الدرس في كتاب الصيام 11، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ الشرح بتوضيح حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي ينهى فيه عن شد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مبينا فضل هذه المساجد. يشرح المقطع الأول هذا الحديث ويبين أهمية المساجد الثلاثة.
يتناول الشرح حكم السفر لزيارة المساجد والأماكن المقدسة مستندا إلى الحديث النبوي، ويبين أن السفر للعبادة مقصور على المساجد الثلاثة. يشدد على عدم جواز السفر لغير هذه المساجد لأجل العبادة.
يشرح هذا الجزء حكم السفر بقصد العبادة في بقاع معينة، ويبين أن هذا لا يجوز إلا في المساجد الثلاثة. كما يشير إلى جواز السفر لأسباب أخرى مثل طلب العلم والتجارة وزيارة الأقارب.
يختتم الشرح بتوضيح تحريم شد الرحال لغير المساجد الثلاثة مستندا إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤكد على هذا التحريم.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعيد رحمه الله في كتابه "منج السالكين" في كتاب الصيام: قال وقال "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد هذا، والمسجد الأقصى" متفق عليه. ومن حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وجاء نحوه في خارج الصحيح من حديث أبي سعيد، ومن حديث أبي بصرة الغفاري رضي الله تعالى عنهما، وجعا غريبا من الصحابة. هذا الحديث فيه نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن شد الرحال "لا تشد الرحال" وهذا نفي، "لا تشد" لا نافية، ويراد بها النهي، ويراد به النهي، والنفي أشد أو أبلغ من النهي. يعني ما قاله سلف "لا تشد الرحال" أو "لا تشد الرحال"، وإذا ما أتى بصيغة النفي بمعنى أنه لا ينبغي أن يقع شد الرحال إلا إلى هذه الثلاثة المساجد، فهذا فيه نهي عن شد الرحال إلى غيرها. "لا تشد الرحال" الرحال جمع رحل، والرحل هو ما يوضع على ظهر البعير، ما يوضع على ظهر البعير كالسرج التي توضع على ظهر الفرس. والمراد بذلك يعني لا يسافر الإنسان ويتهيأ للسفر. وكان السفر في ذاك الزمن بالرواحل بالإبل، فالمقصود أنه لا يشد الرحال أي لا يعزم على السفر ويتهيأ للسفر بأي راحلة وبأي مركوب يركبه، فيأخذ الزاد ويذهب للسفر إلا إلى هذه الثلاثة المساجد. "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد هذا، والمسجد الأقصى". هذه الثلاثة المساجد يجوز الإنسان أن يسافر إليها لقصد العبادة، يجوز أن يسافر إليها لقصد العبادة، يذهب يسافر إلى المسجد الحرام لأجل أن يصلي فيه هذا جائز، أو يسافر إلى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام لأجل أن يصلي فيه، أو يذهب ويسافر إلى المسجد الأقصى ليصلي فيه هذا جائز. وذلك لما لهذه المساجد من فضيلة ليس لغيرها، هذه المساجد الثلاثة هي أفضل المساجد على ظهر هذه الأرض. فالمسجد الحرام الصلاة فيه بمئة ألف صلاة فيما سواه، كما جاء في حديث عبد الله بن الزبير في مسند الإمام أحمد. ومسجد النبي عليه الصلاة والسلام الصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام. والمسجد الأقصى الصلاة فيه بخمسمائة صلاة، كما جاء في حديث أبي الدرداء عند الطبراني. فالمسجد الحرام بمئة ألف صلاة، والمسجد النبوي بألف صلاة، والمسجد الأقصى بخمسمائة صلاة، هذه الفضيلة لمضاعفة أجر الصلاة في هذه المساجد ليس في غيرها من المساجد. ولذلك أجاز النبي صلى الله عليه وسلم أن يسافر الإنسان لقصد العبادة فيها، لقصد العبادة فيها لما فيها من الأجر ومضاعفة الثواب، فهذا جائز. يسافر الإنسان للمسجد الحرام، يسافر إلى المسجد النبوي، يسافر إلى المسجد الأقصى ليصلي فيه، ليتعبد لله جل وعلا فيه. أما غيرها من المواضع ومن المساجد، لا يجوز الإنسان أن يسافر لأجل بقعة من البقع يقصده لأجل العبادة فيه، هذا لا يجوز لهذا الحديث "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد"، مفهومه أن غير هذه الثلاثة المساجد لا تشد إليها الرحال، ولا يسافر إليها الإنسان لقصد العبادة فيها. ويدل على هذا المعنى ما جاء في السنن، وصححه الشيخنا رحمه الله في صحيح المسند مما ليس في الصحيحين، أن أبا بصرة لقي أبا هريرة رضي الله عنه وقد جاء من الطور، قال: من أين جئت؟ قال: من الطور، يعني موضع الجبل الذي نادى الله عز وجل فيه موسى، قال: لو أدركتك قبل أن تذهب لما ذهبت، وفي بعض الروايات قال: لزجرتك، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد هذا، والمسجد الأقصى". يعني أنكره أبو بصرة رضي الله على أبي هريرة ذهابه إلى الطور لقصد العبادة في ذلك الموضع، واستدل بهذا الحديث. فهذا يدلنا على أن هذا الحديث عام، أنه ينهى عن الذهاب والسفر لأي موضع من المواضع وأي بقعة من البقاع لأجل العبادة إلا هذه الثلاثة المساجد. وعلى هذا فلا يجوز الإنسان أن يذهب ويسافر لأجل أن يتعبّد الله في مسجد من المساجد، أو يذهب لأجل زيارة قبر من القبور، أو زيارة ولي من الأولياء كما يفعل المتصوفة، فهذا مما لا يجوز. وهكذا أيضا غير ذلك من مقاصد العبادة في أي موضع من المواضع. تأتي شبهة يوردها المتصوفة، يقولون: كيف تقولون لا يجوز شد الرحال إلا إلى الثلاثة المساجد، وأنتم تسافرون إلى المكان الفلاني والمركز الفلاني لطلب العلم؟ أليس هذا شد رحل إلى غير هذه الثلاثة المساجد؟ فالجواب أن من شد رحله ومن سافر لأجل طلب العلم إلى بلد من البلاد أو بقعة من البقع هو لا يقصد البقعة بنفسها وبذاتها، هو لم يذهب لأجل هذه البقعة وإنما ذهب لما فيها من العلم. فلو وجد هذا العلم في غير هذه البقعة لذهب إليه، هو يسافر لأجل طلب العلم، وطلب العلم مما جاءت الشريعة بالحث عليه والترغيب فيه. وكذلك أيضا بالرحلة إليه، فيكون هذا من الأمور الجائزة التي أجازها الشرع. سفر الإنسان للزيارة لزيارة أخ في الله هذا أجازه الشريعة، لا بأس بذلك، هو لا يذهب لأجل البقعة وإنما يذهب لأجل زيارة فلان من الناس من أقاربه من أصحابه، هذا جائز. زيارة سفر الإنسان لأجل التجارة هذا جائز مباح، هو يسافر لأجل قصد التجارة لا لأجل أصل البقعة، فيفرق بين سفر الإنسان لأجل بقعة من البقعة لقصد العبادة والطاعة، وبين من يسافر لأجل أمر مشروع أو أمر مباح لا لأجل البقعة التي هو فيها، فهذا جائز. وأما السفر لقصد بقعة من البقعة لقصد الطاعة والعبادة فهذا الذي ينهى عنه وينكر على فاعله. ويستثنى من ذلك المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى. المؤلف أورد هذا الحديث بعد أن ذكر شيئا مما يتعلق بالاعتكاف، كأنه يقول: من أراد أن يعتكف فلا بأس أن يسافر إذا أراد أن يعتكف في أحد المساجد الثلاثة، له أن يذهب يسافر إلى المسجد الحرام فيعتكف فيه لقصد العبادة، اعتكاف عبادة، فيذهب إلى المسجد الحرام فيعتكف فيه، أو يذهب فيسافر إلى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام ليعتكف فيه هذا جائز، وهكذا المسجد الأقصى. نسأل الله عز وجل أن يحرره من أيدي اليهود الغاصبين، فيجوز أن يذهب ويسافر ويعتكف فيه هذا جائز. أما غيرها من المساجد، هل الإنسان يذهب يسافر إلى بلد أخرى لأجل أن يعتكف في مسجد من المساجد؟ هذا لا يجوز، هذا لا يجوز أن يذهب يسافر لأجل أن يعتكف في مسجد يقصد هذا المسجد للعبادة، هذا لا يشرع إلا في هذه الثلاثة المساجد فقط، إلا في هذه الثلاثة المساجد فقط. وإن كان الذهاب إلى ذاك المسجد لأجل طلب العلم مثلا، ذهب إليه يقول: أنا سأتفرغ في رمضان يعني عندي مشاغل، وذاك المسجد فيه عالم يدرس ويفقه الناس، أذهب أتعلم وأستفيد من هذه الأيام، فيقصد العلم طلب العلم، ثم تبعا جاء وقت الاعتكاف، فقال: أنا ما دمت متفرغا وعندي يعني وقت وفراغ فأعتكف، لا بأس حينئذ يعتكف لأن قصد الاعتكاف هنا تبع وليس أصل، هذا لا بأس به. المراد أنهي عن قصد فعل العبادة في موضع من المواضع وشد الرحل إليها، فهذا هو المنهي عنه "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد هذا، والمسجد الأقصى". هذا آخر ما ذكره المؤلف رحمه الله في هذا الكتاب كتاب الصيام، إلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.