التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 6

الدرس في التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضل تعلم القرآن وتعليمه ومكانته في الإسلام

يُبين هذا الفصل أهمية تعلم القرآن وتعليمه مستندًا إلى أحاديث نبوية تشير إلى فضل ذلك، مثل حديث 'خيركم من تعلم القرآن وعلمه'. يُظهر أيضًا كيف كان السلف يجمعون بين تعلم ألفاظ القرآن ومعانيه والعمل بما تعلموه.

أمثلة على فضل تعلم القرآن من الأحاديث النبوية

يستشهد هذا الفصل بأحاديث نبوية تُظهر فضل تعلم القرآن، مثل اعتبار تعلم آيتين من القرآن خيرًا من ناقتين، ويتزايد هذا الفضل بزيادة عدد الآيات المتعلمة، مما يدل على تفضيل أمور الآخرة على أمور الدنيا.

أثر تعليم القرآن على الأجر والثواب

يُوضح هذا الفصل الأجر العظيم المرتبط بتعليم القرآن، حيث يستمر الأجر حتى يوم القيامة، مما يحث المسلمين على الاستمرار في تعلم القرآن وتعليمه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله في كتابه «أخلاق حملة القرآن»: قال باب فضل من تعلم القرآن وعلمه، أي سيذكر في هذا الباب بعض الأحاديث الواردة في هذا الباب في فضل من تعلم القرآن وعلمه لغيره، يعني من الأجر والثواب. قال: حدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني، قال: حدثنا علي بن الجعد، قال: أخبرنا شعبة، عن علقمة بن مرثد، قال: سمعت سعد بن عبيدة يحدث عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». وهذا الحديث أخرجه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه، حديث عثمان رضي الله عنه، في قوله عليه الصلاة والسلام: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». هذا الحديث به فضيلة عظيمة لمن تعلم القرآن وعلمه لغيره، أنه من خير الناس. «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» من تعلم القرآن، وهذا يشمل تعلم حروفه، أن يتعلم نطقه وتلاوته وقراءته، وكذلك أيضا تعلم معانيه وتفسيره. وهكذا من علمه، أي لغيره، «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، فطالب العلم الذي يتعلم القرآن، يتعلم تلاوته وقراءته وإقامة حروفه، ويتعلم معانيه، فهو من خير الناس. وهكذا الذي يعلم القرآن، فهو أيضا من خير الناس. وهذا كما سمعتم يشمل تعليم ألفاظ القرآن، وكذلك أيضا يشمل تعليم معانيه وتفسيره. وهكذا كان السلف رحمهم الله يجمعون بين تعلم ألفاظ القرآن وتعلم معانيه، كما قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله: حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنهم كانوا يقرؤون العشر الآيات مع النبي عليه الصلاة والسلام، لا يتجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يعلموا ما فيها من العلم، فتعلموا العلم والعمل، فجمعوا بين العلم وبين العمل بهذا العلم، يحفظون هذه الآيات ويحسنون تلاوتها، ثم يتعلمون معانيها حتى يعملوا بها. وهذا هو، لا شك، أنه أفضل طريقة في تعلم العلم، أن تجمع بين الحفظ والفهم والاستعانة بما علمت أن تعمل به. قال أبو عبد الرحمن السلمي: فذلك أقعدني مقعدي هذا، فكان يعلم القرآن من خلافة عثمان إلى إمرة الحجاج، يعني نحوا من أربعين سنة. لما سمع هذا الحديث «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» جلس يعلم القرآن من خلافة عثمان إلى إمرة الحجاج، فترة تقريبا نحو أربعين سنة، وهو يعلم القرآن. وانظر إلى حرص السلف على العمل بالعلم، سمع هذا الحديث وما فيه من خيرية عظيمة لمعلم القرآن، فعمل به وجلس يعلم، يقول: هذا الذي حبسني في تعليم القرآن وأجلسني هذا المجلس، هو هذا الحديث، حتى ينال هذه الخيرية العظيمة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا كان السلف رحمهم الله، كانوا سريع الاستجابة لكتاب الله جل وعلا ولسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، إذا سمعوا شيئا من الخير والفضل سارعوا إلى العمل به. قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدثنا فضل بن وثيق، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». والحديث أخرجه الإمام الترمذي، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. قال: حدثنا أبو خبيب العباس بن أحمد البرني أو البرتي، قال: حدثنا عبد الله بن معاوية الجمحي، قال: حدثنا الحارث بن نبهان، قال: حدثنا عاصم بن بهدلة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، أي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». قال: وأخذ بيدي وأقعدني في مجلس أقرئ. وهذا الحديث كذلك أخرجه البزار في مسنده، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. نعم، هذا الحديث أيضا جاء من طريق علي رضي الله عنه، ومن حديث سعد بن أبي وقاص. حديث عثمان رضي الله عنه، جاء من حديث علي بن أبي طالب، وجاء أيضا من حديث سعد بن أبي وقاص: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». قال: وأخذ بيدي، القائل هو عاصم بن بهدلة، عاصم بن أبي النجود، وهو أحد القراء السبعة، ونحن نقرأ بقراءته، قراءة عاصم، حفص يعني راويه عن عاصم. قال: فأخذ بيدي، يعني مصعب بن سعد أخذ بيد عاصم وأجلسه للإقراء، قال: وأقعدني في مجلس أقرأ، يعني يقرأ القرآن ويعلم الناس القرآن. وهذا من باب الدال على الخير كفاعله، هو يقول: أنت الآن سمعت هذا الحديث «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، إذن اجلس وعلم الناس القرآن حتى تنال هذه الخيرية العظيمة. قال: وحدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد الصندلي، قال: حدثنا زهير بن محمد، قال: أخبرنا عبد الله بن يزيد المقرئ، قال: حدثنا موسى بن علي بن رباح، قال: سمعت أبي يقول: سمعت عقبة بن عامر رضي الله عنه يقول: خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة، فقال: «أيكم يحب أن يغدو إلى بطحان أو العقيق فيأتي كل يوم بناقتين كوما وين زهرا وين، فيأخذهما في غير إثم ولا قطع رحم؟» قال: قلنا: كلنا يا رسول الله يحب ذلك. قال: «فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل». وهذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه. في هذا الحديث كذلك فضيلة لتعلم القرآن وتعليمه، يقول عقبة بن عامر: خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة، وأهل الصفة هم فقراء الصحابة رضوان الله عليهم، كانوا يسكنون في صفة مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، هي مؤخرة المسجد، كضاحية المسجد، كانوا يسكنون فيها لأنهم ليس لهم أهل يؤون إليهم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أيكم يحب أن يغدو إلى بطحان أو العقيق، يغدو يعني في أول النهار، الغدو في أول النهار، وقوله إلى بطحان أو العقيق، وهما واديان معروفان في المدينة، فيأتي كل يوم بناقتين كوما وين زهرا وين» ومعنى كوما وين يعني عظيمة السنام، كبيرة السنام، وزهرا وين يعني أن لونها يميل إلى البياض من كثرة سمنها. فهذه أنفس ما تكون من الإبل وأفضل ما تكون من الإبل، فمن يحب أن يذهب إلى أحد هذين الواديين كل يوم ويأتي بناقتين على هذا الوصف، كوما وين زهرا وين، فيأخذهما من غير إثم، يعني يأخذهما من طريق حلال ليس فيه شيء من الإثم، بحيث أنه يأخذها يعني قهرا أو غصبا أو يأخذها عن طريق الكذب أو الغش أو غير ذلك من طرق الإثم. قال: «فيأخذهما في غير إثم ولا قطع رحم»، يعني لا يأخذها ويتسبب ذلك قطيعة الرحم، لأن بعض الأموال التي قد يتحصل عليها الإنسان تسبب قطيعة، يحسده أقاربه ويحسده يعني أرحامه، ويقع بينه وبينهم شحناء وبغضاء وعداوة. لكن هذا يأخذ كل يوم ناقتين على هذا الوصف من غير إثم ولا قطيعة رحم. فقال الصحابة رضوان الله عليهم: كلنا يا رسول الله يحب ذلك، كلنا يحب ذلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مبينا له ما هو أفضل من ذلك وأسهل، قال: «فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل»، يعني تغدو إلى المسجد تتعلم كتاب الله، تتعلم آيتين خير لك من ناقتين، هي من أفضل النوق يعني ثمنا ووصفا. تتعلم ثلاث آيات خير لك من ثلاث من النوق، أربع خير من أربع، خمس، عشر، مئة، ألف خير لك من ألف من النوق، هذا أجر عظيم، هذا أجر عظيم وفضيلة عظيمة لمن تعلم القرآن. وفيه أيضا تزهيد في أمور الدنيا والاستغناء عن ذلك بأمور الآخرة، وأن الإقبال على طاعة الله سبحانه وتعالى يجعل الله سبحانه وتعالى فيها من الأجر والثواب والفضيلة ما هو أفضل من متاع الدنيا. متاع الدنيا زائل، أنت لو وجدت مئة ناقة لابد أنها ستزول وتنتهي، لكن إذا تعلمت مئة آية يبقى لك أجرها، كل ما تلوتها وكل ما قرأتها وكل ما علمتها لغيرك يستمر هذا الأجر، أنت تعلم، وهذا الذي تعلم منك يعلم غيرك، ويستمر لك الأجر، يستمر لك الأجر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من دل على هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيئا». فأنت يستمر لك أجر هذه الآيات، وهذا لا شك أنه أجر عظيم وفضيلة كبيرة ينبغي للمسلم وطالب العلم أن يعتني بها، وأن يستحضر مثل هذه الأجور الفضائل في تعلم القرآن وتعليمه، مما يحثه ويرغبه على الاستمرار والمداومة على هذا الخير. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وأهله وصحبه أجمعين.