الدرس في التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 11، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح المقطع عدم وجوب غسل القدمين عند المشي حافيا إذا كانت الأرض نظيفة، مستندا إلى أقوال أهل العلم. هذا يدل على التيسير في الشريعة الإسلامية.
يتناول آراء بعض الصحابة والتابعين حول غسل القدمين بعد المشي في الطين أو النجاسة، حيث تختلف الآراء بين وجوب الغسل وعدم وجوبه حسب حالة النجاسة.
ذكر أن بعض الصحابة والتابعين كانوا يمشون على النجاسات اليابسة دون غسل قدميهم، بينما مخالفة السنة تؤدي إلى التشديد والتيسير في الشريعة يعد من هدي النبي عليه الصلاة والسلام.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه «مكائد الشيطان»: فصل، ومن ذلك أشياء سهل فيها المبعوث بالحنيفية السمحة، فشدد فيها هؤلاء، يعني جاء فيها التسهيل في الشريعة مما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وعدم التشديد في هذا الشيء، فشدد هؤلاء المسوسين على أنفسهم، وأوقعوا أنفسهم في الحرج وفي المشقة. قال: فمن ذلك المشي حافيا في الطرقات، ثم يصلي ولا يغسل رجليه. فقد روى أبو داود في سننه عن امرأة من بني عبد الأشهل، قالت: قلت يا رسول الله، إن لنا طريقا إلى المسجد منتنة، فكيف نفعل إذا تطهرنا؟ فقال: «أليس بعدها طريق أطيب منها»، يعني طريق طاهرة نظيفة، قالت: قلت بلى، قال: «فهذه بهذه». وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي، ومثله عن أم سلمة، يعني جاء كذلك من حيث أم سلمة، وفي بعض الروايات قال: «يطهره ما بعده». والحديث صحيح. فهذا يدل على أنه لا يلزم الإنسان إذا مشى حافيا، أو كذلك المرأة إذا أصاب ثوبها شيء من القذارة أو النجاسة، فإنه يطهره ما بعده من الأرض النظيفة، وهكذا قدمه لا يلزمه أن يغسلها إذا مر يعني برطوبة، ثم مر بأماكن يابسة، فهذا يكفي في تطهير القدم. قال عبد الله بن مسعود: كنا لا نتوضأ من موطئ، يعني مما تطؤه القدم، لا نتوضأ، الوضوء هنا يعني الغسل، يعني لا نغسل الموضع الذي نطأه بأقدامنا. وهذا الأثر رواه أبو داود والترمذي، والمعنى كما سمعنا أنهم لا يغسلون أرجلهم من الطين ونحوه. قال إمام الترمذي رحمه الله: وهو قول غير واحد من أهل العلم، قالوا: إذا وطئ الرجل على المكان القذر، أنه لا يجب عليه غسل القدم، إلا أن يكون رطبا فيغسل ما أصابه. نعم، بل حتى إذا كان رطبا ومر على المكان اليابس وذهب أثر الرطوبة، فهنا لا يلزمه غسله، إلا إذا بقي أثر الرطوبة فنعم. قال: وعن علي رضي الله عنه أنه خاض في طين المطر، ثم دخل المسجد، فصلى ولم يغسل رجليه. طبعا هذا إذا كان المسجد يعني مفروشا بالحصى أو الرمل، بحيث أنه لا يتضرر تتضرر الأرض بدخوله إلى المسجد وفيه شيء من أثر الطين. أما إذا كان مفروشا بالفرش كالمساجد اليوم، فإنه يغسلها لا من أجل النجاسة، ولكن من أجل النظافة، حتى ما يلوث الفرش بالطين التي تكون في قدمه. قال: وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن الرجل يطأ العذرة، العذرة يعني النجاسة، قال: إذا كانت يابسة فليس بشيء، وإن كانت رطبة غسل ما أصابه، يعني ما يلزمه أن يعيد الوضوء إذا كانت هذه العذرة يابسة. قال: «فليس بشيء»، يعني ما يضره، ما يضره لا يلزمه غسل القدم، وإن كانت رطبة فهنا قال: يغسل ما أصابه، يعني من قدمه فقط، ما يحتاج أن يعيد الوضوء كاملا كما يفعل المسوسون فيما هو أدنى من ذلك. بل أعرف بعضهم أو أحدهم ربما يمر فيرى النجاسة نجاسة كرجيع الكلب، يرى من بعيد، ويمر من بعيد، وربما يعيد الوضوء، يعيد الوضوء. طيب هذه الآن نجاسة بعيدة، وليست يعني بجانبك، ولا وطئتها، ومع ذلك يرى أن وضوءه انتقض. انظروا كيف يعني يتلاعب الشيطان بهؤلاء الموسوسين. فقال حفص: أقبلت مع عبد الله بن عمر عامدين إلى المسجد، فلما انتهينا عدلت إلى المطهرة لأغسل قدمي من شيء أصابهما، فقال عبد الله: لا تفعل، فإنك تطأ الموطئ الرديء، ثم تطأ بعده الموطئ الطيب، أو قال النظيف، فيكون ذلك طهورا، فدخلنا المسجد جميعا، فصلينا، يعني من غير أن يغسلا أقدامهما. وقال أبو الشعثاء: كان ابن عمر يمشي بمنى في الفروث والدماء اليابسة حافيا، يعني يطأها بقدمه، يمشي فوق الدم، وهكذا أيضا الفروث جمع فرث، يعني ما يكون في بطن الدابة من الوشيمة ونحوها، قال: ثم يدخل المسجد فيصلي فيه، ولا يغسل قدميه، ولا يغسل قدميه، يعني لكونها يابسة، فلا أثر لها، ولا مضرة في ذلك. وقال عمران بن حدير: كنت أمشي مع أبي مجلز إلى الجمعة، وفي الطريق عذرات يابسة، فجعل يتخطاها، ويقول: ما هذه إلا سودات، ثم جاء حافيا إلى المسجد، فصلى ولم يغسل قدميه، يعني فعل ذلك عمدا، حتى حتى يعلمهم ويريهم أن هذا لا يضر. وقال عاصم الأحول: أتينا أبا العالية، فدعونا بوضوء، فقال: ما لكم؟ ألستم متوضئين؟ قلنا: بلى، ولكن هذه الأقدام التي مررنا بها، قال: هل وطئتم على شيء رطب تعلق بأرجلكم؟ قلنا: لا، فقال: فكيف بأشد من هذه الأقدار يجف، فينسفها الريح، ثم في رؤوسكم ولحاكم؟ يعني أنكم لا تتحرزون من ذلك، إذا جفت هذه النجاسات، ثم حركتها الريح، فوقع شيء في رأس الإنسان أو في لحيته، هل يذهب ويغسل رأسه ويغسل لحيته؟ الجواب: لا، كأنه يقول: فكذلك إذا وطأتها وهي يابسة، فلا يضره ذلك، لأنه لا أثر لها، لا أثر لها، ولا يبقى شيء في القدم، إلا إذا كانت يعني رطبة، وبقي لها أثر، منظر لقوله: «تعلق بأرجلكم»، يعني معناه إذا ما تعلق شيء، إذا وطئت الرطب، ثم ذهب، تهب هذه الرطوبة مع أثر المشي في الأماكن الأخرى اليابسة، فلا يلزمك حينئذ ماذا أن تعيد الوضوء. فما يفعله هؤلاء المسوسون من إعادة الوضوء إذا مروا على نجاسة، بل فضلا من ذلك إذا مر بجانبها، إذا مر بجانبها، ربما يذهب ويعيد الوضوء، هذا لا شك أنه خلاف السنة، وخلاف هدي النبي عليه الصلاة والسلام، وما كان عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. وكذلك أيضا أوقعوا أنفسهم يعني في الحرج والمشقة والشدة التي هم في غنى عنها، ولم تأت الشريعة بمثل ذلك، بل هذه الشريعة يعني حنيفية سمحة، قائمة على التيسير والتخفيف، وعدم التشديد، لكن هؤلاء لما خالفوا السنة شددوا على أنفسهم، وأوقعوا أنفسهم في الحرج. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.