شرح كتاب لم الدر المنثور 86

الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 86، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

حكم السلف في معرفة حال المرء بقرينه وجليسه

نقل السلف كيونس بن عبيد وحماد بن زيد والإمام أحمد أن الشاب يُعرف بخير ما دام يجالس أهل السنة، فإذا صاحب أهل البدع عُدّ عاطلاً وهالكاً. ويحثون على عدم اليأس من الشباب ذوي المنكرات ما لم يجالسوا المبتدعين مع ضرورة الصبر والنصيحة لهم.

فضل التوفيق لصحبة أهل السنة وأثره في تصحيح العبادة

من أعظم النعم على الشاب والأعجمي التوفيق لصاحب سنة يحملهما على التنسك الصحيح القائم على الكتاب والسنة والإخلاص. وسعادة الحدث والأعجمي في لقاء علماء أهل السنة الذين يعلمونهم الحلال والحرام ويحمونهم من أهل الأهواء لأن العبادة لا تصح إلا بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.

لزوم سنة النبي وطريقة أهل السنة والجماعة والثبات عليها

التمسك بسنة رسول الله وطريقة أهل السنة نعمة عظيمة تستوجب الشكر والدوام، وهو طريق الأنبياء المليء بالابتلاءات والمكاره المحفوف بمنازعات النفس والشيطان. وينصح بلزوم علماء السنة وطلبة العلم الناصحين والأخذ بتوجيهاتهم للثبات على الدين حتى لقاء الله.

دعاء الاستغفار والتوبة بعد الصلاة ومشروعيته

يذكر المقطع صيغة تسبيح واستغفار وتوبة يرددها المسلم بعد الصلاة متضمنة تنزيه الله وحمده وشهادة التوحيد. ويطلب فيها العبد المغفرة والرجوع إلى الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: عُقد لنا بهذا الباب من كتاب «الدر المنثور في القول المأثور» للشيخ جمال -حفظه الله- ونحن في الباب السادس والثلاثين: في حكم السلف على المرء بقرينه وجليسه. وذكر مجموعة من الآثار في هذا الباب، أيضًا ما تقدم من الأحاديث النبوية في هذا الباب، وأن المرء يعتبر بجليسه وممشاه. فإن كان جلساؤه وأيضًا ممشاه مع أهل السنة والجماعة، فيُفهم له به. وهكذا أيضًا إن كان العكس من ذلك، بأن تكون مجالسته وأيضًا ممشاه وألفته مع أهل الأهواء والبدع، فيُفهم له بأنه منهم. قال -حفظه الله-: وقال حماد بن زيد -رحمه الله-: قال لي يونس: «يا حماد، إني لأرى الشاب على كل حالة منكرة، ولا آيس من خيره حتى أراه يصحب صاحب بدعة، فعندها أعلم أنه قد عطب». يقول يونس -رحمه الله-، يونس الإمام المشهور من المحدثين الكبار، يقول لحماد بن زيد، وحماد بن زيد أيضًا من المحدثين الكبار، روايته في الصحيح. قال طالب علم: «إتي حماد بن زيد، يُطلب العلم منه». ثم قيده بقيد: لا كجهم، وكثير، وعمر بن عبيد. يقول لتلاميذه: «يا حماد، إني لأرى الشاب على كل حالة منكرة، لكن ما أيأس منه». ولو كانت عنده بعض المعاصي وكذلك المنكرات، لا نيأس منه ومن خيره. فكل إنسان عنده من الخير، لكن يحتاج إلى تشجيع. بعض إخواننا ما يحتاج إلى تشجيع، فلا تيأسوا. يعني يكون عنده قصور، يكون كذلك عنده بعض الأشياء المنكرة التي لا ترضاها فيه، سواء كان هذا الشخص ابنك، أو كان أخاك، أو كان كذلك صديقًا لك، أو غيرهم من الناس، ممن تحبه. يكون عنده شيء من القصور أو من المنكرات التي يعملها، لكن لا تيأس. فعنده الخير موجود، يحتاج فقط إلى تنبيه، يحتاج إلى نصيحة، يحتاج إلى تشجيع، يحتاج إلى من يقف معه. فهكذا لا نيأس من أبنائنا، ولا من إخواننا، ولا من أصحابنا، ولا من الناس، ما دام أنه لا يصحب مبتدعًا، ولا يجالس أهل الأهواء والبدع. وإن كان سمعنا عنه بعض الأشياء، لا نيأس منه، نظل معه ونقف معه حتى يستقيم. أن الشباب هذه فترة، فترة الشباب هذه تحتاج إلى عناية خاصة ورعاية خاصة. فالشباب عندهم تسرع، غالبًا عندهم تسرع، وأيضًا موجود في الشباب كما يقال الطيش وتضييع الأوقات. وهكذا أيضًا يحبون أن يتمتعوا بمتع الحياة، لخلاف الكبار؛ لأن ذهبت عنهم، ذهب عنهم فوان الشباب، فإنه قد ذهب هذا عنهم. لهذا يرون ما لم يره الشاب، قد مروا بتجارب. لهذا نظل مع أبنائنا وإخواننا، لا نيأس من خيرهم، فالخير متأصل موجود فيهم. لهذا يحتاج إلى فقط إحياء، يحتاج إلى تنشيط، يحتاج إلى أننا نصبر، نصبر عليهم حتى يستقيموا على شرع الله، ونظل نناصح، نظل نناصح لهم، والهداية والتوفيق بيد الله سبحانه وتعالى. فيقول يونس: «يا حماد، إني لا أرى الشاب، ولا أيأس من خيره، وعنده حالات منكرة، لكن إذا رأيته يصحب أصحاب البدعة، والعياذ بالله، ويجالسهم، ويكون معهم الأهواء والبدعة، قال: هنا أعرف أنه قد عطب». هذا قد عطب، يعني قد خرب. عطب: معناه الخراب. فهذا الشاب يخرب بمجالسته لهؤلاء. قال أبو الفرج الشيرازي -رحمه الله-، من أصحاب أحمد، في كتاب «التبصرة»: قال أحمد بن حنبل: «إذا رأيت الشاب مع أهل السنة والجماعة، فارْجُ، وإذا رأيته مع أصحاب البدعة، فَيَئِسْ منه. وإن الشاب على أول نشوئه». هذا كلام الإمام المبجل، إمام أحمد -رحمه الله-، يقول: إذا رأيت الشاب، الأصل فيه أنه مع أهل السنة عند نشوئه، فهذا خير، أرجو، يعني أرجو الخير الذي فيه، ما دام في محيط ودائرة أهل السنة والجماعة. فنرجو منه الخير لأنه قد سمع كلام أهل السنة والجماعة، ونشأ في محيط أهل السنة والجماعة، فيرجى فيه الخير والاستقامة والصلاح. لهذا نظل معه، ما دام أنه مع أهل السنة والجماعة، وهذا الخير متأصل فيه. وأما إن كان العكس، هذا الشاب من أول نشوئه مع المبتدعة، مع أهل الأهواء والبدع، يا ذنب الله، هذا صعب أنك تهديه للصراط المستقيم، هذا من الصعوبة بمكان. لهذا تيأس منه، تيأس من هذا النوع، فاحذر من هذا النوع، وارجُ النوع الآخر، يعني أرجو أنه يقبل، وأنه ينتفع، وأنه يسمع، ما دام أنه نشأ مع أهل السنة والجماعة. قال عبد الله بن شوذب القُرَشِي -رحمه الله-: «من نعمة الله على الشاب والأعجمي إذا تنسكا أن يوفقا لصاحب سنة يحملهما عليها». تنسكا: يعني تعبدا. من نعمة الله عليك أيها الشاب، وكذلك أيها الأعجمي الذي هديت إلى دين الإسلام ودخلت فيه، أنك تنشأ مع أهل السنة. هذه والله من أعظم النعم. إذا دلَّك الله سبحانه وتعالى ووفقك إلى طريق أهل السنة والجماعة، تنشأ عبادتك على صلاح وعلى خير. عبادتك تكون صحيحة لأنهم يدلونك على خير. توفق لصاحب سنة يحمل على أداء السنة والعبادات كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم-. هذه نعمة أراد الله عز وجل بك الخير، أيها الأعجمي وأيها الشاب، أن تنشأ بين أحضان أهل السنة والجماعة. هذه اعتبرها نعمة من الله وتوفيق من الله سبحانه وتعالى، بأن وفقك وسَرْتَ على الصراط المستقيم، وصارت عبادتك صحيحة. لأن مبنى العبادات على التوقيف، العبادة على: قال الله، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. شرطان في قبول العبادة: أن تكون على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، مع الإخلاص. إذن ربما يوجد شرط ولا يوجد الآخر. ربما تجد هؤلاء الزهاد، ومن يقال لهم العباد وأهل التصوف وغيرهم، يكثرون من العبادة، وعندهم ربما إخلاص شديد في هذا، وحب شديد، لكن ما يوفقون للعمل بالسنة، للعمل بسنة النبي -عليه الصلاة والسلام-، ما كان عليه -عليه الصلاة والسلام-. فأنت توفق للخير عند إخوانك، عند من يقول: قال الله، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يعلمك في هذه المجالس. فهو قال: «يعلمك الحلال والحرام، كيف تصلي، كيف تزكي، كيف تحج، كيف تصوم». والله ما عرفنا هذا إلا بمجالسة أهل السنة والجماعة، مجالسة العلماء والمشايخ، وحلق الذكر، وحلق الذكر في بيوت الله عز وجل، في مراكز للسنة والجماعة. فإذا كنت شابًا، فمن نعمة الله عز وجل عليك إذا وفقت لمن؟ لصاحب سنة يحمل على التنسك الصحيح، العبادة الصحيحة. كذلك أيها الأعجميون الذين جئتم من بلادكم إلى بلاد الإسلام لتتعلموا دين الله، لتعلموه على الطريقة الصحيحة، وهي طريقة أهل السنة والجماعة في الاعتقاد والعبادات والمعاملات والأخلاق، في كل شيء في دين الله سبحانه وتعالى. هذا كلام عبد الله بن شوذب -رحمه الله تعالى-: «من نعمة الله على الشاب والأعجمي أنه يوفق لصاحب سنة يحملهما على التنسك في العبادة، التنسك الصحيحة». قال أيوب، وهو أيوب بن أبي تميمة السختياني، وكان شديدًا على أهل الأهواء والبدع: «إن من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهم الله لعالم من أهل السنة والجماعة». الحدث: صغير السن. يقول أيوب -رحمه الله-: هذا أيضًا من النعم، أيها الصغير، سواء كنت صغيرًا في السن، أو كذلك قليلا في العلم، وتعتبر صغيرًا بالنسبة للكبار، أي الذين عندهم علم غزير وعلم كثير. فأنت توفق لصاحب سنة، لعالم سنة، يعني يدلك على الخير. يعني حماد بن زيد من تلاميذ أيوب، من تلاميذ أيوب بن أبي تميمة السختياني، كان دائمًا يأخذ بيده، إذا رآه مشى مع فلان، يأخذ بيده ويقول: «لا تمشِ مع فلان، هذا فلان صاحب هوى، صاحب بدعة، احذر». يقول: «احذر منه». وكان يدله على الطريق الصحيح. لأن الإنسان ربما ما يعرف أولئك الحزبيين، وما يعرف كذلك أهل الأهواء ممن دخلوا بلباس السنة. فأنت إذا وفقت لعلماء السنة والجماعة، عرفت، فلزم طريقهم. هذه نعمة من الله سبحانه وتعالى، والنعم تحتاج إلى شكر، ومن شكر النعم الدوام عليها، وعلى طاعة الله سبحانه وتعالى. يعني أنت تمشي على هذا الطريق الصحيح، نسأل الله سبحانه وتعالى من فضله، سَعَةً وكرمًا، أن يوفقنا وإياكم للزوم سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وللمشي كذلك على طريقة أهل السنة والجماعة، طريقة العلماء. الله الله في طريقة أهل العلم، فأهل العلم هم ناصحون، أهل العلم ناصحون، يدلونك على الخير، لأنهم عرفوا السنة فلزموها وعملوا بها وحفظوها، فهم أيضًا يدلون غيرهم على الطريق الصحيح. أنت إن ناصحت عالمًا من علماء السنة، يعني أنك استشرته، أو كذلك طالب علم استشرته في أمر من الأمور التي تهمك في طريقك ومنهجك، فأرشدك إلى الخير، ودلك على العلماء، فهذه نعمة نصيحة، هذه نعمة نصيحة، فخذ بها. أراد الله عز وجل بك الخير، أراد الله سبحانه وتعالى بك الخير، أن تسلك هذا الطريق. هذا الطريق يا إخوان، ما هو سهل، لا يظن أنه طريق سهل، لأنه طريق الأنبياء، وطريق الأنبياء الله سبحانه وتعالى جعله طريق ابتلاء. لهذا قال: «يُبتلى الرجل على حسب دينه». النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه قوة وصلابة، ابتلي على حسب دينه». وهكذا هذا طريق الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، فقد ابتلي الصحابة والتابعون وأتباع التابعين. وهكذا هذا الطريق يكون محفوفًا بالمكاره. طريق الجنة، فما باله؟ هذا الطريق إلى الجنة محفوف بالمكاره. أنت تمشي على طريق، والكل ينازع فيه لأجل أن تخرج وتحيد عنه. وقد رسم النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك بحديث ابن مسعود: «هذا صراط الله، وهذه السبل، حولها سبل، على رأس كل سبيل شيطان، شيطان إنسي، ولا شيطان جني، في شياطين الجن، وفي شياطين الإنس، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا». فالكل ينازعك: نفسك تنازعك، الشيطان ينازعك، قرينك، المجتمع من حولك، من أجل أن لا تتمسك بالسنة، ولا تعمل بها، ولا تمشي طريقة أهل السنة في المعتقد وغيره. فأنت الآن في طريق، يُعرف أنه طريق الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، طريق نبينا -صلى الله عليه وسلم- الذي رسمه لأصحابه أن يمشوا عليه حتى يلقوا الله عز وجل، حتى يلقوا الله عز وجل يمشوا على هذا الطريق. فإذا وُضعت على هذا الطريق، سِر عليه، سِر عليه، وتمسك به، وعض عليه بالنواجذ. فسيأتيك المنازعون والمخاصمون الذين يريدونك أن تحيد عن هذا الطريق، وأصحاب السوء، والأصحاب الذين ربما يكونون، والعياذ بالله، غير ناصحين لك. يأتيك إنسان ما تعرف مداخله ومشاربه وغير ذلك، يأتيك ليدلك على الطريق الآخر: «اخرج من هذا المكان، هذا المكان ما فيه خير، هذا المكان كذا، هناك عندنا، أو هناك في مكان فلان كذا وكذا». يأتي ويسوسك، هذا الشيطان الإنسي، لكي تخرج عن هذا الطريق المرسوم، الطريق الصحيح، طريق العلم النافع: قال الله، وقال رسوله -عليه الصلاة والسلام-. فأنت توفق من الله سبحانه وتعالى إذا لزمت أهل السنة والجماعة. لمن سعادة الحدث والأعجمي أن يوفق لعالم سنة. ما هو شرطًا يكون عالمًا كبيرًا من علماء السنة، فهذا خير وبركة. يكون عالمًا عندك تسمع له وتأخذ عنه العلم النافع. كذلك ممن هم على طريقة العلماء من طلاب العلم، من الدعاة إلى الله عز وجل، أيضًا على هذا الطريق يمشون، فأنت أيضًا توفق بهم بإذن الله سبحانه وتعالى، وخذ بنصائحهم، لعل الله عز وجل أن يوفقك للثبات على هذا الدين. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يشهدنا، وأن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. نكون بهذا انتهينا من هذا الباب العظيم، وهو الباب الذي فيه أن المرء يعتبر بجلسه، أن المرء يعتبر بجلسه وبممشاه وبألفته. لهذا تألف وتجالس وتماشي أهل السنة والجماعة، أهل السنة والجماعة تكون منهم، والمرء مع من أحب، كما قال نبينا -عليه الصلاة والسلام-. نكتفي بهذا إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.