التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 16

الدرس في التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 16، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

الاستسلام لأمر الله وترك اتباع الهوى

يشرح الشيخ عثيمين أهمية الاستسلام لأمر الله وترك اتباع الهوى، ويبين أن الإنسان يجب أن يكون نشيطا في طاعة الله وكسولا في معصيته. يحذر من الاحتجاج بالقضاء والقدر لارتكاب المعاصي.

الاحتجاج بالقدر على فعل الذنوب والمعاصي وتحليل بطلانه

يشرح كيف أن الاحتجاج بالقدر على فعل الذنوب يعتبر كذبا ودعوة باطلة، حيث إن الإنسان لا يقبل هذا الاحتجاج من غيره عند تعرضه للأذى. يبين أن هذا الموقف غير متسق مع رفض الإنسان لتحميل الآخرين مسؤولية أفعالهم.

موقف المسلم من القدرية والجبرية وتبرم المؤمن بقضاء الله

يشرح معتقدات القدرية والجبرية ويبين موقف المسلم منهم، حيث يؤمن المسلم بأن الله له القدرة والإرادة في أفعال العباد. يحذر من تبرم المؤمن بقضاء الله، حيث يفك ما عقده الشرع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله في قصيدته الميمية: «وعند مراد الله تفنى كميت، وعند مراد نفسي تسدي وتلحم». قال العالم عثيمين رحمه الله: قوله «عند مراد الله»، وذلك شرعا لا قدرا، يعني عند الذي يريده الله منك شرعا، وما يريده الله سبحانه وتعالى شرعا هو مما يحبه ويرضاه، مما أمر الله عز وجل به من الفرائض والواجبات والنوافل والمستحبات. قال: قوله «تفنى كميت»، يعني لا تتحرك، فعند الأمر لا تأتمر، وعند النهي لا تنتهي، والله عز وجل يريد من عبده أن يأتمر بأوامره، وأن ينتهي عن نواهيه، وأن يفعل الواجبات، ويترك المحرمات، ويقبل على الطاعات، ويجتنب المنهيات، فهو عند الأوامر كالميت الذي لا يتحرك. قال: وقوله «عند مراد النفس تسدي وتلحمه»، أي أنك تكون كالذي ينسج نسيجا من أحسن ما يكون، لأن السدى واللحمة يكونان في الثوب الذي يأخذون الغزل وينسجونه حتى يصير محكما. فالسدى من الثوب خيوط نسيجه التي تمد طولا، والمقصود أنه عند مراد نفسه وهواه فإنه شديد الحركة، شديد الحركة والانطلاق والسرعة وعدم التثبط والتكاسل، لكن عند الطاعات كسول، كالميت، وعند هوى النفس ومراد النفس وشهوات النفس فإنه سريع، وكذلك يقبل عليها إقبالا كليا. ثم قال رحمه الله: «وعند خلاف الأمر تحتج بالقضى ظهيرا على الرحمن للجبر تزعم، تنزه منك النفس عن سوء فعلها، وتعتب أقدار الإله وتظلم». قال رحمه الله: قوله «عند خلاف الأمر تحتج بالقضاء»، أي وعندما تخالف أمرا من أمر الله تقول: هذا قضاء وقدر، فإذا أشركت مثلا تقول: هذا قضاء وقدر، وإذا زنيت تقول: هذا قضاء وقدر، وإذا شربت الخمر تقول: هذا قضاء وقدر، يعني تستدل بالقدر على فعل المعاصي، تقول: مقدر علي، قدر الله علي أن أزني، قدر الله علي أن أسرق، قدر الله علي أن أشرب الخمر، قدر الله علي أن لا أصلي، وهكذا عند فعل الذنوب والمعاصي، فتحتج بالقدر. قال: وقوله «ظهيرا على الرحمن للجبر تزعم»، أي تجعل القضاء معينا تحتج به على الله، فكأنك تقيم الحجة على ربك وتقول: يا ربي أجبرتني، فهو يعني عند باب المعاصي جبريا يحتج بالقدر كالجبرية الذين قالوا بأن العبد ليس له اختيار ولا إرادة، فهو يفعل ما يفعل مجبورا على ذلك، الله عز وجل جبره على فعل هذه الذنوب والمعاصي. فهكذا حال كثير من الناس الذين يفعلون الذنوب والمعاصي، فإذا كلمه ونصحه قال: قدر الله علي، قدر الله علي أن نفعل هذه الذنوب والمعاصي، ويحتج بالجبر على ما يفعل من الذنوب والمعاصي. قال: وقوله «تنزه منك النفس عن سوء فعلها»، أي تقول: هذا القضاء والقدر هو الذي جعلني أظلم، وهو الذي جعلني أكذب، وهو الذي جعلني أسرق، إلى آخره. وهل لا يحتجه على القضاء والقدر بفعل الطاعات؟ لماذا ما يفعل الطاعات ويلتزم بها ويواضب عليها؟ ويقول: قدر الله علي أن أصلي، قدر الله علي أن أصوم، قدر الله علي أن أحافظ على الطاعات؟ إذن هو كاذب في دعواه الجبر في فعل المعاصي. وهذا المدعي بأنه مجبور على فعل الذنوب والمعاصي لو أن إنسانا جاء فلطمه وأخذ ماله وقال: أنا مجبور، قدر الله علي، هل يقبل هذا؟ ما يقبل، ربما قائمه ضارب. طيب كيف تحتج بالجبر أنك مجبور في فعل المعاصي وفي فعل الذنوب؟ وإذا قابلك أحد بمثل هذا الادعاء لم تقبل منه، هذا يدل على كذب هذه الدعوة وهذا الاحتجاج. قال رحمه الله: هذا حال كثير من الناس يكون جبريا في المعاصي، قدريا في الطاعات، فإنه إذا فعل المعصية قال: هذا من الله، فأنا مجبر، يعني على فعل المعصية، أنا مجبور على فعل المعاصي. قال: وإذا فعل الطاعة قال: هذا مني، فيكون قدريا في الطاعات. ووجد ذلك أن القدرية يقولون: ليس لله جل وعلا قدرة ولا إرادة في فعل العبد، وإنما العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، فنفوا أفعال الله سبحانه وتعالى وخلق الله عز وجل لأفعال العباد، ونفوا كذلك أن يكون لله جل وعلا مشيئة في فعل العبد. والجبرية نفوا المشيئة عن العبد، فقالوا: ليس له مشيئة، وإنما هو مجبور على أفعاله، على ما قدره الله عز وجل، كحال الأوراق التي تذروها الرياح يمينا وشمالا. قال: فيكون قدريا في الطاعات، وذلك لأن القدرية تقول: إن الإنسان مستقل بعمله، ولا دخل لله فيه. والواجب على المسلم أن يكون مطيعا لله جل وعلا، ومقبلا على فعل ما يحب الله عز وجل، مجتنبا عما نهى الله سبحانه وتعالى، وأن يكون في هذا الباب سنيا سلفيا، لا قدريا ولا جبريا. فهو يؤمن بأنه ما من شيء يقع في هذا الكون إلا بإرادة الله ومشيئته، وأن كل شيء قد خلقه الله سبحانه وتعالى وشاءه، كما قال عز وجل: ﴿إن كل شيء خلقناه بقدر﴾، وقال عز وجل: ﴿خلق كل شيء فقدره تقديرا﴾، ومن ذلك فعال العباد، فهي مخلوقة لله سبحانه وتعالى، لقوله عز وجل: ﴿الله خلقكم وما تعملون﴾، الخير والشر كله من خلق الله، لكن العبد هو الذي يباشر فعل الشر، فلا ينسب الشر إلى الله عز وجل، وإنما ينسب إليه خلقا وإيجادا، وأما فعلا فهو من فعل العبد. ثم قال رحمه الله: «تحل أمورا أحكم الشر عقدها، وتقصد ما قد حله الشر تبرم»، يعني رحمه الله أن هذه معاكسة تامة، فأنت مخالف لأمر الشارع في النهي والأمر، فأنت في الواجبات التي أحكمها الشر وأمر بها تذهب تحلها وتفكك عقدها، وفي المحرمات تضيع ولا يهمك ارتكاب ما حرمه الشارع. «تحل أمورا أحكم الشر عقدها»، يعني المحرمات والمعاصي والذنوب التي أمر الشر باجتنابها ونهى عن قربانها وعن فعلها، فأنت تحلها وتفعلها ولا تبالي. «وتقصد ما قد حله الشر تبرم»، فتبرم وتفك ما قد أمر الشر بعقده والاهتمام به. صلى الله وسلم على نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين.