الشيخ كرامة الصحابي سفينة الذي حمل أثقال الجيش بمعجزة فسمي بذلك، ويسوق حديث عمران بن حسين رضي الله عنه عن سلام الملائكة عليه وانقطاعها عند الكي وعودتها عند تركه، مستدلاً بذلك على كرامات الأولياء وصحة ما ورد فيها.

الليلة الختامية للدورة والدعاء بالخاتمة الحسنة

يعلن المتحدث عن الليلة الختامية للدورة التي ستتضمن محاضرة ختامية للمشايخ المشاركين، ويدعو الله أن ينفع بالعلوم المكتسبة وأن يمنح الفقه في الدين، مختتماً بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فمما ذكره شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من دلائل النبوة"، وفي ذكره لبعض كرامات الأولياء، حديث إبراهيم التيمي عن أبيه قال: كنا عند حذيفة بن اليمان الصحابي الجليل، فقال رجل: لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلت معه وأبليت، يعني: لو كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته وفي جهاده لجاهدت معه وقاتلت وأبليت، بمعنى: قمت بالمهام العظيمة، المهام الصعبة التي فيها من الابتلاء وفيها من الشدة. فقال حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك، هل فعلاً ستفعل ذلك؟ ثم قال حذيفة رضي الله تعالى عنه: لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب، وهي غزوة الخندق، تسمى غزوة الأحزاب لتجمع الأحزاب من أهل مكة وقبائل العرب التي حوالي المدينة، كلهم اجتمعوا على ضرب الإسلام، فسميت بغزوة الأحزاب، ويقال لها أيضاً غزوة الخندق نسبة لحفر الصحابة للخندق الذي أشار إليه سلمان الفارسي، فحفر الصحابة خندقاً من الجهة التي يظن أن المشركين سيدخلون المدينة منها، فنسبة لحفر هذا الخندق سميت أيضاً هذه الغزوة بغزوة الخندق. قال حذيفة: وأخذتنا ريح شديدة وقر، يعني: كانت هذه الغزوة في وقت ريح شديد وفي وقت برد شديد، والقر هو البرد، وكما وصف الله عز وجل الحال الذي كان عليه الصحابة من الشدة، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 9-11]. وكان أيضاً في هذه الغزوة جوع شديد كما جاء في حديث جابر، والنبي عليه السلام ذهب إلى بيت جابر ومعه أصحابه، وقد بلغ بهم الجوع مبلغاً عظيماً، وشعر بذلك جابر فذهب إلى زوجته، إلى آخر ما ذكر من أحداث هذه الغزوة. فيقول حديث حذيفة بن اليمان: لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب، وأخذتنا ريح شديدة وقر، يعني برد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة». فسكتنا فلم يجبه منا أحد. يريد النبي صلى الله عليه وسلم من أحد الصحابة أن يذهب إلى المشركين إلى موقعهم يتجسس عليهم ويأتي بخبرهم، وكانت الريح شديدة والظلمة كذلك والبرد الشديد. انظروا إلى هذه الأحوال الشديدة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة». قال حذيفة: فسكتنا فلم يجبه منا أحد. يريد حذيفة أن يقول لهذا الرجل: لا تتمنَّ ذلك، فلعلك لم تستطع كما في هذه الحال، لأن هذا الرجل ماذا قال؟ قال: لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلت معه وأبليت، فما يدريه؟ لعله لم يستطع ذلك كما وقع للصحابة في هذه الحادثة أو في هذه الغزوة. قال حذيفة: ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى: «ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة». وفي هذا: إذا رغب الشخص في شيء ذكر فضائله، فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر المنقبة والفضيلة التي يتحصل عليها من يقوم بهذه المهمة، وهي مرافقة النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة، قال: «جعله الله معي يوم القيامة». قال حذيفة: فسكتنا فلم يجبه منا أحد، ما أحد قال: أنا يا رسول الله. ثم قال: «ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة». قال: فسكتنا فلم يجبه منا أحد، ثلاث مرات، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يكرر ذلك. قال: فقال رسول الله: «قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم». عين النبي عليه الصلاة والسلام من حذيفة رضي الله تعالى عنه، فقال له: «قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم». قال: فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم، وهذا فيه سرعة استجابة الصحابة لأمر النبي عليه الصلاة والسلام، وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، وكم من الحوادث التي مرت في كتب السيرة وفي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تدل على سرعة استجابة الصحابة لأمر النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا حذيفة يقول: فلم أجد بدا، لابد أن أستجيب وأن أقوم بهذه المهمة، معتذراً وما خالف وعصَ أبداً. قال: فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «اذهب»، أي: يقول لحذيفة: اذهب فأتني بخبر القوم، «ولا تذعرهم علي»، يعني: لا تفعل شيئاً إلا أن تأتيني بخبر القوم، لا تقتل منهم أحداً، ولا تفضح منهم أحداً، لا تذعرهم علي، وإنما ائتني فقط بخبر القوم. قال: فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم، يعني: من شدة البرد كأنه قد بلل بالماء، فهو يمشي ويرتعد من شدة البرد. قال: حتى أتيتهم، حتى أتيتهم، دخل بينهم، وكان الوقت ليلاً، الوقت كان ليلاً، فلم يروه ولم ينتبه له. وجاء في بعض الروايات في السيرة أنه صف معهم، فكان ذكياً رضي الله تعالى عنه، فقال أحدهم: كل واحد، كل واحد يعرف من بجانبه. قال: فسبقتهم، فقلت: من معي؟ فسبق حتى لا يسأل، فهذا دليل على أنه تخلل صفوفهم، وكما سيأتي أيضاً ما يدل على ذلك في هذا الحديث. قال: فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار، يعني: يكوي ظهره، فوضعت سهماً في كبد القوس، يعني: السهم يريد أن يضرب أبا سفيان، قال: فأردت أن أرميه، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولا تذعرهم علي». أيضاً هذا فيه استجابة الصحابة لأمر النبي، ما خالف رسول الله مع أنه وجد فرصة سانحة أن يقتل هذا الصنديد في ذاك الوقت من صناديد الكفر، ومع هذا تذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ولا تذعرهم علي»، فلم يفعل. قال: ولو رميته لأصبته. قال: فرجعت بعدما أتى بخبر القوم، أين هم وأين موقعهم وماذا عندهم، لأنه تخلل صفوفهم وعلم أمرهم. قال: فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام، يعني: من شدة البرد، فلما أتيته، قال: فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم، وفرقت، وقررت، يعني: أصابني البرد، فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، أو يصلي فيها، فلم أزل نائماً حتى أصبحت. فلما أصبحت قال: «قم يا نومان». هنا أحد الإخوة علق وقال: قول حذيفة: "كأني أمشي في حمام"، ليس معناه أنه في برد، بل الحمام كان للاستحمام، وكناية عن الحرارة التي حصلت له في تلك الليلة الباردة. نعم، أنا أخطأت في هذا، أحسنت، وهذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث في كرامات الأولياء. وهذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث في كرامات الأولياء: أن الله عز وجل أكرمه بهذه الكرامة. نعم، فهذا هو المعنى، فجزى الله خيراً من نبه على ذلك. وأيضاً فيه شاهد، أو فيه وجه آخر، وهو أنه لما رجع أصابه ما يصيب غيره من البرد، فلذلك ألبسه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم العباءة التي كان يصلي فيها حتى يذهب ما به من برد، فنام تلك الليلة حتى أصبح، حتى أيقظه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم ذكر شيخنا رحمه الله حديثاً آخر في كرامات الأولياء، وهو حديث حشرج بن نباتة، وهو عند الحاكم. وأما هذا الحديث، حديث حذيفة، فهو في صحيح مسلم. حديث حذيفة المتقدم في صحيح مسلم. وأما هذا الحديث الآخر فهو في مستدرك الحاكم. قال حشرج بن نباتة: سألت سفينة عن اسمه، يعني: ماذا سمي بسفينة؟ وسفينة هذا خادم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: فقال: أما إني مخبرك باسمي، كان اسمي قيساً، يعني: سفينة كان اسمه قيساً. قال: فسماني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم سفينة. قلت: أي حشرج بن نباتة، قال لي سفينة: لما سماك سفينة؟ فقال سفينة، الذي كان اسمه قيسا: خرج ومعه أصحابه، أي: خرج النبي عليه الصلاة والسلام ومعه أصحابه، فثقل عليهم متاعهم، يعني: ما يحملونه ثقل عليهم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ابشط كساءك»، يعني: رداءك. قال: فبسطته، فجعل فيه متاعهم، جعل النبي صلى الله عليه وسلم يضع فيه هذا البساط أو الكساء متاع القوم الذي ثقل عليهم، قال: ثم حمله علي، يعني: قال لسفينة: أحمله. فقال: «احمل، ما أنت إلا سفينة»، والسفينة التي تجري في البحر. قال له: إنك ستستطيع أن تحمل ذلك، فإذا عرفنا السبب في تسمية هذا الصحابي بسفينة. قال سفينة: لو حملت يومئذ وقر بعير وبعيرين أو خمسة أو ستة ما ثقل علي، يعني: لو حملت ما يحمل البعير أو ما يحمل البعيرين من متاع، أو خمسة أو ستة، لما ثقل عليه. وهذا يعد كرامة لهذا الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال شيخنا: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. هذا صحيح الإسناد، المخرجاه، قاله الحاكم، وعلق شيخنا قال: هو حديث حسن، حسن شيخنا هذا الحديث. ثم ذكر أيضاً شيخنا مثالاً آخر بكرامات الأولياء، وهو حديث عمران بن حسين، أنه قال للمطرف: قال له: أحدثك حديثاً، أحدثك حديثاً، عسى الله أن ينفعك به، عسى الله أن ينفعك به. وهذا من نشر العلم، وهذا أيضاً أسلوب من أساليب التعليم، أن يقول الشيخ للطالب: أحدثك حديثاً، أو أعرض عليك مسألة ينفعك الله بها، وهذا فيه تشويق، تشويق لأخذ هذه المسألة أو ذاك الحديث، وتشويق الطالب حتى يعتني بأخذ هذا الحديث أو بأخذ تلك المسألة. قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حجة وعمرة، ثم لم ينهى عنه حتى مات، ولم ينزل، ولم ينزل فيه قرآن يحرمه، يعني: الجمع بين الحجة والعمرة. وقد كان يسلم علي حتى اكتويت، قال: وقد كان يسلم علي حتى اكتويت، فتركت، ثم تركت الكي فعاد. علق شيخنا رحمه الله تعالى بقوله: والمراد إنه كان يسلم علي، يعني: قول عمران رضي الله تعالى عنه: إنه كان يسلم علي، أي: أن الملائكة كانت تسلم عليه، أن الملائكة كانت تسلم عليه، فلما اكتوى تركت الملائكة السلام، فلما ترك الكي عادت فسلمت عليه. انتهى كلام شيخنا رحمه الله تعالى. ووجه الشاهد من هذا الحديث ظاهرة، وهو تسليم الملائكة على عمران بن حسين رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهذه كرامة أكرم الله عز وجل بها هذا الصحابي الجليل. وبهذا نكون قد انتهينا مما أردنا ذكره في هذه الدروس، مختصر كرامات الأولياء، وبهذا نكتفي. وأما ليلة غد إن شاء الله تعالى فهي الليلة الختامية لهذه الدورة، وسيكون ختام هذه الدورة بمحاضرة لإخواننا المشايخ الفضلاء ممن درسوا في هذه الدورة، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في الدين وأن يعلمنا التأويل، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر