التعليق على العقيدة الطحاوية 66

الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 66، ألقاها

التعامل مع المؤمنين المحسنين والمسيئين

ينبغي للمسلم أن يرجو عفو الله للمحسنين ويستغفر للمسيئين مع الأخذ بالأسباب من التوبة والعمل الصالح. كل مؤمن يحتاج إلى عفو الله تعالى ويمكن السعي في ذلك من خلال الأعمال الصالحة والمكفرات.

أهمية التقوى واتباع الأخلاق وخطورة الأمن من مكر الله

التقوى والأخلاق الحسنة أساس لنيل عفو الله، والأمن من مكر الله خطير حيث يمكن أن يُحبَط العمل بسبب الرياء أو السيئات. يجب الحفاظ على الإخلاص واجتناب السيئات.

تحذير من تأثير السيئات على الحسنات

السيئات الكبيرة قد تُبطل الحسنات، لذا يجب الحفاظ على الحسنات واجتناب السيئات الكبيرة التي قد تُفقد الإنسان حسناته. الله تعالى ضرب مثلًا لرجل أحبط الشيطان عمله الصالح.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم. أما بعد، لازلنا في قول المؤلف -رحمه الله- نرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفوا عنه ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم، نخاف عليهم ولا نقنطهم. وهذه العقيدة ينبغي للمسلم أن يطبقها في نفسه، وكذلك فيها الإيمان، فإن المسلم والمؤمن من سرته حسنته وساءته سيئته، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «فالمؤمن يفرح بالحسنة -أي بالطاعة- وكذلك تسوءه السيئة إذا فعل معصية»، سوءه هذا هو المؤمن، كما جاء في حديث عمر -رضي الله عنه-: «المؤمن من سرته حسنته أو من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن». وكذلك أيضًا يكون مع أهل الإيمان، فنرجو للمحسن أن يعفو الله عز وجل عنه، وكذلك المسيء. وأيضًا قد يكون هذا المحسن ليس عنده أخطاء ظاهرة، ليس عنده أخطاء ظاهرة. وكذلك أيضًا لأن الإنسان لا يسلم من الخطأ إلا من عصمه الله جل وعلا. ولهذا جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمر أن أبا بكر الصديق لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «علمني دعاء أدعو به في الصلاة»، قال له: «قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا وأنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك ورحمني إنك أنت الغفور الرحيم». فهذا الدعاء علمه النبي صلى الله عليه وسلم لمن؟ للصديق -رضي الله عنه- الذي قد كمل اتباعه وطاعته، كمل اتباعه وإخلاص لله جل وعلا، وصار صديقًا كما قال الإمام أحمد بن حنبل: «أن الصديق من كمل اتباعه وكمل طاعته»، فهذا الدعاء قاله النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق، فدل على أن كل مؤمن يحتاج إلى أن يعفو الله عنه، ليس المسيء فقط. وكذلك أيضًا من ناحية أن المسلم يسعى في عفو الله جل وعلا، يسعى في عفو الله جل وعلا عليه، ومن ذلك طرق كثيرة، ومنها التوبة والرجوع إلى الله، ومنها عمل الحسنات، ومنها أيضًا المكفرات، وغيرها من الأشياء التي يفعلها العبد فيعفو الله عز وجل عنه، عن بعض الحسنات تذهب السيئات، كما قال الله عز وجل: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا * وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾، وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ -كما في الترمذي-: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». فهذه أيضًا الأشياء التي ذكرت من الأشياء التي يسعى العبد إلى عفو الله عز وجل بها: تقوى الله جل وعلا، وكذلك اتباع السيئة الحسنة، وكذلك أيضًا التخلق بالأخلاق الحسنة. قال: «ولا نأمن عليه ولا نشهد لهم بالجنة»، أيضًا هذا أيضًا يكون للنفس أيضًا، لا يأمن الإنسان على نفسه، لا يأمن الإنسان على نفسه بل يخاف. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم جاء عنه في الصحيحين في حديث أنس أنه قال عليه الصلاة والسلام: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا»، حتى غض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤوسهم ولهم خنين. وأيضًا جاء كما ذكرنا قبل في حديث أم العلاء قول النبي صلى الله عليه وسلم: «والله ما أدري، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم». وهذا كما قلنا قبل أن ينزل قول الله عز وجل: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، فلهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وأما غيره وهو داخل في هذا: «والله لا أدري، والله لا أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم»، فلهذا لا يأمن الإنسان أن يأتي يوم القيامة وليس معه شيء، ويبدو له من الله ما لم يكونوا يحتسبون. الإنسان في هذه الدنيا يأمن على نفسه أنه عنده حسنات، عنده صلاة، عنده كذا، عنده كذا، فيأتي يوم القيامة ويجد هذه الحسنات لا شيء، إما أنه لم يؤديها على ما أرادها الله عز وجل، أو أنها كانت رياء وسمعة، أو أنها أيضًا جاءت بسيئات أبطلت عليه هذا العمل. مثلًا صلاة، نبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصحيحين حديث بريرة، قال: «من ترك صلاة العصر متعمدًا فقد حبط عمله». فهذا إن قلنا أن المراد أو أن تارك الصلاة هذه الواحدة كافر، فهذا لا إشكال فيه. وإن قلنا أنه ليس بكافر وترك الصلاة متعمدًا وهو ليس بكافر، فهذا يحمل على أنه يحبط عمل الصلاة. وكذلك الذي يأتي بالربا أيضًا يحرم ما يكون من عمل أو من عمل يواجه ذلك العمل، أو يكون له جهد مثل ما قالت عائشة -رضي الله عنها- لما ذكر عن زيد بن أرقم أنه رابى، قالت: «أخبر زيدًا أن جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد ذهب، أنه إذا كنت تسترابي»، فالجهاد يذهب عليه. وإن كان هذا الحديث فيه تلك المرة زوجة أبي سحاق السبيعي، وقد اختلف أهل العلم فيها، ومنهم من قال أنها مجهولة، ومنهم من قال أنها يقبل حديثها. والمهم أن من عمل سيئة كبيرة عظيمة قد تذهب عليه حسنات كثيرة. والذي قرره كثير من أهل السنة أنه ليس هناك سيئة ليست كفرة تذهب الحسنات كلها، لكن هناك من السيئات ما يذهب جانب من الحسنات ما يكون مناسبًا له، يذهب جانب من الحسنات التي معها. فلهذا فالإنسان الواجب عليه أن يحافظ على الحسنات، لا يجعل هناك ما يذهب هذه الحسنات. ولهذا قد يأتي الإنسان يوم القيامة وليس معه هذه الحسنات التي يظنها. وقد قال الله عز وجل: ﴿يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾، أن هذا مثل ضربه الله عز وجل -كما في البخاري عن عمر-، مثل ضربه الله عز وجل لرجل عمل الصالحات، لكن أتاه الشيطان وصرفه عن هذا، عن هذه الطاعة، صرفه إما إلى ردة وإما إلى غيرها، لكن إلى دنيا. فقال: «فجاءه الشيطان فصرفه عن هذه الطاعة فأحرقت كل الحسنات التي معه»، أنا مثل هذا صاحب المزرعة الذي عنده مزرعة وقد شقى فيها، لكنه كبر ولم يستطع أن يعمل فيها، ثم جاء بعد ذلك أيضًا نار فأحرقت هذه المزرعة عليه، أنا ذهب عليه ما كان يعمل. وهذا صاحب العمل الصالح أيضًا يعمل صالحات، ثم أنه يأتيه الشيطان ويصرفه عن هذا الخير، فيذهب ما كان معه من الحسنات. وهذا أمر عظيم لا يعلم الإنسان على نفسه مثل هذا، فهذا شيء ما يذكر في هذا المقام، فنكتفي به والله تعالى أعلم.

شاركنا على