شرح الدرة البهية في شرح القصيدة التائية 1

الدرس في شرح الدرة البهية في شرح القصيدة التائية 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في شرح القصيدة التائية لشيخ الإسلام ابن تيمية

يبدأ الشرح بتوضيح سبب نظم القصيدة التائية لشيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة القضاء والقدر، حيث كانت نتيجة سؤال من شخص ذمي يهدف إلى التشكيك في أصول الدين. الجواب سيكون مبنياً على مذهب أهل السنة والجماعة.

الإيمان بالقضاء والقدر ومسؤولية الإنسان

يناقش مفهوم القضاء والقدر ومسؤولية الإنسان عن أفعاله، موضحًا أن أفعال العباد تقع بإرادتهم وقدرتهم، وأن الله خلق قدرة العبد وإرادته. هناك توافق بين خلق الله لأفعال العباد وبين اختيار العباد لها.

الاعتراض على القدر وخصومة الله تعالى

يتناول موضوع الاعتراض على قضاء الله وقدره، موضحًا أن هذا الاعتراض من جنس اعتراض إبليس. من يخاصم الله في قضائه وقدره يكون مشتبها بإبليس، وقد خاض القدرية الثلاثة في القدر خوضا منحرفا.

الاحتجاج بالقدر على فعل المعصية وتوضيح بطلانه

يشرح أن الاحتجاج بالقدر على فعل المعصية غير جائز إلا إذا تاب منها، حيث يمكن حينها الاحتجاج بالقدر على ما قد كتبه الله وقدره في الأزل. الاحتجاج بالقدر على المعاصي بشكل عام باطل ويعتبر اعتراضا على أوامر الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الحمد لله الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، نبتدئ بإذن الله القراءة في هذه الرسالة المسماة بالدرة البهية في شرح القصيدة التائية في حل المشكلة القدرية. والناظم لهذه القصيدة هو شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين أحمد أبو حليم عبد السلام ابن تيمية الحراني، رحمه الله، المتوفى سنة 728هـ. والشارح هو العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله، المتوفى سنة 1376هـ. وسيأتي ذكر مغزى هذه القصيدة وسبب نظم شيخ الإسلام لها. قال بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد المرسلين. اللهم صل وسلم على محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فقد طلب مني بعض الإخوان أن أشرح المنظومة التائية في القدر لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، لما فيها من التحقيق العظيم في مسألة القضاء والقدر، ولمتانتها وصعوبة فهمها، واحتياجها إلى شرح متوسط يوضحها ويكشف عن معانيها. ولكون المقام والموضوع مقاما مهما جدا، والحاجة بل الضرورة داعية إلى علمه والتحقق به معرفة واعتقادا. لأن معرفة القضاء والقدر وتحقيق الإيمان به هو أحد أركان الإيمان الستة التي لا يتم إيمان العبد إلا بالإيمان بالقضاء والقدر. قالوا: هذا النظم قد أتى فيه الشيخ بالعجب العجاب، وبيّن الحق الصريح، وكشف الشكوك والشبهات التي طالما خالطت قيوب أذكياء العلماء، وحيّرت كثيرا من أهل العلم الفضلاء. وذلك لما فيه من مسائل دقيقة في مسائل القدر، ربما تشكل على بعض أهل العلم ممن لم يعرف عقيدة أهل السنة والجماعة المعرفة التامة. قال: لذلك أجبت السائل لما طلبه، وأرجو الله وأسأله أن يعين على تحقيقه وتوضيحه. فإن التوضيح والبيان، خصوصا في هذا المقام، أولى من الاختصار. وذكر الشواهد والأمثلة الموضحة أولى من الاقتصار. وأسأله تعالى أن يجعل الداعي إليه إرادة وجهه الكريم، وإرادة النفع به للمشتغلين بالعلم، وكذلك أتفقه في الدين. وهذا يدل على صدق إرادة المؤلف وحسن نيته. ولذلك تجدون انتفاع طلاب العلم بكتب الشارح العلامة السعدي، رحمه الله، في كثير من شروحاته وتصانيفه، يقبل عليها طلاب العلم. وهذا من دلائل الصدق في سريرته. قال: والشيخ رحمه الله وقدس روحه نظمها جوابا لسؤال أورده عليه من قال: إنه ذمي -يعني يهودي أو نصراني- قال: ليشبه على المسلمين وليشككهم في أصول الدين. فإن الإيمان بالقضاء والقدر أحد أصول الإسلام ومبانيه العظام. قالوا: هذا نص السؤال: أيا علماء الدين ذمي دينكم تحير دلوه بأوضح حجتي إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم ولم يرضه مني فما وجه حيلتي دعاني وسد الباب دوني فهل إلى دخولي سبيل بينوا لي قضيتي قضى بضلالي ثم قال ارضى بالقضا فهل أنا راض بالذي فيه شقوتي فإن كنت بالمقضي يا قوم راضية فربي لا يرضى بشؤم بليتي وهل لي رضا ما ليس برضاه سيدي فهل لي رضا ما ليس يرضاه سيدي فقد حرت دلوني على كشف حيرتي إذا شاء ربي الكفر مني مشيئة فهل أنا عاص في اتباع المشيئة وهل لي اختيار أن أخالف حكمه فبالله فاشفوا بالبراهين غلتي. قال: هذا آخر السؤال المذكور، وحاصله أنه أراد على مذهب الجبرية القائلين إن العبد مجبور مقهور على جميع أقواله وأفعاله، وأنه لا قدرة له على شيء منها، بل هي عندهم واقعة بغير اختياره. وهذا قول الجهمية -الجهمية في باب القدر جبرية- يعني يعتقدون بأن المسلم ليس له إرادة ولا اختيار ولا قدرة، فما يفعله من أفعال يفعلها على جهة الجبر، أي أنه مجبور على فعلها. قال: وهذا القول باطل بالكتاب والسنة، وباطل بالعقل والحس، كما سيأتي بيانه إن شاء الله. وجميع المسلمين من جميع الطوائف -أهل السنة وغيرهم- ينكرون هذا المذهب ويتبرؤون منه. نعم، حتى المعتزلة ممن ظل في هذا الباب -في باب القدر- هم ينكرون على الجهمية هذا القول، ينكرون على الجهمية هذا القول: أن يعني أن المسلم ليس له إرادة وليس له اختيار ولا مشيئة في أفعاله. قال: فيقول هذا المشبه على المسلمين المشكك لهم، بانياً على مذهب الجبرية الذي يتبرأ منه جميع الطوائف، سوى غلاة الجهمية من الجبرية. وظل في هذا الباب -كما سيأتي معنا- الجبرية والقدرية. الجبرية والقدرية: الجبرية نفوا أن يكون للعبد مشيئة واختيار في أفعاله، وغلوا في إثبات القدر والمشيئة لله، حتى نفوا على العبد. والقدرية على عكسهم: نفوا المشيئة عن الله عز وجل أن يكون له مشيئة واختيار وإرادة في أفعال العباد، وأثبتوا المشيئة للعبد، وأن العبد يفعل بمشيئته واختياره، وأنه هو الذي يخلق فعل نفسه. وليس لله عز وجل مشيئة أو خلق لفعل العبد. وكل الطائفتين على ضلال. وأهل السنة والجماعة أثبتوا المشيئة لله، وأن الله عز وجل هو الخالق لكل شيء، ومن ذلك خلقه لفعل العباد من خير وشر. وأن العبد له مشيئة وله اختيار، وأن مشيئته تابعة لمشيئة الله. فالعبد يفعل الشيء باختياره وإرادته، والله عز وجل هو الخالق لأفعال العباد من خير وشر. إلا أن الشر لا ينسى بلا الله جل وعلا فعلا، وإنما ينسى به خلقا وإيجادا. قال: يقول: إذا كان الله قضى علي بالكفر، يقول: إذا كان الله قضى علي بالكفر وقدر علي أن لا أكون مسلما، أو قدر علي المعاصي وأن لا أكون طائعة، فكيف لي الخلاص من الكفر والمعاصي؟ وكيف أتمكن من الإيمان والطاعة بعد ما قضى علي بالكفر والمعصية؟ فهل أكون معذورا إذا تجرأت على الكفر والفسوق والعصيان، وأنا لا حيلة لي في الانفكاك عنها؟ وكيف أجمع بين الرضا بالقضاء وبين الرضا بالمقضي من الكفر والمعاصي؟ فإن الله لا يرضى بالكفر والفسوق والعصيان، فكيف قدرها علي وهو لا يرضاها؟ قال: هذا حاصل هذا السؤال. السؤال هذا المعترض المشبه يعني يقول: كيف يكون الله عز وجل قدر أفعال العباد من خير وشر، وقدر على العبد أن يفعل المعصية وأن يفعل الكفر، ثم يعاقبه عليه ويعذبه على فعله؟ كأنه يقول: هذا فيه شيء من التناقض والتعارض، فكيف الجمع بين ذلك؟ والجمع بين الرضا بالقضاء -أي فيما قضاه الله وقدره في الأزل- وبين الرضا بالمقضي -فيما قضاه الله عليه من الذنوب من فعل الذنوب والمعاصي-. قال: وجوابه على وجه الإجمال بسيط، ولله الحمد. فإنه لا يرد على مذهب جمهور طوائف المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الهدى المشهود لهم بالعلم والإيمان. بل ولا على مذهب المعتزلة والقدرية والخوارج وغيرهم من أهل البدع. فإن الجميع يقولون بما جاء به الكتاب والسنة من إثبات الأصلين. أحدهما: الاعتراف بأن جميع الأشياء كلها -أعيانها وأوصافها وأفعالها- بقضاء وقدر، لا تخرج عن مشيئة الله وإرادته. بل ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. يعني أن هذا الأمر يجتمع عليه أو يقر به جميع المسلمين، حتى المبتدعة. لكن من حيث التفاصيل يحصل حينئذ الاختلاف. قال: والأصل الثاني: أن أفعال العباد من الطاعات والمعاصي وغيرها واقعة بإرادتهم وقدرتهم، وأنهم لم يجبروا عليها. بل هم الذين فعلوها بما خلق الله لهم من القدرة والإرادة. فالجهمية هم الذين ظلوا في هذا الباب، وزعموا أن الإنسان مجبور على أعماله وعلى أفعاله، وأنه لا قدرة له ولا اختيار. وأما القدرية -على خلاف ما يعتقد هؤلاء الجهمية الجبرية- إلا أنهم يعني نفوا قدرة الله جل وعلا على خلق أفعال العباد وإيجادها. قالوا: لا منافات بين الأمرين. فالحوادث كلها التي من جملتها أفعال العباد -لأن محل الخلاف ومحل التنازع أيضا- ألي ظل فيه الجبرية والقدرية هو في أفعال العباد: هل للعبد مشيئة واختيار؟ أو ليس له مشيئة واختيار؟ هل الله عز وجل خلق أفعال العباد أم لا؟ فكما علمنا: القدرية يقولون: لا، الله لم يخلق أفعال العباد، وإنما العبد هو الذي خلق أفعال نفسه. والجبرية يقولون: لا، الله خلق أفعال العباد، والعبد ليس له مشيئة، ليس له مشيئة ولا اختيار. قال: ويقولون: لا منافات بين الأمرين. فالحوادث كلها التي من جملتها أفعال العباد بمشيئة الله وإرادته. والعباد هم الفاعلون لأفعالهم المختارون لها، فهم الذين اختاروا فعل الخيرات وفعلوها، واختاروا ترك المعاصي فتركوها. وهذا يقر به كل إنسان -يعني بفطرته- يعلم أنه لا يجبره أحد على فعل الطاعة، كما لا يجبر أحد على فعل المعصية. فهو يفعل الطاعة باختياره، ويفعل المعصية باختياره وإرادته. قال: والأخوة الآخرون اختاروا فعل المعاصي وفعلوها، واختاروا ترك الأوامر فتركوها. قال: فاستحق الأولون المدح والثواب، واستحق الآخرون الذم والعقاب. يعني الذين فعلوا الطاعة استحقوا الثواب والأجر، والذين فعلوا المعاصي والمحرمات استحقوا الذم والعقاب. قال: ولم يجبر الله أحدا منهم على خلاف مراد واختياره. فالذي فعل الطاعة فعلها باختياره وإرادته، والذي فعل المعصية فعلها بإرادته واختياره. ما أجبره أحد على أن يسرق أو يقتل أو يزني أو يفعل غير ذلك من المحرمات. أقدم عليها بإرادته واختياره ورغبته. قال: فلا عذر للعاصين إذا عصوا، وقالوا: إن الله قدرها علينا، فلنا بذلك العذر. يعني لو أحد فعل المعصية وارتكب الذنب، ثم يقول: أليس أفعال العباد مخلوقة لله؟ والله عز وجل قدرها في الأزل؟ إذن نحن فعلنا هذا بقدر الله، الله قدر علينا أن نرتكب المعاصي، إذن نحن معذورون، فعلنا شيئا قدره الله علينا. قال: فيقال لهم: إن الله قد أعطاكم المكنة والقدرة على كل ما تريدون -يعني أمكنكم وأعطاكم إرادة واستطاعة على فعل ما تريدون وتختارون- وأنتم بزيغكم وانحرافكم أردتم الشر ففعلتموه. والله قد حذركم وهيئ لكم كل سبب يصرف أو يصرف عن معاصيه، وأراكم سبيل الرشد فتركتموه، وسبيل الغي فسلكتموه. وحينئذ ليس للعبد هذا احتجاج بالقدر. ليس له احتجاج بالقدر، وإن كانت هذه الأفعال هي مقدرة عند الله جل وعلا، وقضاها وخلقها. لكن العبد هو الذي يفعلها ويباشرها بإرادة واختياره. فليس له احتجاج على فعل الذنوب والمعاصي بما قد قدره الله سبحانه وتعالى في الأزل. قال: وإذا أردت زيادة إضاح لهذا المقام، فإنه من المعلوم لكل أحد أن كل فعل يفعله العبد، وكل كلام يتكلم به، فلابد فيه من أمرين: الأول قدرة منه على ذلك الفعل والقول، وإرادة منه. الأول: القدرة، والثاني: الإرادة. قال: فما تجتمع وجدت منه الأقوال والأفعال. والله تعالى هو الذي خلق قدرة العبد وإرادة العبد، وخالق السبب التام، وخالق المسبب. فالله تعالى خالق أفعال العباد، والعباد هم الفاعلون لها حقيقة. وحينئذ لا منافات بين الأمرين: أن يكون الله عز وجل خلق أفعال العباد وقدرها وشاءها، وبين أن يكون العبد هو الذي فعل هذه الأفعال وباشر فعلها باختياره وإرادته. قال: فهذا الإيراد الذي أورده هذا المشكك، وما أشبهه من الإرادات التي يحتج بها أهل المعاصي بالقدر، يجيبونهم بهذا الجواب المفهم. فيقولون: دلت أدلة الكتاب والسنة الكثيرة على أن الله خالق كل شيء، وعلى كل شيء قدير. وأن كل شيء بقضاء وقدر -الأعيان والأوصاف والأفعال-. الأعيان يعني الذوات: كون هذا الإنسان طويلا، وهذا قصيرا، وهذا نحيفا، وهذا سمينا. والأوصاف: كون هذا مثلا أبيض، وهذا أسود، وهذا مطيع، وهذا شرير. والأفعال: فيما تعلق بفعل الطاعات أو فعل المعاصي، كل ذلك بقضاء الله عز وجل وقدره. قال: ودلت أيضا أدلة الكتاب والسنة أن العباد هم الفاعلون لفعلهم حقيقة، بقدرتهم واختيارهم. فإنه تعالى نسب إليهم، وأضاف إليهم كل ما فعلوه من إيمان وكفر وطاعة ومعصية. وإنه تعالى مكنهم من هذا ومن هذا -يعني من فعل الإيمان والطاعة، ومن فعل الكفر والمعصية-. ولكنه تعالى حبب إلى المؤمنين الإيمان، وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان. وولى الآخرين ما تولوا لأنفسهم، حيث اختاروا الشر على الخير، وأسباب العقاب على أسباب الثواب. مع كون الله عز وجل وضح لهم وبيّن لهم طرق الهداية، وأمرهم بسلوكها، وبيّن لهم طرق الغواية وأمرهم باجتنابها. ﴿إِنَّ هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، وقال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾. فهو إن سلك طريق الخير سلكه باختياره، وإن سلك طريق الشر سلكه باختياره. قالوا: هذا كما أنه معلوم بالضرورة من الشرع، فهو معلوم بالحس الذي لا يمكن أحدا المكابرة فيه. فإن العبد يفرق بين أفعاله التي يقصر ويجبر ويقهر عليها، وبين أفعاله التي يختارها ويريدها ويحب حصولها. يعني الإنسان يفرق بين ما يفعله قهرا من غير اختيار -كمن يرمى في حفرة هو ما يريد أن يسقط فيها- فيأتي من يدفعه ويرميه فيها، هذا فعل لم يفعله باختياره. أو يسقط من مكان مرتفع يرمى منه من أعلى إلى أسفل، هذا حصل له بغير اختياره -يعني لم يرد أن يفعل هذا الفعل، لكن أجبر عليه-. هنا يصح أن يقول: أنا أجبرت على السقوط في هذه الحفرة أو السقوط من هذا الارتفاع. وبين الفعل الذي يفعله باختياره وبإرادته -ما يستطيع أن يقول: أنا أجبرت على أن أقع في الزنا أو أن أشرب الخمر أو أن أقتل نفسا- وهو أقدم على فعل ذلك بكل اختياره وإرادته. فهو يفرق بين الأمرين. قال: فهذا الجواب المجمل. وأما الجواب المفصل فقد ذكره الشيخ قدس الله روحه، فقال -يعني جواب شيخ الإسلام رحمه الله على هذا الذمي المشبه والمعترض في مسألة القضاء والقدر- قال رحمه الله: سؤالك يا هذا سؤال معاند مخاصم رب العرش بار البرية. فهذا سؤال خاصم الملأ العلا، فديما به إبليس أصل البلية، وميخ خصما للمهيمن يرجعا على أم رأس هاويا في الحفيرة. قال: بين الشيخ في أول الجواب أن هذا السؤال والإيراد إنما صدر عن رجل معاند مكابر مخاصم لله. فإن هذا السؤال في الحقيقة موجه إلى الله، والسائل قد أورده على ربه، واعترض عليه، وزعم أن الله ظالم له حيث قدر عليه الكفر والمعاصي وعذبه عليه -يعني يقول: الله قدر عليه أن أعصي وأن أرتكب المعصية، ثم يعذبني على فعلها- فيقول: هذا فيه تناقض، ثم يصف الله عز وجل -يعني بالظلم- إذ أنه قدر عليه فعل المعصية ثم عاقبه على فعلها. قال: وكل من عاند الله فحجته داحضة باطلة، وهو مخاصم محجوج. وهذا السؤال من جنس سؤال إبليس حيث قال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾، ولم يكن غوى إبليس أو غويت. فإبليس هو الذي غوى واستكبر عن أمر ربه حيث أمره بالسجود لآدم، فقال: ﴿أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾، ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فإبليس خاصم الله وبادأه بالمعصية، واستكبر عن أمره، واستكبر على آدم -يعني في الاستجابة لله بالسجود له- فأبى واستكبر، وكان من الكافرين. قال: فكل من خاصم عن نفسه أو عن غيره في معصية الله، فهو وارث إبليس، وعنه أخذ هذه الخصومة. نعم، فمن احتج بالقدر على المعاصي على القدر، وعاند وعارض الله عز وجل فيما يفعله، فهو يكون مشتبها بإبليس. وكذلك معاندا ومشاققا لله جل وعلا. قال: فكل من خاصم الحق فلج وخصم -كما أن كل من خاصم بالحق فلج وغلب-. من خاصم الحق -يعني عارض الحق وعاند الحق- فإنما آله أن يخصم، وأن تذهب حجته وتدحض. ومن خاصم بالحق -من خاصم بالحق جعل حجته الحق والكتاب والسنة- فإنه سيكون له الغلبة، وله الظهور، وكذلك الفلاح. ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. وكل من نصر الباطل فهو من خصوم الله. فتبين في أول الجواب إذن أن هذا الاعتراض على قضاء الله سبحانه وتعالى وقدره، وكون الإنسان أنه يفعل الشيء من المعاصي والذنوب والأفعال التي يفعلها باختياره وإرادته، ثم يحتج أن الله قد قدرها عليه في الأزل، فكيف بعد ذلك يعذبه ويعاقبه على فعلها؟ هذا السؤال وهذا الاعتراض هو في الحقيقة من جنس اعتراض إبليس عليه لعنة الله. والمسلم يحذر أن يكون من أتباع إبليس فيضل ويزيغ ويكون عاقبة أمره الضلال المبين. قال رحمه الله: ولكن أصناف القدرية الثلاثة هم حق الناس بهذا الوصف -يعني بأنهم خصماء لله جل وعلا-. قال: فلهذا قال الشيخ: وتدعى خصوم الله يوم معادهم إلى النار طرا، معشر القدرية -سواء نفوه أو سعوا ليخاصم به الله أو ماروا به للشريعة-. عندكم هنا الراء ملتصقة باللام، الصواب: ماروا -يعني من المراء والجدال-. قال: يشير الشيخ إلى ما رواه ابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من تكلم في شيء من القدر سئل عنه يوم القيامة». أي سؤال تقريع وتوبيخ. هذا الحديث رواه ابن ماجة، وفي سنده ضعف. والحديث ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله في ضعيف ابن ماجة، وأيضا في ضعيف الجامع. إلا أن معناه صحيح. إلا أن معناه صحيح. وذلك أن من خاض في باب القدر فإنه سيحاسب ويؤاخذ. وذلك أن المسلم الواجب عليه في مثل هذا الباب هو التسليم، وعدم الاعتراض، كما قال الله عز وجل: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. فباب القدر لا يسأل فيه بلم: لما فعل كذا؟ لما خلق كذا؟ لما جعل هذا كذا؟ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. كما أن في باب الصفات لا يسأل بكيف: كيف استواء الله؟ كيف مجيء الله؟ كيف نزول الله إلى آخره؟ لا يسأل. نؤمن في إثبات الصفات من غير تكيف ولا تعطيل وتمثيل. وهكذا في باب القدر نؤمن بما قدره الله عز وجل، وما قضاه وشاءه من غير اعتراض، وسؤال بلم. وجاء عند أبي داود وابن ماجة عن ابن عمر: أنه كان له صاحب بالشام، فبلغه أنه يتكلم في القدر. أي: بلغ ابن عمر أن صاحبه هذا يتكلم في القدر، فأرسل إليه: بلغني أنك تتكلم في شيء من القدر، فلا تراسلني. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليكونن من أمتي أقوام يتكلمون في القدر». وهذا الأثر صحيح. قال: هو كما ذكر الشيخ يشمل طوائف القدرية الثلاثة: القدرية النفاة أو المعتزلة، والقدرية المجبرة وهم الجهمية، والقدرية المشركون. قال: فكل الطوائف الثلاث خاضوا في القدر خوضا منحرفا، وبعضهم أغلظوا من بعض، وكلهم عن الصراط ناكبون. أما القدرية النفاة فهم الذين يطلق عليهم أكثر العلماء اسم القدرية. يعني إذا أطلق لفظ القدرية فالمراد بهم القدرية النفاة. وهم الذين ورد فيهم الحديث الذي في السنن: «أنهم مجوس هذه الأمة». جاء هذا الحديث عن عدة من الصحابة: عن جابر، ومن عمر، وغيرهم. وهو حديث حسن، حسنه جماعة من أهل العلم بمجموع طرقه. وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «القدرية مجوس هذه الأمة». إذا مرضوا فلا تعودوهم، وإذا ماتوا فلا تشيعوهم. وهكذا أيضا إذا لقيتموهم فلا تسلموا عليهم. قال: أنهم مجوس هذه الأمة. وأكثر المعتزلة على هذا المذهب الباطل -أكثر المعتزلة في باب القدر في هذا الباب قدرية- يعني من ينفي مشيئة الله عز وجل وخلقه لأفعال العباد. قالوا حقيقة مذهبهم: أنهم يقولون إن أفعال العباد وطاعاتهم ومعاصيهم لم تدخل تحت قضاء الله وقدره. أثبتوا قدرة الله على أعيان المخلوقات وأوصافها، ونفوا قدرته على أفعال المكلفين. أثبتوا قدرة الله على أعيان المخلوقات -كما مر معنا- يعني أن هذا طويل، وهذا قصير، وهذا سمين، وهذا نحيف، يقولون: هذا بقدر الله. الأعيان مخلوقة لله. كذلك الأوصاف مخلوقة لله: كون هذا أبيض، وهذا أسود، وهذا أحمر، هذا من خلق الله. وأما أفعال المخلوقين، قالوا: هذه لم تدخل في أفعال الله، ولم يشأها الله سبحانه وتعالى. قال: ونفوا قدرته على أفعال المكلفين، وقالوا: إن الله لم يردها ولم يشأها منهم، بل هم الذين أرادوها وشاؤها وفعلوها استقلالا بدون مشيئة الله. هذا قول القدرية. وهذه الشبهة هي شبهة -يعني هذا القول الباطل- وسيأتي ذكر الشبهة التي ظلوا بسببها. قالوا: يزعمون أنه بهذا القول ينزهون الله عن الظلم. لأنه لو قدر المعاصي عليهم ثم عذبهم عليها لكان ظالما لهم. وللزم من إثبات قدرة الله على أفعالهم الجبر الذي هو باطل بالشرع والعقل، كما تقدمت الإشارة إليه. هذه شبهة القدرية التي بها ظلوا في هذا الباب. يقول: لو قلنا إن الله قدر أفعال العباد، فإذا فعل العبد المعصية والذنب والكبيرة من كبائر الذنوب، ثم عذبه الله على فعلها، لكان ظالما له. لأنه كيف يعذبه على شيء هو قدره وأراده وخلقه؟ قالوا: فنحن نزه الله عن أن يوصف بالظلم، فنقول: ليس لله مشيئة ولا خلق في أفعال العباد، وإنما العبد هو الذي يخلق فعل نفسه. قال: ولكنه بهذا القول الباطل ردوا نصوصا كثيرة من الكتاب والسنة تثبت وتصرح أن جميع أعمال العباد من خير وشر وطاعة ومعصية بقضاء الله وقدره. كما أجمع المسلمون أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: وسموا مجوس هذه الأمة لأنهم أشبهوا المجوس الذين أثبتوا خالقا للخير وهو الله، وخالقا للشر وهو إبليس -على زعم المجوس أي عباد النار-. وهؤلاء القدرية أثبتوا أن الله خالق للعباد لأعيانهم وأوصافهم، ولم يثبتوا أنه خالق لأفعالهم. فأخرجوا أفعال العباد عن قدرة الله، بل وقالوا: إن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه. فأوجدوا خالقا مع الله جل وعلا، وهو العبد. كما أن المجوس أوجدوا خالقا مع الله وهو إبليس الذي خلق الشر. وهكذا القدرية قالوا: العبد هو الذي يخلق أفعال نفسه. فشابهوا المجوس من إثبات خالق مع الله جل وعلا. قال: فأخرجوا أفعال العباد عن قدر الله، ولم يهتدوا إلى ما اهتدى إليه أهل السنة من أن الله كما أنه الذي خلقهم خلق ما به يفعلون من قدرتهم وإرادتهم. ثم فعلوا الأفعال المتنوعة من طاعة ومعصية بقدرتهم وإرادتهم التي خلقها الله لهم. باتفاق المسلمين -حتى هؤلاء القدرية يثبتون أن قدرة العباد وإرادتهم مخلوقة له- يعني أن القدرة والإرادة خلقها الله خلق في الإنسان قدرة يستطيع أن يفعل فيها الأشياء، وكذلك إرادة بها يفعل الشيء بإرادة واختياره. لعلنا نقف هنا إن شاء الله، ونكمل بإذن الله في الدرس القادم. إلى هنا صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. متى يجوز الاحتجاج بالقدر على فعل المعصية؟ إذا تاب منها، إذا تاب، فإذا ذكر مثلا: تفعل كذا، يقول: الحمد لله قدر الله عليه ذلك، وقدر الله عليه بالتوبة. هنا يستدل بالقدر ليس على فعل المعصية، ويعني الإقرار بفعلها، وإنما على ما قد كتبه الله وقدره في الأزل أنه شيء مكتوب قد حصلت منه التوبة، فلا يقوم فيه معنى المعنى الباطل الذي يسدل به القدرية على الاستمرار في فعل المعاصي احتجاجا بالقدر. نعم، على هذا يحمل حديث: «حج آدم موسى». لما قال له موسى: أنت أكلت من الشجرة وخرجت ذريتك من الجنة. قال آدم: تحتج علي بشيء قد قدره الله علي قبل أن أخلق؟ فقال: نعم. يسلم. «حج آدم موسى»، وآدم قد تاب من أكله من الشجرة إلى آخره. فهنا يكون الاحتجاج يعني ليس على الذنوب والمعاصي والمعائب، وإنما احتجاج على المصائب. كما قال ابن القيم: إذا كان الاحتجاج بالقدر على المصائب فهذا جائز. وأما الاحتجاج بالقدر على المعائب فهذا المذموم. كل إنسان يقول: هذا شيء قدره الله. هذه المصيبة التي حصلت أم قدره الله. وقد تاب منها ورجع عنها، هذا لا بأس. أما يحتاج على المعائب والمعاصي بالقدر، فهذا فيه معنى الاعتراض، واستخفاف بأوامر الله، وبما نهى الله سبحانه وتعالى في فعل المعصية. فيكون يعني مؤاخذ على هذا الاحتجاج، ولا يقبل منه. فسيأتي معنا ذكر سيد كل مؤلف أمثلة في الرد على الجبرية في احتجاجهم بالقدر. أمثلة كثيرة تدل على بطلان مذهبهم. ومن سبيل المثال: هذا الجبر الذي يقول: أن الله أجبرني على فعل المعصية، أنا مجبر، ما عندي اختيار ولا إرادة. لو جاءه رجل فلطمه، وأخذ ماله، يعني مثلا انتهك عرض حريمه، ثم يقول: أنا قدر الله علي، أنا مجبر، وليس هذا مذهبك، أنا مجبرت على هذا. هل سيقبل هذا منه؟ ما سيقبل. إذا احتجاج باطل. كيف جعل هذه حجة في فعل المعاصي، ولم يقبلها في أفعال الناس، وفي أمور الخلق؟ هذا يبعدون. لأنهم كذبة فيما يدعون. ما تستقيم الحياة -ها- ما تستقيم الحياة عليه. أكيد هذا القول بالجبر -قول يعني- سيؤدي إلى بطلان يعني الحياة، سواء كان في أمور في أمور العبادات والطاعات، أو في يعني معاملات الناس بعضهم لبعض. ما سيستقيم في انتهاك الأعراض، وأخذ الأموال، والآخر كل واحد يقول: مجبور. سيصبح الناس يعيشون في همجية لا منتهى لها.